بعد هجرة أصحاب العقول المتميزة…ازمة نقص العمالة تضرب دول جنوب شرق أوروبا

بوخارست ـ نورنبرج ـ من كاترين لاور وإلينا لالوفا و جريجور ماير:

“نحن أمة تختفي”، هكذا اشتكى ماريان هَنجانو، رئيس شركة كالرفول الرومانية، العاملة في استقطاب الكفاءات المميزة، على صفحته على الإنترنت، الهجرة الجماعية من إحدى أكثر دول الاتحاد الأوروبي فقرا، مضيفا: “كانت النتيجة هي أن الكثير من الشركات متعددة الجنسيات قررت التوقف عن الاستثمار في رومانيا بسبب نقص العمالة”.

يبدو الوضع مشابها في الجارة بلغاريا، “حيث بدأت الشركات ترفض توقيع عقود وطلبيات جديدة، وذلك بسبب نقص القوى العاملة”، حسبما أوضح وزير الاقتصاد ايميل كارانيكولوف، في مقابلة مع إحدى القنوات البلغارية.

تجتذب دول مثل ألمانيا وإيطاليا واسبانيا الكثير من الأشخاص في دول جنوب شرق أوروبا. فرغم أن الأجور في بلادهم آخذة في الارتفاع ، إلا أن هذا الارتفاع يعد ضئيلا .

يساور القلق شركات وخبراء وسياسيين من بودابست حتى أثينا، وذلك بسبب هجرة الشباب المدرب جيدا، ذلك الشباب الذي يعتبر عامل جذب بالنسبة لسوق العمل.

أصبح هناك نقص في الكفاءات في كثير من الأرجاء، في هذه البلاد .

وفقا لتقديرات الحكومة في بوخارست فإن أكثر من مليوني روماني يعيشون في الخارج، أغلبهم في اسبانيا وإيطاليا.

كانت الهجرة الجماعية في الدول المجاورة مشابهة، حيث وجد أكثر من 700 ألف بلغاري، وفقا للبيانات الرسمية، موطنا جديدا لهم في دول بالاتحاد الأوروبي. كما أشارت دراسة للبنك الوطني الكرواتي، NHB ، في زغرب، إلى أن 230 ألف مواطن هاجروا من كرواتيا إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي، في الفترة بين عام 2013 و عام 2016، أي بمعدل هجرة 2% من إجمالي عدد السكان سنويا.

وأدار 400 ألف يوناني، أغلبهم من الشباب، ظهرهم لبلدهم منذ بدء الأزمة المالية العالمية عام 2010، وذلك وفقا لتقديرات النقابات.

بل إن المجر ،التي كانت تعتبر إحدى أفضل دول المنطقة نموا، شهدت موجة هجرة في أعقاب الأزمة العالمية عام 2008، والتي تعززت بشكل مفاجئ بعد عام 2010، حسبما أوضحت أجنيس هارس، الباحثة المجرية في علم الاجتماع، في دراسة لها، مضيفة أن أكثر من 200 ألف مجري في سن 20 إلى 65 عاما غادروا بلادهم في الفترة بين عام 2010 و .2017

وأكدت الباحثة أن حركة الهجرة هي الأعلى بين الدول الجديدة المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي.

يتولى فكتور أوربان، الذي يتبنى سياسة قومية، رئاسة الوزراء في المجر منذ عام .2010

بالنسبة لكريستينا ميهو، فقد كان قرار الذهاب لألمانيا سهلا، حيث كانت قد تعلمت الألمانية كلغة أجنبية ثانية في المدرسة في مدينة ديفا الواقعة في إقليم ترانسيلفانيا الروماني.

وبينما كانت ميهو تدرس، بعد ذلك، الطب في مدينة تيميشوارا، موَّل والداها ثلاثة تدريبات في مستشفيات بإيطاليا واسبانيا وهايدلبرج، “حيث أرادت جمع خبرات دولية” حسبما أوضحت أخصائية الأمراض الباطنة، البالغة من العمر 32 عاما، والتي تعمل منذ ست سنوات في مستشفى نورنبرج، جنوب ألمانيا.

كان الفساد المستشري في قطاع الصحة في رومانيا إلى جانب الراتب الأفضل في ألمانيا، سببا في هجرة الطبيبة من رومانيا، “حيث كان ذلك يزعجني، حتى وإن كان الوضع أكثر سوءا في الماضي”، حسبما تقول الطبيبة ميهو.

وفي مقابل ذلك فإن نقص الأطباء والممرضين منتشر في جميع أنحاء دول جنوب شرق أوروبا، مما جعل قسم الأمراض المعدية في مستشفى مدينة شولونوك الصغيرة في المجر يضطر للإغلاق مؤقتا.

ولم يعد لدى المستشفى المركزي بمدينة تولسيا الرومانية مؤخرا أطباء تخدير، فقد قام اثنان من الأطباء الذين كانوا متوفرين في الأصل بفسخ عقودهما مع المستشفى، ومرض الطبيب الثالث نفسه.

بل إن شركات رومانية تحاول بسبب الضيق، في استقدام عمالة من الشرق الأقصى. حددت الحكومة هناك حصة من العمالة القادمة من خارج دول الاتحاد الأوروبي، بلغت 20 ألف لهذا العام، ولكن شركة هنجانو لاستقطاب العمالة المتخصصة ترى أن هذا العدد “ليس إلا نقطة مياه على الحجر الساخن”، وأن النقص في رومانيا يبلغ 300 ألف عامل على الأقل.

تقول أندريا تارتاكان، الموظفة في شركة هنجانو، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن التعاون مع العمال الوافدين من الشرق الأوسط يفشل في الغالب لأن الكثيرين من هؤلاء العاملين لا يروقهم المناخ والطعام في رومانيا، وأضافت: “ونحاول الآن استقدام عمال من طاجيكستان، على الأقل من أجل قطاع الإعمار.

وتعتقد تارتاكان أن هؤلاء العمال يتمتعون بقوة تحمل أكثر من أقرانهم من فيتنام، وذلك بسبب طبيعتهم ونشأتهم في البراري.

وتشغل بلغاريا هي الأخرى عمالا وافدين، وإن لم يكونوا من الشرق الأقصى تماما، مثل رومانيا، حيث إن الكثير من العاملين في النزل و المطاعم والمصايف، والفتيات العاملات في الفنادق على البحر الأسود يأتون من أوكرانيا وروسيا البيضاء ومولدافيا.

يبدو أن السياسة الغربية تشجع على هذه الهجرة، حيث زار وزير الصحة الألماني، ينز شبان، على سبيل المثال، مؤخرا مدرسة في كوسوفو، يتم فيها تدريب الطلاب على العمل في الرعاية الصحية في ألمانيا.

كما تعتبر المدرسة الثانوية الألمانية في مدينة بريزرن، في كوسوفو، وسيلة للهجرة، حيث يحصل ما يصل على 30 من خريجي المدرسة كل عام على عقد للتدريب في ألمانيا، ولا يعود أي منهم تقريبا لبلاده بعد التدريب.

وفقا لمعهد أبحاث سوق العمل والوظيفة في مدينة نورنبرج، فإن ألمانيا تستفيد من المهاجرين القادمين من جنوب شرق أوروبا، “حيث إنهم شباب في الغالب، وتشبه نسبة التشغيل معدلا مشابها لمعدل تشغيل الألمان” حسب هِربرت بروكر، الباحث في شؤون الهجرة، مشيرا إلا أنه لولا هذه العمالة لعانت قطاعات مثل قطاع الإعمار والرعاية الصحية والفندقة نقصا شديدا في القوى العاملة، لأن هذه القطاعات لا تجد متقدمين من الألمان تقريبا، “فليست هناك منافسة بين الألمان والأجانب في هذه القطاعات”، حسب بروكر.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here