بشير عمري: “نيكولا بو” يكشف أخطر ما أنجزه الحراك في الجزائر

بشير عمري

صنعت تصريحات الكاتب السياسي الفرنسي المختص بالشأن الجزائري نيكولا بو لقناة “الأمة” الفرنسية حول ما جرى ويجري من صراع الكتل السياسية والعسكرية الجزائرية بإدارة فرنسية خفية، الحدث في المشهد الإعلامي غير الرسمي وعلى سوشل ميديا، كونها أعادت كشف الكثير مما ظل محجوبا عن مراصد القراءة والتحليل والتعليل، بسبب هيمنة الأجهزة الأمنية على منابر نقل الخطاب السياسي والإعلامي الحر بالجزائر وهذا منذ انقلاب 1992، وأيضا بسبب افتقار المشهد الإعلامي الجزائر لنخب ومرجعيات مهنية قوية منفصلة عن إرادة البيان الإعلامي الرسمي المكرس للتظليل ومتصلة بمصادر موثوقة داخل السرايا تكشف من خلالها الطبيعة الهندسة هرم القرار وسبل إخراجه والمتوقع من مخرجاته.

إشراف أمني فرنسي على الصراع داخل النظام !

وهكذا كشف “نيكولا بو” عن تنسيق تام بين الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية والقوى غير الدستورية التي رأس عصابتها شقيق الرئيس، سعيد بوتفليقة والتي مارست مهام السلطة العليا في الجزائر مدة قاربت الست سنوات، أي مذ أصيب الرئيس السابق بجلطة دماغية، بشكل فعلي خارج الأطر القانونية الشرعية والتنظيمية وهذا إثر نجاحها في استئصال شأفة المخابرات، متمتعة وقتذاك بغطاء عسكري شامل وفرته قيادة الأركان قبل أن ينقطع حبل الود بينهما برعاية من مسئولي جهاز الاستعلامات الجزائري السابق الذي قاده لمدة ربع قرن اللواء محمد مدين رهين الحبس المؤقت حاليا بسجن البليدة، وذلك من أجل احتواء الحراك الثوري الشعبي والتمديد لحكم “العصابة” بوسيلة أو بأخرى، مع الحرص على وجوب إزاحة قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح الذي سارع منذ اللحظة الأولى التي اجتاح فيه الحراك بقوة شوارع العاصمة إلى نقض الحلف “المصلحي” الذي تم بينه وبين عبد العزيز بوتفليقة يوم أنقذه هذا الأخير من مؤامرة الإبعاد عن قيادة الأركان وإحالته على لتقاعد من قبل “تيار فرنسا” داخل الجيش ممثلا في رئيس جهاز الاستعلامات محمد مدين وقائد الأركان وقتها الفريق محمد العماري، ولم يقف كرم بوتفليقة على الفريق أحمد قايد صالح عند ذلك الحد بل وعينه قائدا للأركان بدلا عن العماري المستقيل في العهدة الثانية لبتوفليقة، مقابل الولاء التام والطاعة له وتوفير الحماية العسكرية له.

إنقاذ الجمهورية الخامسة في الجزائر 1992 !

وصرفا للنظر عما تناوله “بو” بخصوص صراع كتل النظام حول هرم السلطة في الجزائر، المعروفة لدى العام والخاص بالجزائر والذي كشف عن نهاية العمر الافتراضي لهذا النظام الذي تأسس نهاية خمسينيات القرن الفائت، ما يسترعى الاهتمام والتفحص هي تلك الفواتير الثقيلة التي صارت أطراف عدة تحمل “أصفارها” المهولة والمتتالية بعد المأساة التي تسببت فيها لهذا البلد، بشرية اقتصادية واجتماعية، من يوم رفعت شعار إنقاذ الجمهورية في انقلاب سنة 1992، فاتضح الآن أن الجمهورية الخامسة بفرنسا هي من تم إنقاذها في تلك السنة بعد تمرد جنرالات فرنسا على الإرادة الشعبية، وسحق القوى الوطنية والسياسية الجديدة التي تأتت عن التحول الدستوري الثالث للبلاد ما أقره لأول مرة من تعددية شاملة في الدولة والمجتمع، وتقديم البلد كقربان لقصر الاليزيه نظير مصالح شخصية ضيقة لتلكم العصابة العسكرية التي تسلحت بنخب مثقفة مستلبة متغربة أمدتها بالغطاء الإيديولوجي وخطاب التبرير المدني للحكم العسكري الخفي الذي سادت ولا تزال فرنسا على كل مستعمراتها.

لهذا لم يجرم الاستعمار الفرنسي !

ولعل هذا ما يفسر الفتور العملي الدائم  للنخب السياسية الظاهرية التي لا تحمل مشروعا غير الذي رسمته جماعة وجدة الانقلابية، في المبادة إلى تجريم الاستعمار الفرنسي وإرغام هاته القوة الاستعمارية على تقديم الاعتذار للشعب الجزائري على الجرائم التي ارتكبته في حقه.

فالواضح أن منطق الغنيمة الثقافية التي يرفعها الفرانكوفليين بالجزائر، كلما تصاعدت المطالب بوجوب فك الارتباط اللغوي بفرنسا، لليس فقط بداعي تصفية الحسابات التاريخية مع المستعمر القديم بل لحاجة العصر الذي استقامت فيه وتركزت المعرفة العلوم التي يتبجح هؤلاء بكونها سبب تثبثهم بلغة موليير، في لغات أخرى وعلى أسها الانجليزية والاسبانية وحاليا الصينية التي صارت تجتاح العالم باجتياحها الاقتصادي لأركانه أربعة.

فالواضح أن مسار العسكرة في رسم مصير البلد لم يستثن اللغة باعتبارها من دقيق التفاصيل التي تكمل مشروع استبقاء الهيمنة واستمرار استنزاف تاريخ البلد وجغرافيته معا.

ومما يمكن استشفافه وخلاصته من حديث نيكولا بو هو أن مسار شخصنة الدولة الذي بدء مع اعتلاء بوتفليقة لهرم الحكم في البلاد،  بلغ مستوى من الخطورة بحيث هدد مصير الأمة الوجودي بكامله، فاقتصاد البلاد وثروته كانت كلها رهينة قرار الرئاسة ومن يسكنها بشكل مواز في الممارسة الوظيفية الرسمية، وكل المقدرات كانت عرضة للبيع والارتهان للشركات متعددة لجنسيات، وهذا ما يؤكد الطبيعة التدميرية للصنيع الزيف الذي شمل تركيب السيارات بفواتير خيالية مستنزفة للخزينة العمومية استفادت منها شركات فرنسية، وقبلها قانون النفط الذي أعده وزير الطاقة السابق شكيب خليل يقضي بموجبه ببيع ورهن الثروة الطبيعية التي وحدها توفر قوت الجزائريين للشركات الأمريكية.

لكن التمرد “الحراكي الثوري” وإنهائه لحكم بتوفليقة وآله وصحبه، من عصابة النهب والسلب والتخريب، أجهض كل تلك المشاريع وكسر الهرمية الإدارية للأوليغارشية المارقة عن أصول وتاريخ وواقع المجتمع الجزائري التي بنيت في الظلام، والعودة بالتالي إلى أسئلة الوعي العميقة التي وحدها الإجابة الصحيحة عنها ستفضي إلى بناء وطني حقيقي تحتيا وفوقيا.

وللذين يشككون في قدرة الحراك على ما حقق ولا يزل يحققه من إنجاز، يكفي تأمل تصريحات نيكولا بو وما نقله عن مصادر لصيقة بغرف صناعة القرار بالجزائر، والتي تحدث فيها بشكل خاص عن السرعة التنفيذ في الحرب الخاطفة التي تمت بين قيادة الأركان ورئاسة الجمهورية حيث نبتت ولبثت هنالك القوى غير الدستورية منذ عشرين سنة قبل أن تنمو وتغدو غولا سياسيا يأتي على كل ما هو سيادي في ظل صمت المؤسسات السيادية ومنها قيادة الأركان ذاتها بالإضافة إلى السلطة التشريعية المنقسمة بين موالٍ مرتش فاسد ومعارض جبان منتفع، وطبعا المؤسسة القضائية، التي قال رئيس الحكومة السابق علي بن فليس أن الرئيس بوتفليقة في أول أيام حكمه اعترض على مشروعه لإصلاحها مؤكدا له أنه لا يؤمن بقضاء مستقل قدر إيمانه بمركزية السلطة بكل فروعها وأنواعها في يد الرئاسة، ومن يومها صار القضاء يمشي بالهاتف !

الحراك أجهز مبكرا على شيخوخة النظام

فالحراك سرَّع من عملية انقضاء العمر الافتراضي للنظام الكلاسيكي بالجزائر الذي قام على شخص الزعيم الذي يُختار ويُخرج للناس من داخل الأقبية المظلمة للنظام، والدليل أن بقايا هذا النظام لم يجدوا حتى الساعة زعيما وهميا آخرا يكون بوسعه القفز على الوعي الوطني والسياسي الجديد الذي كشف عنه الحراك الثوري الشباني المتواصل منذ أواخر الشتاء الماضي.

المشكل أن البعض اليوم يتصور الحراك كما التجمعات الاحتجاجية الاجتماعية التي عرفتها الجزائر بالآلاف فساد حكم بوتفليقة الذي امتد لعشرين سنة ، وأن أي استجابة ظاهرية آنية ستطوي وتنهي بالضرورة آثر هذا الحدث المفصلي تاريخ البلد.

فالحراك بقدرته الطارئة على تكسير موازين السلطة القديمة في الجزائر، عبر إصراره على تجاوز الإرادة العسكرية المستترة في تقرير مصيره، يكون قد وضع الأمة على بداية السكة الصحيحة في بناء دولة السيادة والمؤسسات الحقيقية والخروج من صورية المشهد السيادي والسياسي الذي جسده مشروع “جماعة وجدة” منذ أزيد من نصف قرن.

كاتب صحفي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الکل يعرف ان الجزاٸر دولة عسکرية ب لباس مدني و الحل في تطبيق المادة 7 و 8 .

  2. شكرا عبدالوهاب عليوات لقد أصبت في نقدم للمقال..فعلا المثقف الجزائري مازال بعيدا عن كل التفاعلات السياسية التي تحدث في وطننا..تولانا الله برحمته..تقديري.

  3. خطورة الموضوع كانت تتطلب أسلوب كتابة مباشر يعرض الفكرة بوضوح دون حركات اللف اللغوية التي مجالها الكتابة الادبية وليست السياسبة..
    قد يكون ذلك غير مقصود ولكن المقال جاء يحمل عددا من الافكار الضبابية خارج ما تم الاشترة اليه من كلام نيكولا بو.. وكأنه أريد لكلامه أن يتمطط حتى يتم اقحام عليه ما ليس منه..
    مثلا بالرغم من ان حديث نيكولا بو كان واضحا حول سعي عملاء فرنسا للإطاحة بالقايد صالح وبالرغم من اعترافه ان قيادة الاراكن الحالية هي من وضعت حدا للعصابة العميلة فإن حديثا مبهما تكرر في آخر المقال عن حكم العسكر الذي يجب على الحراك ان يواجهه للتخلص من الهيمنة الفرنسية كانما لعماري والتوفيق وضباط فرنسا هم من زال يقود جيش الجزائر.. صخيح ان تحكم العسكر في الجزائر مرفوض ولكن التأليب عليها بمثل هذه الاسقاطات المخادعة لا يخدم الحقيقة ولا الجزائر بشيء.
    غياب طبقة مثقفة قادرة علي التحليل الواعي دون التماهي مع مصالح ذاتية حقيقي لأبعد الحدود وللأسف ما يزال المثقف الجزائري بعيدا عن التفاعل مع مخاض الجزائر دون ان يسقط في الشعبوية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here