بشير عمري: مجلس أم مسار تأسيسي لجمهورية الجزائريين المأمولة؟

بشير عمري

تقف الحالة الجزائرية اليوم على مفرق طرق صعب، يحار كهنة السياسة والتحليل الاستراتيجي، في تصور مآلاته في ظل نضوب الخيال السياسي لنظام هرِم وإصرار شباني على طي عمره والتمشي مع مقتضيات التطور الحاصلة مع أنظمة العالم ومنظوماته السياسية لجديدة.

ولو أن العُنُد من الطرفين، من الحراك وخاصة السلطة الفعلية في الجزائر ممثلة في قيادة الاركان، برحا منطلق سجالهما ووثقا فيما أفرزه الشد والجذب السياسي منذ نصف سنة من تطور على مستوى الرؤى والاطاريح البديلة لأمكن تجاوز الأزمة الحالية التي وضع نظام بوتفليقة الملفس البلد في أتونها مذ مهدت وأعلنت حاشيته أو ما صارت تعرف بالعصابة ترشيحه لعهدة خامسة في الانتخابات التي كانت مقرر في الثامن عشر من شهر أفريل الفائت قبل أن يبطلها الشعب ويدوسها حراك ثورته الكبرى في 22 فبراير الفائت بأقدام شبانه، محدثا بذلك أزمة في بيت سلطة نظام قديم كف عن انتاج بدائل سياسية وفكرية وإيديولوجية بعد أن تغير العالم كله من حوله وعجز هو عن أن يتغير لأنه تأسس كحركة نشاز في التاريخ.

نظرية “التطور السياسي” اتضح أنه في عرف وأبجدية النظام الجزائري أكثر حساسية وحرمة من حرمة وحساسية  نظرية “التطور البيولوجي” الداروينية التي يعترض عليها جملة وتفصيلا الفقه والفكر الإسلاميين، لذا فهو لم يؤمن يوما بتطور فكرة الوطنية وانتقالها من النرجسية الخطابية ومبتدأ انبثاقها القومي الشوفيني الأول، إلى الوطنية الفاعلة في التاريخ تصبغ بصفتها على صاحب القيمة المضافة للوطن مهما كان توجهه وعرقه والوطن الذي انحدرت منه أصوله، بل وحارب فرصة تطور التعددية بالجزائر التي برزت عقب إجهاز الشعب على الأحادية السياسية بشكل نهائي في انتفاضة أكتوبر 1988، وها هو اليوم يبدي خشيته واسترابته من تطور الوعي السياسي الجزائري، وتطور خطاب الحراك ذاته طيلة نصف سنة من عمره، وما طرحه من رؤى ونظريات وفكر جدير بأن يؤسس له في الثورات الجديدة التي لا تُكسِر ولا تُكسَر لا تَقتُل ولا تُقتل نموذج من ثورات تجتث فقط العصابات المتفردة بقدرات ومصير بلاد وتحتكر رمزياتها دونما عصف بالأخضر واليابس.

لقد وصل بخطاب النظام حد تكفير سياسيا ووطنيا المطالبين بالجمعية التأسيسية التي يكون مقدورها وضع قواعد بيت جمهوري جديد يرفع البلد بوعي أجيالها المتأخرة المتعلمة، بزعم منه أن سعي التأسيسيين هو محاولة تقويض أصول الدولة “النوفمبرية” التي تداعى لنداء تأسيسها وبنائها أسلاف هؤلاء، ومن ثم أشاع مجددا في وسط الحراك شعار (باديسية ــ نوفمبرية) علما أن كلا البعدين محل سجال أضاد عميق جدا في حظائر حوار التاريخ السياسي والنضالي بالجزائر.

وإذا كان تخوف النظام من مطلب الجمعية التأسيسية بحسبان ذلك دعوة لفتنة ستكون عواقبها أوسع وأبشع من تداعيات فتنة سقيفة بني ساعدة، قد لاقت تفهما على مستوى الشكل، فإنها بمقابل ذلك لم تلق قط إي اعتبار أو تفهم على صعيد المضمون ذلك لأن إعادة التأسيس أو بالأحرى التصحيح الجمهوري صار حتمية لا محيد عنها، لأسباب عدة يدعمها الواقع المأزوم، ولئن كان السبب الرئيس فيها يظل حالة الفراغ المهول الذي أضحى يتهدد الكيان الوطني، بعد نفاذ مخزون النظام من الخطاب الموضوعي والمشروع السياسي وتجاوز الوعي الجديد بسيله المتعالي الممتد لقدرة هذا النظام إلى درجة لم يعد يملك ما يعطيه من معنى للوطن والوطنية للجزائريين وصار بالتالي بلا أفق، والأمم التي تحكمها نخب بلا أفق هي آيلة إلى زوال لا محالة.

لكن الحراك الشباني الحامل لوعيهم الجديد الناظر بكثير من الفرح لأفق وضيء، لم يعدم حلا لمعضلة للمخاطر التي زعم النظام أنه يتخوف بها على الوطن إذا ما تم اللجوء إلى خيار الجمعية التأسيسية داخل مجلس منتخب يمثل التيارات المتضادة والمتعاركة أزليا حول قضايا وطنية كبرى مثل الهوية ونمط الحكم ومشروع المجتمع المراد الوصول إليه في الأفاق المقبلة.

فطرح القيادي لحزب الجيل جديد سفيان جيلالي رؤية آخرة وهي “المسار التأسيسي” يعني ورشة تأسيسية مفتوحة مكانا وزمنا تتيح للوعي الجديد أن يتحقق وفق إرادة هادئة متأملة ومرحلية، دونما ترك مصير الأمة لجماعة أو شلة من نخب قد تتشبث بنزعاتها الإيديولوجية، الاثنية والثقافية وتفوت الكثير من الفرص والوقت على الأمة حتى تخرج رأسها من الماء، في ظل الصفرية التاريخية التي أركس نظام بوتفليقة المتهالك المجتمع فيها بعد عقدين من التدمير الممنهج لقدرات البلاد البشرية والطبيعية بل والرمزية حتى.

إذن هو فارق في أسلوبية التأسيس الذي، كما أشرنا، ابتدعه الفكر الحراكي المتفاعل فيما بينه ومع السلطة الفعلية لنظام، بات واضحا أنه محتبس في الزمان يبحث له عن منفذ أكثر مما يبحث عن منفذ لأزمة كان هو من تسبب فيها بغربته التاريخية واصطدامه بقوانين التغيير التي تحكم العالم الذي ترتفع نسقية التغيير فيه بإيقاع مهول قلب مشاهده رأسا على عقب في هنيهة من عمر الأمم والشعوب في غير ما مكان وبرزت أمم كان لأفراد شعوبها صحن رز واحد في اليوم وصارت اليوم تستثمر في كل مجالات التنمية ببلد من الجزائر بالقدرات البشرية والطبيعية الكبيرة التي تسيل لعاب وأطماع مستدمر الأمس ومستعمر اليوم من الشركات متعددة الجنسيات.

في حين يظل موقف النظام مستمسكا بموقفه الأول بين الرفض والفرض الكاملين، رفض كل ما جاء أو تطور من الحراك كآراء ومقترحات، وفرض للحل الوحيد الذي رسمه كطريق للخلاص من يوم أجبر عصابة رئاسة الجمهورية على مغادرة قصر المرادية، يعني انتخاب رئيس جديد على أنقاض النظام السياسي القديم والمتهالك.

في الحقيقة فإن إبداع الحراك لفكر ثوري جديد من خلال المقترحات التفصيلية لعملية الإنجاح السلمي لإرادة الشعب في التغيير الشامل، عبر التحول من التأسيس المغلق (الجمعية التأسيسية) إلى التأسيس المفتوح (المسار التأسيس إنما يعكس الوعي الحاد لهذا الجيل بطبيعة بسبل التعامل مه هذا النظام وبطبيعة البيئة السياسية الداخلية وبالوضع الدولي والمحيط الإقليمي الذي ينظر لتجربة المخاض التغيير الهادي بكثير من الإعجاب لكن بكثير من الحذر أيضا.

فالحراكيون من الشباب بابتداعهم لخيار الفضاء التأسيسي المفتوح يريدون القول بأن ما يحدث في الجزائر هو حراك ثوري، يعيد لثورة أجدادهم وآبائهم على المستعمر الأولى سنة 1954 توهجها الزمني وحبلها السري الجيلي، مع الأخذ بعين الاعتبار ما حصل فيما قبل تلك الثورة من انزياح كامل إليها وما حدث من فيما بعد انزياح شامل عنها، وهكذا يظل التأسيس محافظا على قواعده الجامعة والمجمع عليها، بالتالي فهو رفع للحجز والحجر عن مجرى الثورة الذي احتبس من قبل جماعة وجدة في انقلابها الأول سنة 1962، مخافة عن الوحدة الوطنية كما زعمت حينها، ذلك لأن الثورة هي صيرورة وهي مسرى وانسياب نسقي مستمر للوعي.

أما النظام فيسعى لتلافي التأسيس جملة وتفصيلا ويكتفي بالسعي لإيجاد رئيس يكمل ما بدأه هو في مواجهة الحراك بسُقف مطالبه العليا، أي بالاكتفاء بمحاربة الفساد، بمعنى يصر على اللا ثورة واللا تغير تأسيسي مجدِد، فإلى من ستؤول الكلمة النهائية، إلى عبقرية الحراك أم عنترية النظام؟

كاتب سياسي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. لا شك أن الحراك من خلال مساره الذي بداه بالرفض الجذري لمنظومة الفساد القائمة في نظام أوصل الجزائر إلى قاع التخلف والمحسوبية، لا شك وأن هذا الحراك لمتلك الصلاحية في إبداع مفاهيمه، وهو ما يدل على أنّ النضج المفاهيمي لا ياتي من خلال الدرس ولكن من خلال الحركة في التاريخ التي يسجلها اليوم الشارع المعارض لسياسات نمطية لا تخرج عن كونها إعادة إنتاج لسلطة متهالكة لفظت أنفاسها عن أول عتبة للحراك. “المجلس التأسيسي” أو “المسار التأسيسي”، يبدو لي أنّهما يمثلان مراحل تاريخية أكثر منها تجارب دالة، وبالتالي يصبح المحك هو الخطاب الجامع تحت السقف الوطني الديموقراطي، إذ ينبد التهميش والإقصاء وتندفع الكلمة الناجزة في وعي الحوار والنزول عند مطالب الجماهير…
    مقال يدفعك رغما عنك أن تفكر، لأنّ التفكير ديدن أستاذنا بشير…
    كل المحبة والتقدير أستاذي بشير..

  2. ياو فاقو رأينا التأسيسي في ليبيا وغيرها المرحلة التأسيسية تريدها فرنسا الشعب يريد باديسية نوفمبرية تحافظ على ثوابت وتاريخ وهوية ولغة ودستور الدولة الجزائرية لا تأسيسي ولاهم يحزنون نريد انتخابات عاجلة شفافة ننتخب رئيس نوفمبري يقطع جذور ولغة وهيمنة فرنسا نريد بومدين جديد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here