بشير عمري: واقع أزمة الفكر السياسي.. عالمية السؤال وعربية الاشكال!

بشير عمري

يَعتبر المفكر الفرنسي الكبير إدغار موران أن أزمة العالم المركبة على مستوى بُناه الانسانية تكمن في انحسار الفكر السياسي، بالمقارنة مع ما تعرفه حقول الفكر في مسارات العقلانية الأخرى كالاجتماع والاقتصاد، وعدم قدرته أمام التقدم الجارف للتكنولوجية وأسواقها على تقديم الحلول التي ترفضها تعقيدات تاريخية نشأت من تراكم متفاوت في التجربة الحضارية للبشر، أفرزت كلها درجات في المعرفة والتطبيق شكلت بها وجه العالم غير المتناسق وغير المتساوق فيما بين مبادئه ومصالحه وبين واقعه وآفاقه، رؤية أكثر من ثاقبة لمفكر لم يبرح قط يستثير قوى العقل من أجل ضرورة التحول في الاشتغال أكثر على الفكر المركب والمعقد الذي ليس عنه من محيد  لاعادة تركيب وجه العالم المشوه بسبب اختلال في مرائيه والمراميه.

والسؤال الذي ينجلي بداهة هنا ما هو وجه التعقيد في أزمة الفكر السياسي العالمي؟ وكيف هو واقع حالنا كعرب من تداعيات هذه الأزمة؟

لم يعد للفكر النقدي عموما صداه الأول في ساحة العقلانية الحضارية مثلما كان عليه الحال في أزمنة التأسيس الحضاري الكبرى الأولى التي كان يبحث فيه الانسان بلا كلل ولا ملل عن سؤال المعنى قبل المبنى عن الأداب قبل الحساب، وما أفرزته تلك المراحل من مطارحات كبرى لا تزال إلى الآن تشكل مرجعية العقل في سؤال الذات الانسانية انبثاقا ومآلا، إذ ساقت الكشوفات والاختراعات بغواية وإغراء غير مسبوقين، العقل من حقل الفكر إلى حقول الحساب فتأخر الجانب الانساني بعدما تراخى جناح الشعرية فيه الذي كان يطيره به في سماء التاريخ، فبسط عقل القوة على حساب قوة العقل، بهيمنته على المشهد الحضاري الانساني محولا إياه من نسق التنافسية للبناء إلى نسق التصراعية للبقاء!

هنا يرى إدغار موران في مراجعاته الفكرية التي تأسست لديه من نقدية ذاتية لفكر فلسفي وسياسي عاشه نظريا ونضاليا بوصفه مقاوم للنازية والاستعمار، أن المنطق المادي الذي اكتسح العالم عبر المعقولية الحسابية، مقصيا الشعر لحساب السرد من قصة الوجود الانساني، هو من آخذ العالم باتجاه الانسحاق في الحاجة المادية وتسبب ولا يزال في ضمور الحس الانساني نتيجة تضاءل المورد لعاطفي والخيالي في خلطة التصور الحضاري المفترض الاشتغال عليها لاعادة بناء معنى جديد للبشرية يجتثها من جحيم سوق المادة.

حديث نقدي كهذا يشكل ثورة ارتجاعية في نقد التاريخ الاستعماري الذي لبس في خطاب نخبه ونخب البلاد المستعمرة المستلبة، لباس التحديث ومقتضيات الحداثة، بل ويشكل نقضا لمسارات الحداثة في كبرى تفاصيلها بشأن بنية التاريخ، باعتبارها أقصت في صرامتها المخيال الانساني بوصفه مصدر للمعنى لانارة مساحات كبرى من ظلمة سؤال الوجود والمآل الذي فشل العقل المادي في الاجابة عليه، ما كان له أثره السلبي على عقل انتاج الفكر السياسي الذي استراح لمنطق القوة كأسس بنيوي معرفي يعيد انتاج نفسه في التاريخ ولا يعيد انتاج التاريخ!

طبعا نحن كعالم ثالثي في فضائه العربي، ولكوننا نعيش على هامش التاريخ، في نأي واسع وكبير عن مركزه في انتاج المعرفة ومركزية في انتاج القرار، نُرى في قعر مزدوج القاع من الأزمة، أزمتنا الذاتية مع تراثنا السياسي البعيد منه والقصير أي مذ تشكلت الذات الأممية إلى أن انفصلت قُطريا خضوعا لعقل وإرادة استعمار، فليس والحال هذه نملك ما يمكن أن نسهم به في إثراحلحلة أزمة السياسية المأزومة على صعد الفكر، المتخمة على مستوى معرفتها العلمية المتصلة ببنية المؤسسات والتشريعات وغيرها .

هذا حتى وإن كانت أزمتنا كعرب أساسا وتاريخيا سياسية، لم يفسح فيها لا قديما ولا حديثا للعقل كي يشتغل على تناقضاتها وإشكالاتها، وفي كل مرة كان يُجابه العقل بسياط الالجام بحجة الفتنة وضرورة إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي ولو على حساب الاستقراء الفلسفي والمعرفي وهو ما أنتج في الأخير حالة الاستشكالات التاريخية الكبرى المتراكمة ةوالمتعاظمة حين اختلط لدينا المقدس بالمدنس الزمني بالديني، السياسي بالوطني، فصار الكل يعتقد في الكل والكل يتعقد من الكل.

إن دعوة إدغار موران إلى ضرورة العودة للاشتغال بقوة على الفكر السياسي بما يتيح للانسانية من فرص اعادة اكتشاف نفسها، وادراجه ذلك في إطار الفكر المركب والمعقد الذي طرحه كمنهج للتأسيس الجديد للمعرفة السياسية الانسيانية في ظل ما بلغته شتى صنوف المعرفة الأخرى من تقدم وزخم في الانتاج، ليظل حري بالعقل العربي أن يكون أول متبنيه طالما أن مرضه الأول والأخير يظل سياسيا.

كاتب صحفي  جزائري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. الاستشكالات التاريخية الكبرى المتراكمة ةوالمتعاظمة حين اختلط لدينا المقدس بالمدنس الزمني بالديني، السياسي بالوطني، فصار الكل يعتقد في الكل والكل يتعقد من الكل”.قد اتفق معك بان الإستقراء المعرفي و الفلسفي مهم لإرساء مفاهيم جديدة للتأسيس لمجتمع جديد ,ولكن مع من يكون هذا الإستقراء؟؟؟؟؟.
    مع الفكر الفرانكوبربري الذي يريد إقصاء اغلبية الشعب الجزائري ام مع الفكر الإسلاماوي الذي يريد حصر الدين الإسلامي الحنيف في المكان و الزمان . لااعتقد ان حراكا يدار من لندن و إسطمبول و يستغله الطلقاء سوف يخلق مجتمعا جديدا متوازنا و”دولة” جديدة متوازنة. و لنا في جيراننا الليبيين المثل الحي.و شكرا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here