بعد تسعة اشهر في الزنزانة الانفرادية: السعادة والحزن في عصر تهافت القيم

بسام ابو شريف

عندما ولدت… ألقيت نظرة لأتأكد الى أي عالم وصلت بعد رحلتي الطويلة في أحشاء أمي وتبسمت…، وأطلق والدي علي اسم بسام .

لماذا ابتسمت ؟

السبب الرئيسي الذي جعلني ابتسم هو شعوري بالاستمتاع بالحرية، فبعد تسعة أشهر في “الانفرادي”، تنسمت الهواء ورحت أحرك أطرافي في كل اتجاه وشعرت أنني حر طليق وأن مايحيط بي هو ميدان واسع للحركة .

أما السبب الثاني، فهو احساسي بأن كل من أحاط بي بنظراته الحنونة وترحابه الدافئ واهتمامه بألا تقترب مني ذبابة… كانوا صادقين في مشاعرهم … غير مداهنين … ولايتوقعون بديلا أو ثمنا لشعورهم النبيل، اذ لامصلحة لهم معي … وأنا لا أدري معنى المصالح …، ولدتني أمي حرا …. وترعرعت أبيا، وكبرت على أسس متينة …. استمدت من ذلك الاحساس بصدق الذين أحاطوا بي يوم ولدت .

في مدرسة “العروبة “، في مدينة اربد في شمال الاردن …. امتلأ ملفي بحوادث يجب أن أحاسب عليها، وجميعها حالات هروب من المدرسة، فقد كانت المدرسة تعيد لي شعور زنزانة ” الانفرادي “، والغاء الشعور بالحرية .

وكان ذلك الكرسي المصنوع من قش وخيزران … يعاني من نقص شديد في القش والخيزران فكنت أجلس على أربعة قوائم خشبية مؤلمة، وكأن ذلك الكرسي اللعين …. آلة تعذيب تزورها دوريا عندما تخرج من ” الانفرادي “، ولم أشعر لحظة أن هربي من المدرسة كان جريمة … أوحتى خطأ، كنت أشعر أن هذا حق لي وسعي للحصول على حريتي واسترجاعها ( على الأقل )، كان يترجم بالهرب من الانفرادي وآلة التعذيب … ذلك الكرسي اللعين .

ولم أكن أجد صعوبة في التجول في اربد، وأن أصل الى مكتب والدي فقد كانت اربد عبارة عن شارعين ونصف، والبنك العربي الذي كان يديره والدي … كان ” دكان صغير “، وان بدا أكثر أناقة من الدكاكين الاخرى التي اصطفت الى جانب دكان البنك العربي، وعندما كنت أفاجأ بعدم وجود والدي في ” الدكان “، أتوجه للبيت ولم يكن ذلك معقدا، فقد كان بيتنا مقابل بيت الأمير عبدالله في شارع تم تزفيت نصفه وتوقف لعدم وجود موازنة، وفي الطريق للبيت كنت أمر ب” خمارة قعوار “، وأنظر اليها من بعيد : تلك الخمارة كانت محببة لمصطفى وهبي التل – عرار الشاعر العظيم والمثقف البارز والرجل اللاذع الذي يملك من سرعة البديهة ماجعله مرهوب الجانب .

أعرف هذا لأنه كان صديقا لوالدي، الذي كان يهوى الشعر والأدب والنكتة الذكية، وكم من مرة سمعته يتحدث عن عرار وسلاطة لسانه وسرعة بديهته وشعره الجميل .

وكان باستمرار يبدأ البحث عني لأن المدرسة أبلغته أنني ” هربت “، بعد أن قفزت عن سور المدرسة، كان ” سنترال اربد “، هو دائرة المعلومات فقد كنت تحرك ” مناويلا “، وهي قطعة صغيرة ملصقة بالهاتف تحركها لتقرع جرسا لدى السنترال الذي يجيبك باسمك، وكنت تطلب أن يوصلك بأم فلان أو أبو فلان، وكان يجيب : أبو فلان غير موجود بالبيت لقد خرج للسوق ليتبضع، أو أن يقول لأم محمد ….أم خليل ليست في البيت انها تشرب القهوة مع أم دعاس .

كان مصدر المعلومات عن كل أهل اربد، وكان هو الذي يرشد الشرطي المكلف بالبحث عني عن مكان وجودي، لماذا أكتب عن تلك الأيام الآن ؟

ربما لأنني أشعر باختناق الزنزانة الانفرادية أو اختناق الرحم انتظارا بالخروج نحو الحرية !

أين هي الحرية ؟

معظم الناس الذين يتمتعون بالحرية لايعرفون طعمها ولا معناها، والسبب أنهم لم يفقدوها

( ان من يفقد الحرية … هو الذي يعرف قيمتها ومعناها تماما كمن كان يرى ثم فقد نظره، انه هو فقط الذي يعرف معنى وأثر فقدان البصر، بينما الذي ولد فاقدا للبصر لايمكنه أن يعرف الفارق بل يعاني من آثاره ) .

لقد سلب الاستعماريون من شعبنا حريته وحقوقه، وبطشوا به وارتكبوا مجازر ضد الأمهات والأطفال والرجال، وهجروا قسرا مئات الآلاف ليعيشوا في مخيمات … فاقدين لحريتهم وأملاكهم وقراهم ومدنهم، انها جريمة نكراء لابل انها جريمة لم يمر على البشرية مثلها .

الاستعماريون ” البريطان “، استعمروا فلسطين وباعوا أرضها التي لايملكون ( ولايحق لهم أن يبيعوها )، الى الصهاينة الذين دفعوا المال لحكومة بريطانيا لقاء ذلك، ثم باعوا أسلحة للصهاينة وقاموا بتقديم أراضي الدولة هدايا للصهاينة، وأوسعوا الفلسطينيين اجراما وظلما وتطهيرا عرقيا .

ألا تؤدي اجراءات ” البريطان “، الاجرامية الى اختناق وتراكم حقد لايمكن أن يموت ؟

في هذه الحياة النضال لانتزاع الحرية، ولبسط العدالة يعطي الانسان قيمة ومعنى لحياته .

ولو كان بغير ذلك لكان الانسان حرا في غريزته التي لاتعرف سوى قانون الغاب، وفي الحياة التي نعيشها فئة لا قانون لها سوى قانون الغاب وتقاوم القوى ذات الثقافة والتربية الانسانية فئة المتوحشين الذين يدينون ويطبقون قانون الغاب .

وما فعله الصهاينة على وجه الأرض هو أدنى من حقارة قانون الغاب، فالحيوانات في الغابة يستقوي القوي فيها على الضعيف ليأكل لا ليبيد أو يجتث فئة من جذورها، والمتوحش يرتكب جريمة كبيرة كانت أو صغيرة لكنه لايزرع الجريمة لتستمر في اجرامها وجرائمها الجماعية .

ويقول خبراء بقانون الغاب وتاريخ تطبيقه بين الحيوانات انه ضعف، وأسال نفسي احيانا : هل كان خياري على هذه الأرض خيارا صحيحا أم كان بامكاني أن أختار طريقا آخر يعفيني من مسؤولية الشعور نحو الآخرين وتملكني فيها الرغبة بخوض غمار نضال مستعر لانتزاع الحرية للجميع، وكان الجواب يأتيني عندما أشاهد قطيعا من الغزلان يهرب أمام مجموعة من الذئاب المفترسة، ويظل يهرب … فيما يتساقط الغزلان فريسة لأنياب الذئاب …واحدنا تلو الآخر .

وفجأة تدب في الغزلان حرارة المقاومة فيستديروا ليواجهوا .. الذئاب بحوافرها وقوتها وخفة حركتها، فيسقط ذئب وتدوسه حوافر الغزلان، ويسقط ذئب آخر، ويولي بقية الذئاب ويهربون .

المقاومة مجدية حتى في ظل قانون الغاب، والضعيف ان صمم ودافع وهاجم يمكن له أن ينتصر، خياري لو تخليت عنه … لما شعرت بقيمة الحرية وقيمة الانسان بعد التخلي عن هذا الخيار سوف يفتح طريقا أمامي لأكون في الجانب الآخر .

أشكر ربي على توجيهي لهذا الخيار، وهو مفتوح لكل مؤمن بالانسان وحقوقه وفي كل ميدان فأنت تعبر عن عشقك للحرية بالموسيقى أو الرسم أو الكتابة أو القتال والتضحية … تحيا الحرية ويحيا الانسان.

 

سياسي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. للتاريخ والعبره والدروس المستفاده .
    اختلف مع معمر في كل شيئ الا في دعمه للقضيه الفلسطينيه وعدائه للتأسلم السياسي المريض ..لكن نظام معمر بومنيار للاسف استغل القضيه الفلسطينيه وبعض فصائلها وبعض قياداتها في متاهات سياساته الرعناء داخليا حولته الى (طاغيه ودكتاتور ) وخارجيا حولته الى (ارهابي ) ارعن عابث تائه بلا هدف او عنوان .
    لا ادري متى كانت اخر مره قابل فيها الحكيم معمر ولكن احمد جبريل . خالد مشعل . الشقاقي . وبعده رمضان عبدالله شلح . تيسير قبعه . سمير غوشه . خالد العمله . رائد صلاح . احمد الطيبي . فضلا عن ابوعمار وقيادات فتح …وعناصر فلسطينيه اخرى مارست الارهاب الفج كبندقيه مؤجره لا اريد التطرق لها . كلها كانت حتى السنه الاخيره قبل ثورة فبراير ضيوف دائمين على مائدة معمر الا ستثناء ابوعمار وابومازن بأعتبارهما يمثلان السلطه الرسميه المعترف بها دوليا
    مما يحز في النفس ان هولاء القاده جميعا عانوا ظلم المحتل وطعيانه وجبروته وسجونه ثم نراهم يعانقون ويتبادلون التهاني مع وجه فج اخر للطغيان والدكتاتوريه يكيل لبني جلدنهم صنوف من الظلم والامتهان ..هل من مبرر سياسي واخلاقي لا نعرف افيدونا ..
    .يقول البعض ان معمر دعم الكثيرين ومنهم منديلا ..لكن منديلا جاء الى ليبيا وفك ارتباطه به في قاعة الحريه بمدينة زواره وقال له غلى الملاء وفي كلمة نقلت تلفزيونيا (انصحك ان تهتم بشعبك كثيرا وان لاتحدث مشاكل مع العالم يدفع ثمنها شعبك وبلدك ) رد معمر قبلت النصيحه ( الى حين ) حيث كان غارقا في قضية لوكربي حين لعب منديلا وبندر بن سلطان دورا كبيرا في تخليص معمر من تبعاتها القانونيه ومتابعته شخصيا .
    وتبقى فلسطين الى الابد القضيه والبوصله وماعداها تفاصيل تحضر وتغيب ..عروبه .عروبه .عروبه . لاخر نفس .و شكرا .

  2. ماذا نتج عن اجتماع عباس بلجنته التنفيذيه في رام الله للرد على هدم المنازل ألعربيه وتشريد أهلها في صور باهر؟ اظنه هدد بوقف العمل باتفاقيات العماله للاحتلال!

  3. الحبس الانفرادي تسعة اشهر خلال الحمل هو الحرية والضمانة الوحيدة بحياتنا لانه بعد ذلك حياتنا كانت جحيما جاهزة للافتراس ان لم نحميها وبقوة ,, اكثر سنين العمر امنا وامانا هو عندما نكون نائمين غافلين خلال سنين الحمل لا ندري ماذا يدور حولنا والام تحمينا ,,
    حياة البشر باتت غابة مليئة بكل اشكال الافتراس ,,
    لقد وعينا بلبنان ووجدنا حينها طبقة ظالمة واكثرية مظلومة
    ووعينا على قضية فلسطين وهي اكثرها ظلما من طبقات بالعالم واجهزة ومخابرات ودول تساند الصهاينة بهذا الظلم
    لقد وعينا على الحالة الاجتماعية الصعبة التي اجبر الفلسطيني ان يعيشها بمخيمات اللجوء مضطرا لانه مجبر ان يكون مقيما مؤقتا لحين العودة التي طال انتظارها ,,
    لقد وعينا على المؤامرات تلو المؤامرات على فلسطين وشعب فلسطين ,, ووعينا كيف كانت المؤامرات على كل عربي شريف يدعم القضية وكيف كان الصهاينة يغتالون القادة ,,
    لقد اصيب شرطي لبناني اصابة خطرة يوم اغتيال كمال ناصر وكمال عدوان ورفيقهم ابو يوسف النجار ,, واخذه الصهاينة حتى شاطئ البحر ورموه على الشاطئ لكنه عاش وكان شاهدا ,,
    هكذا الاحوال ,, هناك من يخلقوا ويتمتعوا ,, وهناك من يخلقوا الى الكفاح والنضال والشهادة ,, \
    هناك من لم يعش يوما سعيدا بحياته فقال اذا كان سنين عمره تقاس بسنين او لحظات السعادة فهو قد ولد من رحم امه وذهب الى القبر ,,

    ايهودا باراك ذلك الوحشي الذي قاد عملية الاغتيال للشهداء بفردان اصبح صديق بن سلمان العربي ,

  4. نعم تحيا الحرية ويحيا الانسان.نعم ان اول نعمة منحها الله للانسان هى الحرية، الحرية بالاختيار بين الإيمان أو عدمه،ونعم يعلو منسوب الإحساس بالحرية لمن يفقدها ولا أظن أن هناك انسان لديه ذلك المنسوب العالي من الإحساس بذلك اكثر من الفلسطيني وبالأخص في هذه الايام بعد أن أدار العالم كله ظهره لنا.ولكن المقاومة مازلت في أوجها عكس ما يظن المتكالبين على أنبل قضية في الوجود.يولد الانسان حرا بينما يولد الفلسطيني مقيدا بالاغلال واول قيد هو اللجوء.وكلما كبر تزداد قيوده واقسى تلك القيود تحطيم أحلامه وأقلها ان يحيا كانسان مثله مثل بقية الناس.

  5. الى الاخ بسام ابو شريف المحترم
    بعد التحيه والسلام
    أشكر ربي على توجيهي لهذا الخيار، وهو مفتوح لكل مؤمن بالانسان وحقوقه وفي كل ميدان فأنت تعبر عن عشقك للحرية بالموسيقى أو الرسم أو الكتابة أو القتال والتضحية … تحيا الحرية ويحيا الانسان.
    نعم و انا احب القتال و التضحية و هو توجيه ربي سبحانه

  6. الأستاذ بسام ابوشريف المحترم تحيه طيبه وبعد
    لكل من عرف أصحاب المبادئ التي ينتهجها منتسبي الجبهه الشعبيه وإلي حركة القوميين العرب يعرف صاحب المقال دون ذكر إسم الكاتب..ربما الخطأ الذي ارتكبته يااستاذ بسام هو تركك رفقاء دربك وجبهتك التي كنت تنتمي إليها…عملك عن قرب مع الشهيد غسان كنفاني هو مايميز كل ماتكتبه..
    تعرفت على والد صديق لي زرته في بيته المتواضع في جرش وكان ظاهرا عليه هموم العالم فوق رأسه لما آلت إليه القضيه الفلسطينية..فهو من جيل الرعيل الأول في الجبهه والقوميين العرب..من خلال حديثي مع هذا الرجل صاحب المبادئ التي لم تتغير رغم اعتقاله وتعذيبه علي أيدي وحوش بشريه لا ترحم رجل ذنبه الوحيد هو عشق فلسطين والدفاع عنها بكل مايستطيع..
    كان حديثه عن القضيه وإيمانه الراسخ بعدالتها يتحدث بروح شاب ممتلئ حيويه وحماس للعمل الوطني..وكان حزينا على ما وصلت إليه القضيه من تراجع علي أيدي من يسمون أنفسهم قادة الشعب الفلسطيني…إيمانه بأن تحرير فلسطين لن يأتي بالمفاوضات وهو يعلم أن إسرائيل لن تنفذ أي قرار دولي خاص بالقضية الفلسطينية..كان يؤمن أن الكفاح والنضال بكافة أشكاله هو حق لكل فلسطيني…
    لا أريد ذكر إسم هذا المناضل الذي عاش مؤمنا بعدالة قضيتنا وبحقنا في الكفاح دون كلل حتي تحرير فلسطين من النهر إلى البحر..لم افاجا حين توقف قلبه وهو يري ثمرة نضاله وصموده يري قضية شعب سياسيه عادله ليحولها أصحاب المزايا الخاصه إلي قضية متسولين لرواتب الموظفين..هل عرفت يااستاذ بسام من هو هذا المناضل الشرس والعنيد والذي حافظ على مبادئ الجبهه والحكيم..عاش بصمت ومات في صمت ولم يتخلي ابدأ عن مبادئه التي عاش وتربي علي عشق فلسطين..إن لم تعرفه ساروي لكم المزيد عن حياة هذا المناضل العظيم بتمسكه بتلك المبادئ

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here