بشير عمري: الجزائر: في نقض الأساس الصوري (الدستوري) للتحول الثوري

بشير عمري

صحيح أن التجديد يتأسس كمفهوم ويتمظهر ماديا بنقيض سابقه أي القديم على مستويي المسلكية والانتاج، فلا جديد يحتمل معناه ومبناه من دون الوعي بأثر القديم، لكن وبالاضافة إلى حيثيات المعنى وسياق الوعي فما يكمن أن يعطيه موضوعية التسمية “التجديد”، هو الجانب العملي أي تلك القطيعة العملية الشاملة مع القديم، ذلك لأن أي ارتباط للقديم بالجديد سواء في آليات الانتقال أو عناصر التكوين والتقاطع سيعني بالضرورة بقاء عناصر قلق القديم واشكالته، هكذا قواعد منطقية في التغيير تحصل وتحول دون تحقق التجديد في عوالم عدة بالطبيعة ذاتها فما بلك بعالم الثورة والانتقال السياسي والتاريخي لشعب تعتجله الظروف للتغير وتعجزه قدرة القديم على الاقلاع.

هي حركة وعي في التاريخ انبثقت من لحظة بداية نهاية الوعي السابق الذي تأسس عليه مرحلة الوطنية الأولى، منذ الاستقلال، والقاعدة الفلسفية والجمالية للكون تقول أن الاشكال وكل المعاني تموت بداية أو مباشرة من لحظة اكتمالها معنى ومبنى ودخولها الحقل العملي حتى تصل إلى مرحلة الانهيار، مؤذنة بدخول مرحلة جديدة، تستمد هاته مرحلة شرعيتها وقوتها من تفاعل عناصر جديدة داخل الحقل التاريخي بعد تبدد العناصر (قوة الدفع) لقديمة، وهذا الأساس المعرفي لقانون التجديد والتغيير هو ما يفلت عن وعي “السادة” والساسة من جيل الدولة الوطنية الأولى، عندنا لأن في بنية تفكيرهم غير المعرفية تسبق فيها الارادة الوعي وبالتالي تسبق السياسة المعرفة.

من هنا يبدو خطأ اللحظة السياسية الحالية ومؤادها المستقبلي الخاطئ بوضوح كونه ينفصم وينفصل كلية عن منطق تلك الثورة بمقتضى بنيتها ومكنون تلك البنية من عناصر لا تقبل البتة خارطة الطريق التي يراد سلكها من قبل منظومة لا هوية لها وفي هاته اللحظة الفاصلة!

البداية كانت في منظور المنظومة تلك هي النهاية بحد ذاتها، لكون الوعي الثوري لتلك المنتظومة بوصفه أداة تغيير، كان ولا يزال مغلقا، أما من منظور فلسفة الحراك وخصيصة جيله فهو وعي مفتوح، وهو بذلك يتسع للتاريخ في سياق تفعلاته وخارج سيله الزمني، وبالتالي فلا نهاية للحراك لأنه غير ظرفي ومؤسس على وعي تاريخي، في مقابل توقفه لدى منظومة الحكم التي تختزل عادة الثورة بعدا وآلية في الاطار الزمني وليس التاريخي، (ترسيم يوم الفاتح من نوفمبر لاجراء الاستفتاء على الدستور خير دليل على ذلك الانغلاق الزمني للوعي)  لهذا كانت في كل مرة تفشل في مشاريعها الثورية المغلقة.

في المسألة الدستورية تتجلى دوما الخطايا الآلية في الانطلاق نحو التجديد والتغيير، إذ في كل مرة ينهض فيها المجتمع الجزائري من وعي آلامه وخيبات نخبه يطالب بالتغيير حتى يغير من واقعه المأزوم، يشرع “الوعي المغلق” للمنظومة القديمة يحرك ما بداخل بطنه من عناصر قديمة يجترها ليفرز كمياء مستهلكة ضرها أكثر من نفعها (إن سلمنا بأن لها نفع) فلا يجد من حقل تتمظهر فيه مقتضيات التغيير المنشود والمفروض من قبل انتفاضات الشعب سوى الدستور من خلال إعادة تركيبه هو ايضا من “الداخل” تبعا لـ”وعييه المغلق” فينقص من مدد العهدات المؤسساتية أو يزيد، يرسم مطالب فرعية أو يوطنها ليظل في الأخير قائما بانغلاق وعييه بالوصاية الأبوية على الأمة!

وليست الخطيئة تكمن فقط في مسار التغيير الصوري للدساتير في سياق كل انتفاضة تحمل معنى جديدا لمسألة الوعي ومقتضياته، بل تمتد أيضا إلى آليات التنفيذ، فالثورة ذات الوعي الجديد والمشروع المجدد، كما أشرنا لا تقطع مع القديم في الفكر والنظر فحسب، بل وفي الآليات أيضا، وعليه فكل المؤسسات التي ساهمت في فشل المشروع القديم المُثار عليه، ليست صالحة ولا شرعية في التأسيس لفكر ومشروع جديدين طالما أنها تنتمي للقديم ومتوقفة عنده حمالة للكثر من نار حطبه.

لكننا نرى في سياق تجريد الوعي الجديد من بعده الثوري وهدفه التغييري الجذري، وإنزاله منزلة الاحتجاج السلوكي على الممارسة السياسية وليس على فلسفة وبنية منظومة حكم قديمة تجاوزها الزمن – نرى – المنظومة مصر على، كما تدعي، التأسيس للجديد (الجزائر الجديدة) بالقديم في مناطحة للمنطق ولحتميات التاريخ نفسه، والغريب أن نجد نخبا يفترض أنها على الأقل متعلمة، ماضية في المشروع قاطعة بالتالي مع المعرفة متصلة بالمعلفة (العلف).

إن القطع مع الماضي في سياق بناء مشروع جديد ليس مما يقف عند مستوى الاختيار بل الاجبار وفق المنطقين الفلسفي والرياضي، فمثلما قطعت ثورة التحرير مع مسلكية الحركة الوطنية في النضال الأول باقتصارها في ذلك على النشاط السياسي بكل مظاهراته وتمظهراته، وحددت العنف الثوري كأداة مرحلية حتمية لتغيير التاريخ على الحقل وليس فقط على العقل (الوعي) فإن الحراك الثوري يحمل ذات الخصوصية المرحلية، وأي اقتصار على ديكورية المشهد والتأسيس على القديم من الآليات والمؤسسات سيعني بالضرورة تعطيل حركة الوعي ومنعها من الابساط العملي في التغيير..

كاتب صحفي  جزائري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here