بشير عمري: لهذا بات لزاما على الحراك الجزائري أن يفرز فكره

بشير عمري

من سخرية القدر مع الشعب الجزائري، أنه من إن أشرقت على أرضه شمس الاستقلال، حتى غربت على عقله الوطني، وأغلقت ذاكرة الوطن الهائل التي فجرت من خلالها للحركة الوطنية ثورة نموذجية في العالم بعد وعي مرحلي متواصل ومتصل بواقع الشعب، ودخلت البلاد في مرحلة تكرار الخطاب والممارسة الأولى للوطنية القلقة التي احتفل على إيقاع سيمفونيتها المبتورة بسبب انقلاب 1962 ما أعاق نشوء وعي وطني جديد يستجيب للأسئلة كبرى ظلت مركونة في الذاكرة ومحتبسة في الآفاق.

وضع متأزم ومتأزل وجدت فيه الجزائر مكبلة بطغيان الغنيمة السياسية ومتاع الريع عقودا متتالية، وها هو اليوم حراك الشباب الجزائري يحاول بقدر ما يستطيع في ظل وضع داخلي واقليمي خارجي، جد دقيق أن يفكك بنية هذا الوضع ويكتشف السر الذي يداوي به حال الأمة لتستيقظ من سباتها المرضي الذي نجم عن تعطيل عقلها الوطني.

لكن هل ثمة حقا ما يبعث على التفاؤل بقدرة مصاحبة الفكر لحركة الشارع الجزائري على ضوء ما هو باد من غياب العقل النقدي التأسيسي وتوهج العقل التعليلي عبر البلاتوهات والصالونات المفصولة عن صياح الشارع؟

وهل سيكون تأثير التناقضات النخبية التي حدثت بفعل خيبة المشروع الوطني الرسمي لدولة الاستقلال، والشروخ التي حصلت على مستويات الإيديولوجية واللغوية عاملا سلبيا في اتجاه وضع أسس فكر وطني جديد يستنطق تجربة الحركة الوطنية قبل الثورة، ويصحح المسارات المقلوبة ويفرج عن المفاهيم المغلولة والاسرار المغلوقة، أم أنه سيظل يستغل حركة الاحتجاج على الواقع بالشارع من أجل تتويج فكره الشللي الذي رفعه كمعارض لطروحات دولة الاستقلال؟

في نقد المعارض السياسي

ظل السياسي في الجزائر محور نقد وانتقاد الجميع بكونه عاجز عن إيجاد سبل الإطاحة بالنظام القائم بقوة الواقع وواقع القوة منذ 1962، لضعف رصيده من الحنكة السياسية، هذا في حال كان هذا السياسي معارضا فعليا للسلطة، مثلما حدث مع إسلاميي المغالبة أي الجبهة الاسلامية للانقاذ، الذين فوتوا على أنفسهم فرصة ريادة وقيادة التغيير التاريخي بداية تسعينيات القرن الماضي، حين اعجبتهم كثرتهم في الشارع واتساع وعائهم الانتخابي دونما دراية تامة بطبيعة المعادلة الصعبة التي استقام عليها النظام، فانتهوا ومعهم المجتمع إلى مجزرة جمهورية تاريخية في البلاد دامت لعشرية كاملة كللت وعنونت بالسواد، هزيمة السياسي الجزائري التعددي المعارض، بهزيمة الإسلام السياسي أمام نفسه وأمام النظام، قوضت كل ثقة في القدرة على استخلاف النظام لدى القواعد الشعبية، وما فاقم من ذلك الحال، تلاعب السلطة الفعلية بالعملية السياسية من اختلاق أحزاب واختراق أخرى وتوظيف نخب تحبط بتحليلاتها السوسيوثقافية كل محاولة للتحرر السياسي بإيعازها ذلك لافتقار المجتمع للوعي المؤدي إلى التحرر.

في نقد المعارض الفكري

وإذا كان السياسي المعارض قد تحمل كل تبعات فشل محاولات تحرير البلاد من نظام شمولي محتكر للوطنية، محتبس للوطن، بسبب ما قيل أنه ضعف في قدراته الإستراتيجية وتكتيكه السياسي، فإن الفكري المعارض لم يكن بأحسن حال منه، فجل من اشتغل على الرؤى والأفكار والحقل النظري السياسي والتاريخي في البلاد، استغرق في ذلك مترفا بنظرياته المثالية التي تلقاها عبر مشواره الدراسي العالي، يحاول استنطاق الحالة الوطنية وإسقاط الحلول عليها من تجارب الآخرين، في الغالب الأعم يتم ذلك عبر اجتزاء أيديولوجي لا يشمل بالضرورة في أفق رؤيته، مساحة الأزمة الوطنية ككل، وهو ما كان يضاعف من أسباب الشقاق الثقافي والسياسي بين مختلف التيارات ويحول دون وصول شعاع الديمقراطية إليها قبل المجتمع، بل ويحولها هي في حد ذاتها إلى مشروع أزمة أخرى في البناء الوطني قد لا تقل سوء وخطورة عن أزمة مشروع النظام القائم منذ سنة 1962.

قوة اللا مشروع الجديدة

وهنا قد يتساءل المتسائلون كيف عجز النظام عن مواجهة حراك شعبي منفض من حول السياسي والفكري المعارضين مع أنه يفترض أن يكون نتاجهما ويتقوى بحضورهما وقيادتهما له؟

في الحقيقة مهما قدم الثنائي السياسي والفكري المعارضين من خدمة في سبيل انتشار الوعي المعارض للنظام، وهو ما لا ينكره أحد، إلا أنهما لم يصلا مطلقا إلى حد الانطراح كبديل عنه للأسباب التي ذكرنا منها ما سلف.

لكن هل عجز النظام عن ضرب الحراك وتفكيكه وتفخيخه بالشكل الذي يؤدي بالضرورة إلى تبديده، متأت من وعي حراكي منفصل عن مشروعي السياسي والفكري المعارضين؟ وإذا كان الأمر كذلك ما طبيعة هذا الوعي النازع عن كل المشاريع، مشروع النظام القديم ومشورغي المعارضة السياسية والفكرية الذي يحمله هذا الحراك؟

في الحقيقة لا يمكن الحديث عن وعي ولا مشروعات تأسيسية في مجتمع جزائري تحكمت فيه الطارئية عبر كامل الصعد السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، وما غياب مراصد الاستشراف والقراءات الرقمية للواقع والأفاق لخير دليل على ذلك، فإذا كان النظام الذي تحكم واستحكم في البلاد والشعب لمدة ستين سنة من دون مشروع محدَّد ومحدِّد لشروط وأدوات النهضة وفق موضوعية التاريخ، ما أوصل البلاد اليوم إلى حافة الانهيار وعدم قدرتها على انتخاب رئيس جديد، فكيف يمكن لهذا السياسي المعارض الذي بنا حضوره على رؤى مخالفة للنظام وغير مستوعبة بالضرورة لحاجة المجتمع الجديدة، فصار ينازع السلطة على السلطة باعتباره أولى بها منها ليس إلا !

وكيف يمكن للفكري المعارض أن ينتج مشروعا وطنيا بديلا في الانغلاق الصالوني الاترافي الذي صارت عليه نخب الاختلاف اللساني والإيديولوجي يقصي على منابرها الواحد الآخر ويحاكم بعضهم بعضا في شرعية الانوجاد والوجود التاريخي؟

إفلاس النظام بالفساد وفساده بالإفلاس

من هنا يتضح أن حراك الشارع لم يحمل مشروعا بل شعارا وهو التغيير بالقطع مع الماضي الذي كرسه النظام، والشعار لا يملأ فراغ المشروع، ورب قائل، وكذلك الشعار لا يمكنه مقاومة قمع النظم، بينما الحراك لا يزال حتى من دون قيادة ومن دون مشروع يبسط بإرادته ويكتسح الشارع الذي يعجز النظام عن ملئه، كلام منطقي لكن ما يتوجب أخذه في الحسبان هو أن النظام يعيش حاليا أسوأ مراحل عمره التاريخية من خلال إفلاسه بالفساد وفساده بالإفلاس !

إفلاسه بالفساد هو انقلاب سحر الريع عليه، واللبرلة المتوحشة التي ألبساها إياه بوتفليقة في طعن في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لدولة الاستقلال التي كان يزعم أنه من مؤسسيها، إذ عمل مذ دخل قصر المرادية سنة 1999 على خلخلة بُنى السلطة ومن ثم المجتمع، عبر فتح سبل الاغتنام والاغتناء بالمال العام تأسيسا للأوليغارشية تغلغلت في جميع مؤسسات ومستويات السلط في الجزائر السياسية، العسكرية، الاجتماعية والاقتصادية، وتلاشت بذلك مصادر القرار والشكوى للفرد الجزائري، الذي أصبح يعيش منطق الدولة في جانبه الميكانيكي دون الروحي، أي ينتخب بلا سياسة، يعمل بلا اقتصاد، يتقاضى بلا عدل، ومع كل انهيار لحلقة من حلاقات هذا الترابط السببي الذي يرتهن فيه الداخل بالخارج يدخل النظام والمجتمع في أزمة وتصادم، كان في كل مرة يخرج منها كالشعرة من العجين لكن مع الانهيار الكبير للسوق النفطية الأخير انفرطت تلك الحلقات فتعرى فساد النظام “الليبرالي فوقيا” فاجتاحه الشارع.

أما فساده بالإفلاس، فهو ما يتعلق بانتفاء القدرة السابقة على وضع رؤى كانت تخفف من تأثير إشكالية غياب المشروع الوطني الموضوعي لهذا النظام، فبتوفليقة لمدة عشرين سنة كرس الرداءة على كل مستويات إنتاج السلطة، ما أفلسها فكرا وجعلها تتمحور حول القبضة الأمنية لمواجهة أي غضب اجتماعي والحل الأمني يظل محدودا في الزمان والمكان مها تعاظمت قوته وتضاعفت نشاطاته حين يشعر الشعب بالحاجة إلى التغيير العميق الذي يعد بوسع النظام أن يحققه للسبب الذي ذكرنا أي إفلاسه على صعيدي العقل والمال معا.

الخلاصة هي أنه بات أحوج لنشطاء المعارضة السياسية والفكرية التأسيس لفكر وطني جديد إنطلاقا من وحي وإرادة الحراك الذي شغل مساحات ثلاثي الفراغ المشاريعي، لكل من الفكري والسياسي والنظامي معا، دون ذلك سيظل المد الجماهير محصورا في مدى الاحتجاج الضيق وينطفئ وميض الأمل الذي انقشع الشتاء الفارط في الأفق.

كاتب سياسي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال يطرح الرؤى السياسية والفكرية التي يمكن ان تعالج أزمة الراهن من خلال نقد السياسي والفكري، وهو ما يمكن ان يؤسس للفكر النظري القائم على نقدانية مزدوجة، الحفر عميقا في وعي التشكل البراغماتي اللاواقعي لتوهمات السلطة في تخلفها عن محاولات فهم مسار الحراك وحركيته التاريخية، والسلطة على الدوام لا تشتغل على تاريخية الوضع الوطني إلا في جوانبه المتعلقة بالحدث التاريخي الرسمي والمؤدلج، وهو ما يعيق على الدوام حركة مسارها نحو وعي المواطن، وبالموازاة، وكما يطرح المقال، على الحراك ان يعي بأنه دون مشروع ، وهو يتحرك في مساحة الشعار، وبالتالي أصبح من الضروري أن ينتقل من “التدافعية” إلى “التوافقية”، أي البحث عن مساخات الحوار والتوافق غير المنحازة للتعارض مع مبادئه التي خرج من أجلها للشارع..
    دمت مفكرا تنويريا أستاذي بشير..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here