بشير عمري: حتميات التغيير التي يقاومها التكلس السياسي العربي

بشير عمري

ليست حتمية التغيير السياسي بدعا في قانون حتميات التغيير التاريخي في الوعي والممارسة للإنسانية، بل هي خاضعة لشروطه وآليته طالما هي متعلقة بسيرورة وكذا صيرورة التاريخ المليء بالتقلبات كنتاج لمتغير العقل الخلاق المجدد والمتجدد فيه، ولربما كان التراث السياسي هو أزخم وأعظم ما في متحف التاريخ وأسرع ما يوضع فيه لكون الفكر السياسي أوسع وأسرع تطورات من بقية العلوم الإنسانية، فنظرياته تتوالد تناسخ باستمرار وهو ما يجعلنا اليوم لا نكاد نفهم الأيلولة المتوقعة للدولة في ظل تسارع تطور مفهومها واختفاء الكثير من صلاحياتها أمام غول المال والشركات المتعددة الجنسيات التي أضحت تؤسس لنظام عالمي مواز لما نراه في الظاهر وتتحدث عنه وسائل الإعلام بكونه جُماع إرادة النظم الرسمية في العالم.

التغيير حتمٌ جيلي بيولوجي سياسياً!

هناك على الأقل مستويان من الحتم التغييري الذي تصدقه مظاهر التقلب السياسي في العالم، الكل يمضي وفقهها إلا في عالمنا العربي حيث السياسة والصراع على السلطة ظل على هامش التاريخ، فبقيت السياسة نشاط عصبوي عصاباتي وإجرام مقنن ومبرر ويتم بالوسائل الامنية والمالية، والصراع فيه أبى أن يتحول إلى التنافس بالاستناد إلى الوعي المشروعي والمشاريعي كما هو الشأن في الدول العظمى.

من الحتميات التي قضى بحكمها التاريخ في مراحله الأخير على صعيد السياسة هو ذلك الشرط الجيلي البيولوجي المضطرد في التغيير، فكما نرى ذلك الاضطراد في التحول داخل كل أنساق الموضة العامة، نرى الأجيال تتسارع في التناوب على المشهد السياسي بالعالم المتحضر، والأمر يتبدى على كل المستويات البيولوجية المتصلة بحركة التاريخ، قادة أحزاب، وزراء، مستشارون، رؤساء وملوك شاب بسحنات جديدة وتسريحات شعر وهندام غير مسبوقين، إلا في بلداننا العربية حيث السياسي لا يأبه ولا يعي هاته الحالة وجل قادة الأحزاب والحكومات والدول هم ممن صار الناس يقرفون ويتأففون من كثرة رؤية أشكالهم في الإعلام السياسي، بلغوا في نشازهم وشذوذهم عن التاريخ وتشبثهم بالعمل السياسي أن انتقلوا من مقاومة حتمية العمر البيولوجية إلى حتمية مقاومة المرض وعدم تسليم المسئولية ولو على كراس متحركة وغياب الوعي.

في الجزائر تمظهرت الحالة أكثر ما تمظهرت مع قدوم بوتفليقة للحكم سنة 1999 بذهنية ملك وليس رئيسا، وكرس ذلك كثقافة لا في السلطة فحسب بل النشاط السياسي عموما، بحسبان ذلك السبيل الوحيد لضمان بقاء التأييد له واستدامة حكمه، وبالتالي ليس كما يعتقد البعض أن بوتفليقة أقدم فقط مذ استقدم إلى قصر المرادية على هدم مبدأ هام من نشاط الدولة العصرية ورافدها الأبرز وهو التداول السلمي والمتواصل على السلطة على كل مستويات جهاز الحكم والمسئولية، بل إنه كرس ذلك على مستوى عمق الثقافة السياسية والحزبية لما بعد الأحادية بالجزائر، وعليه يمكن القول أن بوتفليقة كان هو من سدد الضربة القاضية والنهائية عمليا للتعددية التي فرضها الشعب في أول انتفاضة حقيقية للربيع العربي سبقت أحداث تونس بثلاث وعشرين سنة أي منذ أكتوبر 1988.

وحتمٌ مرحلي إيديولوجي تاريخياً

ولا مشاحة طبعا في التأكيد أن حتم التغيير البيولوجي يصحبه آليا حتم التغيير الإيديولوجي، حتى في ظل ما يضفيه مفهوم النهايات و”الما بعديات” الفلسفي الطاغي على الخطاب الفكري المعاصر، على الايدولوجيا كمعطى نسقي فكري ويلجأ متكلموه إلى القول بما بعد الايدولوجيا أو نهاية الأيديولوجي، فهذا المابعد أو”النهاية” هو مبدأ أيديولوجي في الفكر في حد ذاته.

ولكون السياسي العربي مشروع مشكلة لمجتمعه وليس مشروع حل، طالما أنه متصل بعناصر الإشكالات السيوسو ثقافية أكثر من اتصاله بعناصر الحل، مثل الولاءات المنزاحة عن الفهوم العملية والفلسفية للسياسة مثل الولاء لقبيلة، للطائفة، للشلة على حساب الولاء للمجتمع ومصالحه المتجاوزة للعلب المصلحية الضيقة، فإن عملية خضوعه لحتمية التغيير الإيديولوجي والفكري تظل من الصعوبة بمكان، هذا إن زدنا على خصوصيات السياسي العربي السلبية تلك، افتقاره في الغالب الأعم إلى الاقتدار الفكري وعمق ثقافة العصر، كي ندرك حجم الرزيئة التي نحن فيها.

في الغرب، وعلى نقيض تام لما هو عندنا، يتفاعل السياسي مع محيطه الضيق والواسع ومع حركة الكون كلها، لهذا نرى مواقفهم تتطور بل وتتغير حتى، والسياسة أسهل نشاط يمكن أن يمارسه المواطن هناك، فروجي غارودي الذي كان زعيما في الحزب الشيوعي، لم يكن يحمل فقط الحقيبة الحزبية ولا الإيديولوجية بل كان يحمل حقيبة الإنسان، لهذا تجاوز عتبات التطور في الفكر والسياسة إلى حد التغير الجذري وانتقل من دائرة فكرية وحضارية إلى دائرة أخرى مغادرا عائلة الرعاية السياسية وحاضنة تكوينه الثقافي والأيديولوجي الأولى متجها نحو الإسلام والشطر الشرقي للعالم والكون كله.

من عقل النضال إلى معقل النظام !

طبعا لا يمكننا مطلقا إسقاط تجربة رجاء غارودي على حال الممارسة الإيديولوجية السياسية العربية، حيث المثقف السياسي أو الحزبي هو مناضل بالعقل الجمعي لا بالعقل الخاص المفكر، في الجزائر مثلا حزب جبهة التحرير الوطني الذي فجر ثورة وحرب التحرير الوطني سنة 1954 كان وراء تأسيسه عقول ثورية نضجت مع نضوج الحركة الوطنية المواكبة إذ ذاك لحركة التحرر الإنساني العالمي، بل وكان لها مساهماتها الخاصة في ذلك المسار، استحال بعد الاستقلال، هو ومثقفوه إلى جهاز عقيم تابع للعسكر يهتم فقط بإنتاج المبرر الإيديولوجي العسكراتي لنظام الانقلاب الذي قادته “جماعة وجدة” ويضفي الطابع المدني الكاذب على جهاز الحكم، فانقلب عكسيا في مهمته من التحرر إلى الحجر على إرادة المجتمع في الانخراط فطريا في حركة التغيير التاريخي، أكثر ذلك بلغت الاستهانة التي مارسها الحاكمون بهذا الحزب من خلف الستار حد تعيين على رأسه أسفه الأقوام وأفسدها مثل عامل الحماية المدنية عمار سعداني، وممارس للتهريج الإعلامي جمال ولد وعباس وممارس للتهريب الحدودي محمد جميعي، تباعا أمناء عامون لهذا الحزب وكلهم متابع فضائيا اليوم بتهم الفساد !

إذن بات واضحا أن ثورات الشعوب العربية المتقدة منذ عقود مطالبة بالتغيير بوصفه حاجة تاريخية والنشوز عنها يعني الانتحار، يجب أن يمتد الوعي بها إلى العمق وليس يتوقف عند القصر الرئاسي أو الملكي، فالقصر هنا ليس سوى رأس الجبل الجليدي، ذلك لأن الحجر على الوعي التغيير الجذري يشتغل على مستويات عدة ومنها تستمد النظم آلية وقوة إعادة إنتاج نفسها حتى بعد العصف الجماهير الهائج المائج برأس النظام، فإسقاط هذا الأخير مثلما يحمله شعار الربيع العربي مذ اندلع بتونس “الشعب يريد إسقاط النظام” لا يجب أن يظل التصور بشأنه حبيس النظر إلى رأس هرم النظام، بل إلى قواعده، بما في ذلك “المعارضة النظامية” المشاركة في ولائم نظام الحكم لسنين وعقود عدة، فليس وجوب تحطيمها يقل أهمية عن تحطيم النظام وتفكيك منظومته الفاسدة المعيقة لسريان حتمية التغيير السياسي التاريخية في حياة الأمم والبشرية.

كاتب صحفي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. العالم العربي بمنتجه السياسي الإيديولوجي المبني على حسابات الشخص لا الدولة ولا النظام، لأنّ وعي القبيلة بمفهومها السلبي هو ما يدير حلقة “العرش” “الكرسي” في ٍرأس الشخص الذي وضع صورة الحاكم في ذهنه وتفكيره، ولهذا “التغيير” لا يؤتبط بآليات التحول والانتقال بقدر ما يرتبط بأدوات الاستقرار والثبات، فلاحظ مثلا رؤساء الأحزاب عندنا لا يتغيّرون، وهناك من الأحزاب والجماعات من مازالت تعمل بـ “التشخيخ” من الشيخوخة، وتضع على رأس الهيئة من هو أكبر سنا، ثم تعمل جاهدة على تلبيس رؤى الشيوخ المتكلسة والفاقدة لشرطية التوافق مع الحاضر لأذهان وتصورات الشباب المتوائمين مع الراهن، وبذلك تختل موازين الفعل السياسي وتتحول إلى عبث مهين.
    كل التحية والتقدير أستاذ بشير..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here