بسبب الإهمال الطبي.. أطفالنا يموتون قسرًا وأمهاتهم يتألمن قهرا وعلى الحكومة التونسية أن تحاسب المتورّطين

فوزي بن يونس بن حديد

ألمّت بتونس فاجعة كبرى تمثلت في وفاة 11 رضيعا نتيجة إهمال طبي فظيع ما كان ينبغي أن يحصل، فما ذنب هؤلاء الصغار الذين جاؤوا إلى الحياة ونبضهم بدأ ينمو ثم وُئدوا في مستشفى الرابطة بتونس العاصمة، وما ذنب امرأة ظلّت تسعة أشهر تتوجع وتتألم من أجل لحظة حاسمة في حياتها ستصبح فيها أمّا وستسمع صراخ ابنها أو ابنتها، وقد حدث هذا ثم سرعان ما قيل لها إن ابنك أو ابنتك قد لفظ أنفاسه أو أنفاسها الأخيرة، وما ذنب من لم تنجب تماما مدة ليست قصيرة وهي تنظر وتتابع حالتها وتصرف من وقتها ومالها الكثير من أجل أن تسمع كلمة ماما وإذا بالمستشفى  يقضي على حُلمها للأبد، وما ذنب زوج صبر وتحمّل الصعاب والمشاق من أجل أن يضم إلى صدره طفلا صغيرا يداعبه ويقبّله ويحضنه وإذا به يجد نفسه في وهم وحُلم، إذ لم تدم الحقيقة إلا بضعة أيام.

ما الذي حدث وما الذي يحدث في تونس اليوم، إنه الإهمال يا سادة، الإهمال في كل شيء، وهذه المرة كان الضحايا أبرياء من الدرجة الأولى، أبرياء لم تطأ أجسادهم الناعمة خشاش الأرض، ولم يفرح أهلهم بابتساماتهم البريئة وبكائهم اللذيذ وشقاوتهم المعهودة، بعد الفرح عم الحزن والبكاء والسخط على المسؤولين بسبب وفاتهم، بعملهم هذا جرحوا التونسيين جميعهم من اقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، كل التونسيين اليوم مستاؤون وغاضبون وثائرون مما حصل، إنه يوم الحداد على أطفال لم يذوقوا من الحياة إلا بضعة أيام ولم يدروا أنهم عصافير الجنة سيكونون، وأنهم عن ذويهم سيرحلون، وأنهم إلى ربهم راجعون، في ثياب سندس خضر يتدثرون، وانهم في جنة الخلد بإذن الله خالدون.

وما على ذويهم إلا الصبر والسلوان، والدعوة والترحم عليهم، أجسام طرية خلقت للتو، ورحلت طرية إلى ربّها للتو، ولم تدم فرحة آبائهم وأمّهاتهم بهم، فتحولت الفرحة إلى حزن دائم، لن ينسى أحد منهم هذا اليوم الأسود الذي مات فيه جميعهم بفعل فاعل، نواسيهم في مصابهم الجلل، وبفقدانهم فلذات أكبادهم بين ناظريهم، ينظرون إلى أرواحهم الطاهرة تفارقهم، وأجسادهم الناعمة تُوارى الثرى، في مشهد مهيب لم تشهده تونس من قبل، في مشهد أقل ما يقال فيه إنه مشهد حزين وأليم، فتونس كلها اليوم حزينة وكئيبة لأنها فقدت ذريتها من صنع موظفين لا يخافون الله، ولا يدرون معنى الحرمان، فقدوا العاطفة والحب والحنان، ورموا بكل معاني الإنسانية وراء ظهورهم، همهم الجشع والطمع  الذي أعمى أبصارهم وجعل على قلوبهم غشاوة، من أجل ماذا؟ من أجل دنيا فانية!.

نطالب بشدة محاسبة المتورطين من أعلى الهرم إلى أدناه، نطالب بإقصاء جميع المسؤولين في المستشفى، وإحالة المتسببين المباشرين وغير المباشرين  للقضاء ليأخذ مجراه وليحكم بالعدل في هذه القضية المأساوية، التي أحدثت شرخا كبيرا في المنظومة الاجتماعية وأفقدت ثقة الشعب في النخبة السياسية التي تتكالب على الكراسي، ويتهم بعضها بعضا، تاركة الشعب يلاقي مصيره إما بإهمال أو تسيّب أو تقصير، كل ذلك يحدث في تونس الجريحة اليوم، لا يمكن أن يمر هذا الإهمال دون عقاب، وإلا سيعاقبكم الشعب التونسي بما يريد وعلى طريقته الخاصة.

نطالب بشدة الحكومة التونسية أن تكون يقظة وأن تتابع وزراءها، وكل وزير يتابع وزارته، وكل مهمل ومقصر يحاسب على تقصيره، لا بد للهيبة أن تعود، فلا مجال للتراخي، ولا مجال للفاسدين أن يركبوا على الحدث، ولا مجال لمن يريد أن يستغل الحادثة لدعاية انتخابية، فالشعب التونسي قد كره السياسة التي تجرحه في العمق، وترمي به في واد سحيق، ملفات كبيرة فوق الطاولة تتراكم يوما بعد يوم، والسياسيون مازالوا يتصارعون، والشعب صبور، لكن للصبر حدود.

كاتب تونسي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. انها فاجعة كبيرة
    انهم طيور الجنة
    لعن الله السبب
    الصبر لذويهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here