بشير عمري: الجزائر: لغز حمروش في أسلوب منكافته للسلطة

بشير عمري

يكاد ثاني رئيس حكومة في جزائر التعددية، مولود حمروش، بشاكلة مساهمته السياسية المحدودة، يشكل ظاهرة خاصة في المشهد السياسي الجزائري، فالرجل يعارض بلا حزب، بلا اتجاه وخط معينين بلا مشروع سياسي واضح ويكتفي بوزنه القديم في كرجل دولة اشتهر بكونه أب الاصلاحات الكبرى والشاملة التي فرضتها أحداث أكتوبر 1988، ليخرج مدليا بدوله من موسم إلى آخر في طرح تصوره لما يجري من أحداث داخل البلاد، وما أكثرها وما أخطرها مذ تم إجهاض المسارين الديمقراطي والانتخابي الحقيقيين والطبيعيين غير المصطنعين سنة 1992، وعادة ما تكون تصوراته نقادة ناقمة على مسارات السلطة الترقيعية لثقب سياسي صار في اتساعه يستدعي تغييرا جذريا وكليا لنسيجه في ظل استحالة مواصلة ترقيعه.

فما الذي حال دوما دون أن ينخرط مولود حمروش في المشهد السياسي الجزائري؟ ولماذا هاته الممارسة الموسمية (الصحفية) للسياسة؟ وما قيمة ما يطرحه من تصور في مسمع السلطة؟

ليس بخاف على أحد ممن خبروا المسألة الجزائرية، أن منظومة الحكم المغلقة في الجزائر منذ أول انقلاب صاحب الاستقلال سنة 1962، كانت قد اختطت لنفسها فكرا ونهجا سياسيين خارج كل الأطر النموذجة المعرفية والتطبيقية للسياسة، وذلك باختفاء الفعال الأساسي الحقيقي للسلطة وتغييب السياسي المعارض الحقيقي، ما رسخ لدى رجالاتها وممن اشتغلوا في داخلها، ولم يهضموا ذلك النهج الخاطئ الذي أخذ مع توالي السنون والعقود يتفاقم بدنوا عناصر من خارج شرعية تلك المرحلة أي الشرعية الثورية من هرم قيادة البلاد – رسخ لديهم –  قناعة بأن هاته السلطة (النظام) قد تشكلت وفق مخطط لا يقبل التعديل أو التبديل فإما أن تظل كما هي نمصدر أزمة وإما أن تقتلع بكليتها وهو ما سيكون ثمنه باهظا وقد دلت تجربة التسعينيات على ذلك .

فمولود حمروش فتى هاته السلطة الذي عاش ردحا طويلا في ظلها وطاف بين أروقة قصورها سواء على المستويين الاداري أو السياسي هو من هؤلاء العارفين بخطورة بنية التركيب الأول للسلطة في الجزائر على مستقبل البلد، وكيف أن إصرار أجيال هاته السلطة على الاستمرار في هذا الاتجاه (الخاطئ) من خلال هذا التشكل المزدوج (سلطة فعلية متخفية وسلطة ظاهرة صورية) بات غير مجدي بل وخيم العواقب على البلد يتاسرع فيه ايقاع نمو وتطور الوعي الوطني!

ولعل إدراك مولود حمروش بهذا كله هو ما جلعه يستنكف في كل مرة عن الانخراط في المبادرات السياسية التي حاولت المعارضة (الصورية) عبرها مناكفة هاته السلطة، كما وجعله غير متحمس لتأسيس حزب سياسي على شاكلة رجالات السلطة ممن غادروها أمثال قاصدي مرباح الذي أسس مجد وكان نشاطه الفوقي حثيث وحيوي بل وحاسم مع بداية ارهاصات الحرب الأهلية الضروس التي فُرضت على البلد، وهو ما كلفه الاغتيال سنة 1993، والأمر نفسه كان مع وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الابراهيمي الذي حاول بما كان يملك من قاعدة شعبية أظهرها وعاؤه الانتخابي في رئاسيات سنة 1999 حتى وإن كان يومها قد انسحب من سباقها عشية الاقتراع مع بقية المترشحين احتجاجا على الترتيب المسبق من (السلطة الفاعلة الفعلية) لنتائجها، فقام بتأسيس حزب رُفض اعطاءه الاعتماد، وبذلك أبان مولود حمروش عن ذكاء في التعامل مع ميكانيزم اشتغال السلطة بحكم درايته كما أشرنا الدقيقة بطبيعة ذلك الميكانيزم.

والحقيقة أن مولود حمروش لم يكتفي فقط بعدم الانخراط في مبادرات المعارضة أو تأسيس حزب بل لم يظهر سنادا لأي تيار فكري أو سياسي معين وهو المحسوب نشأة ومسلكا على التيار الوطني باعتباره من عقول جبهة التحرير سابقا، وهنا إشارة جد مهمة في مسار الرجل إذ لم تتح للجزائر بعد انقلاب 1992 فرصة التأسيس لصروح فكرية والسياسية قادرة على إعطاء التعددية الشاملة معناها وفق نسق اجتماعي سلمي انتخابي ناهض أساسا على مبدأ التدول على السلطة من خلال آليات الاقتراع الحر غير الموجه.

كل هذا التحفظ والامتناع عن الانغماس في لعب وأعراس السياسة التي أقامتها السلطة بوجهيها المتخفي والظاهر، أكسب الرجل احترام العديد من الملاحظين بل حتى ممن تسمى بالفئة الصامتة في المسرح السياسي الوطني، كما كان الشأن مع الراحل عبد الحميد مهري وبقية عقول السياسة ممن سخروا من إرادة أولئك الذي سعوا بشتى الطرق لاغطاسهم في عمل سياسي صوري يحولهم إلى مسخرة أما الأشهاد وهم ما هم من قامات في تاريخ النضال الوطني ثم السلطة والسياسة بالجزائر.

وبقاء هكذا شخصيات عارفة وغير “عالفة” بالسياسة متطهرة من لوثة البيع والشراء في أسواق الأصوات الانتخابية، والأكثر منه تحظى بقيمة ومصداقية كبيرة في قواعد المعارضة الجادة، ما يعطيها ثقل في الخطاب السياسي الوطني – بقاء هذا النوع من الشخصيات – سيكون ولا شك مصدر ازعاج لسلطة أصبح واضحا، بعودتها لأساليب الحشد الجماهيري الغوغائي  السابقة، بعد كل هزة وعي شعبي وثورة حراكية، أنها ماضية بالبلد في الاتجاه غير الملائم ولا المتناغم مع خصوصية الوعي الوطني الجديد وما يحمله من مطالب.

ما قد لا يفهمه الكثيرون في أسلوب ممارسة لمعارضة للسلطة الذي ارتضاه لنفسه مولود حمروش وغيره من مثقفي السلطة سابقلا، والقائم على الصمت الطويل والتدخل الموسمي عبر الصحافة، هو لماذا يرتاب السياسي الجزائري من التأليف والكتاب السياسية إنطلاقا من تجربته العملية ومخزونه المعرفي، كما هو الحال في العديد من الدول التي أسهمت كتابات مثقفيها السياسيين في إنارة دروب التحول والتغيير فيها بما أحدثه من أثر في مسارات تطور الوعي لأجيال التغيير فيها.

كاتب صحفي  جزائري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. لقد لخصت التجربة الجزائرية في مقال و انت تتكلم عن مولود حمروش فهناك سلطة الواجهة وهناك سلطة خلفية فعلية وراء الستار و ان منذ 1991 لم تكن هناك انتخابات حرة و المعارضة هي مفتعلة وجزء من المسرحية التى تديرها السلطة الخفية من وراء الستار .

  2. مولود حمروش سياسي، وطني، له عيوبه، لكن له مزاياه المتعددة، بل والمتفردة، ما يميزه أنه إنسان نظيف، يحب بلده لا جيبه أو ذاته، له الشجاعة والكفاءة والكاريزما التي تجعل منه رئيسا مميزا للجمهورية الجزائرية لو كانت هناك ديموقراطية حقيقية، ولو كانت هناك رغبة حقيقية في التغيير، ولو كان هناك احترام للإرادة الشعبية ولصوت الشعب والشباب والمرأة والمظلوم والمختطف والمغتال قهرا وظلما، رئاسة مولود حمروش للجزائر كانت غالبا ستكون منعطفا تاريخيا نموذجيا ومرحلة لن تطول للتأسيس لجمهورية جديدة تكون مثالا مثاليا في العالم العربي وإفريقيا، لكن وا أسفاه…

  3. لو كنت مكان السيد حمروش ، لكنت اختفيت من الساحة السياسية إلى الأبد ، لأنه كان أحد المتسببين في اندلاع حرب أهلية رهيبة أتت على الحي والأخضرواليابس . هو الذي أقنع الرئيس الشاذلي بالسماح للإسلاميين بتأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here