بشير عمري: التراث كمصدر تجدد وتشدد الاستبداد في العقل العربي

 

بشير عمري

في مقابلة سابقة تلفزيونية له مع محطة الببي بي سي، انتقد علاء الأسواني العقل السياسي العربي العمومي، في رؤيته وشاكلة تعاطيه مع السياسية لا سيما في جزئية الاستبداد، مبرزا أن مكمن الخطأ والخطورة معا فيه في أن العربي، وبسبب ركام التراث وسلطانه عليه، لا يعترض على الاستبداد كفكر، بل يقتصر في ذلك على الاعترض على نتائجه إذا ساءت” وهذا صحيح ونلمسه في خطابات السياسة والتاريخ عبر تلك النوستالجيا الغريبة لزاعامات تسبب في واقع الأزمة الحالية، بمسلكيتها في مسارات بناء الدولة، لكن فقط لكونها وفرت بعض الحاجات المجتمعية وهذا فقط ظروف خارجية كارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية مثلا، نتيجة التدافع والتفاعل السياسي الدولي، ليس لهاته الزعامات يد فيها، فإنها تترسخ في حاضر تلك الشعوب بل وقد تظل ملتصقة بوجدانها أو لربما ظلت اكثر التصاقا بذاكرتها بعد موتها، لتتحول إلى مرجع وطني في النجاح القيادي والزعاماتي، وكل ذلك تحت وطأت الأزمات السياسية والأقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تلك الشعوب، التي تعتقد أنه لو بقي ذلك الزعيم ما وقعوا في تلكم الأزمات، ولعل هنا يكون قد فات الأسواني الخلاص إلى أن ظهور الاستبداد هو في حد ذاته نتيجة سيئة لمنظومة حكم تولدت وتدولت (من الدولة) من انحراف وسوء وعي سياسي مركب .

ودونما إرادة في الايغال النظري المعرفي في أسباب اخفاق المجتمع في تأسيس وعي جديد خاص بمسألة السلطة في الثقافة السياسية العربية، يظل حريا بنا نمذجة الاشكال داخل صور من فهوم السلطة التي عطلت مسار الارتقاء بها عمليا في واقع الشعوب العربية في مرحلة ما بعد الكولونيالية، وبما أن صدام التحديث بدأ سياسيا قبل أن يكن صناعيا، باندحار مبكر لمشروع الديمقراطية كأساس لبناء الدولة الوطنية الحديثة بسبب انحباس العقل عند أسئلة ومساءلات التراث لذاته قبل أن يسائل الآخر، فإن نموذج الاسلاميين في فهم السلطة، كبنية ذاتية وكهدف للتصليح والاصلاح، مثلما يرفعونه في هرمية بنائهم الدعوي، يظل الأنسب لتفكيك مأزق التراث في التعامل حتى لا نقول في مواجهة ظاهرة الاستبداد المتطور في أساليبه عربيا، ومبررات ذلك البقاء في زمن تكاد البشرية تتحول فيه إلى نمط جديد من الدولة أساسا.

طبعا تختلف رؤية الاسلاميين لسلطة باختلاف الاستراتيجية الحركية فقط، لكن على صعيد الجوهر، فالثابت لديهم هو أن الحاكمية بمفهومها المعصوم من كل تأويل أو تبديل مهما تغيرت معطيات التاريخ، تظل ثابتة على ما نصت عليه السرديات القديمة التي تنهض على تفاؤلية النهاية السعيدة والحتمية للخلافة والعودة لسلطان الاسلام ليعم الارض ويملؤها عدلا بعدما مولئت جورا، في نقد نبوئاتي للتاريخ.

فالسلفيون الذين بدورهم تفرعوا وتشتتوا في هاته المسألة بين مشرق ومغرب اسلاميين بحسب منتج ترجبتهم السياسية، يرون أن الحاكم هو كما صيغت تعريفاته وحددت صفاته وسُطرت شاكلة التعامل معه، في خضم أزمة الصراعات الدامية التي حدثت في صدر الاسلام، فإن تغلب وفرض السلم والأمن الاجتماعيين بالقوة والقهر، فهو الشرعي ومن يعترض على قهره وجبروته هو الاثم المذنب، وتأصل بالذرائعية الظرفية الاستبداد كنهج قيادي وسلطاني محمود في فكر، لا يزال متوجسا مستريبا مما وصل إليه العقل السياسي الانساني، وابداعه في عمارة السلطة، وكيف قلبها من الشخصنة إلى المأسسة، وركيزتها الأساسية هي الشعب.

هاه الحتمية الأبوية التي أسس عليها الفكر السلفي رؤيته للحاكم وتفضيله ولو كان مستبدا، على مجتمع متدافع متصارع في الرؤى والفكر بحجة اتقاء الفوضى، هي ذاتها تظل منطلق الاخوان، الفرق الوحيد هو في استراتيجية التعاطي حتى لا ندعي الاندماج في التاريخ، إذ يستند هؤلاء على الابوية تلك في رسم مخطط بنائهم الحركي الدعوي السياسي، فينطلقون من خلية المجتمع الأساسية الأسرة، بقياة وسلطان “الأب” لتبلغ منتهى الهرم أي “الحاكم” العادل “أب” الجماعة، الدولة الوطن والأمة.

فالسياسة في رؤية الاخوان تنطلق من أبوية إصلاحية كسلطة أسرية هادفة إلى التغيير الجذري للواقع وفق مرجعيتها المتضمنة في مشمول الدعوة (سياسية، ثقافية، اجتماعية واقتصادية) وتنتهي كأبوية سلطانية مجتمعية وكل ذلك وفق نسق مفاهيمي ومرجعية نصية خاصة تفصل تصور وتطور المفاهيم الحركية عن تصور وتطور المفاهيم العامة للسلطان والدولة في المجتمع.

هكذا إيسار داخل النسق المغلق، عمل دوما على استفحال ظاهرة المناكفة المتواصلة للتاريخ ومنطق خحطه المستقيم في التطور وكرس هيمنة غريزة الاستبداد في الكيان الاسلامي تلك الغريزة التي سترتاح لقوانين التراث في الحاكمية وتستوي في الدولة العربية الحاتلية على قوانينها البالية في رسم ملامح الحكم والحاكم السلطة والسلطان الراعيب والرعية، الطاعة والبيعة، وهي كلها ممثلما هو واضح متتاليات لحتميات جامدة تعيق ليس فقط الانتقال من وضع إلى آخر بل من إمكانية الانتقال من تصور قديم إلى آخر حديث فضلا عن القول معاصر.

المشكل إذن ليس بالخفيف ولا السخفيف، فهو ضارب تعقيداته في عمق أزماتنا النفسية والمعرفية يعيق كل استعداتنا للانتقال من اللا تاريخي إلى ما هو تاريخي، أي من فكر الأزمة في التراث الذي تطور فيما بعد واستحال إلى أزمة تراث، إلى فكر واقعي استقام على النظر في التجربة وتجريب المنظور، فالشعب في الفكر السياسي الحديث لم يعد رعية بالمضمون الاصطلاحي واللغوي الذي حمله تراث الفكر السياسي الاسلامي المحبوس المدسوس، إذ صار هو أساس الدولة، والحاكم قد تفرق سلطانه بين مؤسسات الدولة المنفصلة وظيفيا والمتصلة بنيويا، ما أباد كل فرص ممكنة لسيادة الاستبداد، فهرم السلطان هو رمزي في مبناه أما في وظيفته فهو أفقي مؤسساتي يقبض عليه الشعب بإرادته ورقابته.

فإذا حدثت أزمة ما فإن الشعب هو من يكون سببها بخياره وإراداته وبالتالي سيظله مناط اصلاحها وتقويم مسارات السياسة والمجتمع مجددا، عكس ما هو حاصل في فكر مركزية الحاكم (المتغلب أو المتعلب) حيث يظل الراعي الحامل للعصا والرعية الماشية خلفه كما الماشية في المراعي، عليه توفير المرعى وتحديد المسرى لها وعليها هي الطاعة والطأطأة والخروج من إرادة صناعة التاريخ.

كاتب صحفي جزائري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here