بسام الياسين: هل ترنحت الدولة العربية العميقة؟

بسام الياسين

“ليس في الوجود اعظم من مسيرات الحشود المليونية،التي تُسقط الطغاة،اولئك الذين هدموا اوطانهم ليبنوا قصورهم،مستغلين سطوة ـ الدولة العميقة ـ التي تديرها مؤسسات متجذرة و لوبيات متحكمة باشراف شخصيات نافذة اكتسبت خبرة عبر عقود طويلة وامتهنت البطش وسيلة لتنفيذ مآربها.هذه “الدولة الاخطبوط”،من الخطأ التقليل من طاقتها القمعية،لذلك لن تسقط الا بقصقصة اذرعها المتعدد عن طريق المحاكمة، الديمقراطية، تداول السلطة…الكاتب”.

 ما يدور في عالمنا العربي،هو اللا معقول السياسي.اعلام مهمته تغطية السوءات،حكومات تأتي لتنفيذ احندات مرسومة. برلمانات تبصم بالعشرة كي تكتمل المسرحية “.ما يلوح في الافق،يشي ان الشعوب العربية، لم تعد حبيسة ” الزوايا ” او عالقة فوق الشجرة لا تستطيع النزول للمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية، مشاركة فعلية لا صورية في”العرس الديمقراطي ” ـ لـ ” ليلة واحدة “، يُسقط الناخب / العريس، الورقة / النطفة في رحم الصندوق،بعدها عليه الانتظار اربع سنوات اخرى لمعاودة الكّرة.فهل يُعقل ان يقتصر دور المواطن على كمبارس في المسرح السياسي…اية مسخرة هذه ؟.

لعبة الانظمة، لم تثمر مجالس نيابية مؤهلة بل مجالس جعجعة، وحلبات مصارعة، لانها استأصلت ارحام ” الصناديق”، خوفاً من ان تحبل بديمقراطية حقيقية يصبح الشعب فيها سيد نفسه.فالناخب بنظر الانظمة كذكر النحل،دوره التلقيح ثم ينتهي امره.مرحلة التعمية انتهت.فمخاض الشارع انتج وعياً عميقاً، اعاد للمواطن حضوره وسلطته في التغيير.لقد تغيرت الشعوب ولم تعد تقبل او تتقبل ما كانت عليه،وهي تسعى بقوة الى كف يد الدولة العميقة عن العبث بمستقبلها،و نهب خيرات البلاد لها ولسلالتها من بعدها.انتفضت لرفض ديمقراطية مشوهة ووضع نهاية لعهود الفساد و توزيع المغانم .

الديمقراطية مشروع سياسي متكامل،يهدف لتحقيق العدالة،الكرامة،الحرية،تداول السلطة.لذلك فاختيار الموقف السياسي الشخصي، يجب ان يكون عن قناعة و ارادة حرة،وعلى الدولة احترام رأي مواطنها.هو ليس خصماً للدولة ،انما هو التوأم السياسي / السيامي الذي لا يمكن فصله او الانفصال عنه،ولا التنمر عليه،بشتمه او الاعتداء عليه بدلاً من توجيهه و تصويبه. الديمقراطية ليست خطابا عنترياً ولا موعظة اخلاقية،لكنها سلوك راقٍ وممارسة حضارية بعيداً عن ما نراه  من فزعات انتخابية،مشاجرات برلمانية،ارتدادات للهوية الفرعية وتلويح بسيوف قبيلة للمنازلة.فمتى تنتهي داحس والغبراء المعشعشة في عقولنا والمتحكمة بسلوكنا.

بعد عقود من الوعود والتسويف،انتفضت الشعوب لادراكها ان التغييرلا يأتي بفرمانات فوقية ولا مكارم عُليا بل ينبع من القاعدة، متجاوزة النخب المحنطة والمعارضة المصطنعة.فخرجت للشوارع رافضة الاصلاحات الشكلية او الترميمات التجميلية،ولرفع الغطاء عن اهل الفساد والانتقال من حكم الفرد الى حكم الشعب، بعد ان وصلت البلاد للاستعباد الدولي والاستبداد الوطني،وغطت الخارطة العربية انظمة ميتة،اكرامها بدفنها و قرآءة الفاتحة على روحها.

  لقد بلغ استهتار هذه الانظمة بمواطنيها،دفعهم للمشاركة الاجبارية في مظاهرات تأييد لها، دون رغبة حقيقة منهم ،لتظهر امام العالم انها شرعية.المفارقة ان المتظاهرين انفسهم، لو انتظموا باحزاب سياسية او ناصروا المعارضة لكان مصيرهم زنازين رطبة….. في كتابة ” اشكالية المستقبل في الوعي العربي”،قارن الدكتور هادي النعمان بين حالة اثينا التي اذلتها اسبارطة عسكرياً والحالة العربية الراهنة التي هزمتها اسرائيل : ـ” ان  الحكم على  الفيلسوف سقراط بالموت لم يكن سببه ” إفساد شباب اثينا او عدم الايمان بآلهتها ” كما ادعت كذباً السلطة الحاكمة بل لما يمثله سقراط من فكر مستنير وتأثير كبير على مجتمع هش،كان فيه اصحاب السلطة ضعفاء سياسياً وفاسدين اخلاقياً “.

جدير بالاشارة، ان اي نظام عربي،مهما كان وزنه وميزانيته، لن يفلت بجلده من الحراك الشعبي.اما اذا اراد النجاة من مقصلة المُساءلة،عليه العودة الى شعبه للمشاركة في عملية البناء والارتقاء.ولن يكون هذا، الا بتجريف النخب المقنعة بالولاء الكاذب لتغطية فسادها، و احلال شخصيات نظيفة مكانها.اما رهان الانظمة على سكوت شعوبها، مغامرة مدمرة.فالشعوب العربية شمرت عن سواعدها لمواجهة النخب التي انتهكت الكراسي، نهبت الثروة، استباحت كرامة الانسان وحقوقه.فلا يعقل،ان تستأثر قلة لا تغطي رأس دبوس بثروة فاحشة وسلطة مطلقة بينما تجاهد الاغلبية للحصول على لقمة مغموسة بالمهانة.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. الدكتور مازن الشفاف الشديد الحساسية للكلمة، تحية كبيرة لك …انت تذكرني بالاطباء الشعراء امثال الدكتور ابراهيم ناجي صاحب قصيدة الاطلال التي شدت بها سيدة الغناء ام كلثوم ،وانت ممن تأخذهم دقة اللغة ويتوقفون عند مراميزها مثل قضاة الطبقة العليا واطباء الطب النفسي الذين يدققون بكل لفظة او نأمة حتى لغة الجسد لها حساب عندهم.
    ـ ملاحظتي انك شديد الملاحظة والتدقيق تمزج بين هموم الناس ،عذاباتهم آلامهم كطبيب يعيش مع الوجع الانساني اليومي وبين الكتابة السياسية وهموم الانسان العربي المبتلى بانظمة فاسدة .
    ـ شكرا لك وانت المثقف والانسان الذي يتساوق ويتماهى مع هبة الشعوب التي تبحث عن الخلاص…سائلاً الله الكثير من امثالك فالامة في حالة غيبوبة من وقع صدمات الخارج وهشاشة الداخل حيث انها تحتاج نخبة وطنية للدفاع عنها والا فامصير الهنود الحمر ينتظرنا. بسام الياسين

  2. جميل جداً كاتبنا الرايق ولقد ترددت جملتك شِعراً بمخيّلتي:
    (لانها استأصلت ارحام ” الصناديق”، خوفاً من ان تحبل بديمقراطية حقيقية يصبح الشعب فيها سيد نفسه).
    وكل ما قلته بعد ذلك أغلبيّته صحيحة ولكل ولكن ولكن: لو أنّك أعدت قراءة ما كتبت لوصلت لنتيجة واحدة فقط:
    وهي أننا عاجزون فعلاً عن التغيير إن لم يقم الحاكم أي النظام القائم وأقتبس:(ان اي نظام عربي،مهما كان وزنه وميزانيته، لن يفلت بجلده من الحراك الشعبي.اما اذا اراد النجاة من مقصلة المُساءلة،عليه العودة الى شعبه للمشاركة في عملية البناء والارتقاء.ولن يكون هذا، الا بتجريف النخب المقنعة بالولاء الكاذب لتغطية فسادها، و احلال شخصيات نظيفة مكانها).
    أي أننا (وأقصدكم )في نقطة الصفر، لأن ذلك لن يحصل وأكبر دليل تجده في داركم.
    د. مازن

  3. الاخوة :ـ المغترب،الطحان،خواجة فلسطين،قاسم،SAMOR ،ابن السبيل…طابت ايامكم على هذه الاضاءات المشرقة،والعقليات النيّرة ووالله انني استغرب كيف تراجعت هذه الامة العظيمة وفيها هذه القامات الباسقة.
    ـ قرآءة متأنية لتعليقاتكم تجعلني في حيرة من امري كيف يصمد واقعنا المهزوز امام اصحاب هذه التحليلات العلمية العميقة ونخبة بلغت شأواً عالياً من العلم والقدرة على التغيير.
    ـ قد يسأل سائل كيف عرفت ؟!.
    ـ عرفت لان بين اللغة والفكر رابطة قوية ومتلازمة وبالمقابل ليس كل كلام فكر.اذ ان من الكلام هراء .
    ـ حقيقة هذه الامة خلاقة وستنهض طالما فيها هذه النخبة وامثالها…كل المحبة والتبجيل لكم فردا فردا / بسام الياسين

  4. اريد ان يكون تعليقي اليوم على مقالتك بطريقة مختلفة.
    قال شاعر النيل عن أمة اليابان:هكذا الميكاد قد علمنا ان نرى الاوطان اما وابا.
    المثل الإنكليزي يقول: اللسان الطويل دلالة على اليد القصيرة.
    اما المثل الألماني: ان تكون فردا في جماعة الأسود خير لك من ان تكون قائدا للنعام.
    المثل الفرنسي: تعلم من الامس، وعش لهذا اليوم ليكون غدا أفضل.
    وأخيرا المثل الروسي: خمسون خروفا بلا راع، لا تكون قطيعا.
    اما عند العرب: الكذب ملح الرجال وعيب على الي بصدق
    وآخر، الفليلة ثلثين المراجل! وأخيرا نعبد الله بلا تقوى.
    لست متشائما ولكن لا ارى لا همة ولا نور في طريق أمة كهذة.
    اما ادلة تحليلي فهي عشرات وعشرات ويكفي هنا قولان للدلالة،
    كثيرا منا لا زال من يعتبر المرأة اما سلعة او خادمة
    اليست المرأة نصف المجتمع وعندما تصبح ام تربي النصف الآخر!
    في مجتمعنا نكره الناجح بذراعه ونصفق للفاسدين، ثم نقول رحم الله أمرىء عرف قدر نفسه؟
    تحياتي ومحبتي لك صديقي الياسين المحترم.

  5. ليس من الضروري ان يكون كل الشعب مثقف ومتعلم حتى يمارس. ثقافة الديمقراطيه الهند والولايات المتحده اكبر دليل على ذلك. ما ينقصنا هم النخبه الحقيقيه التي تقود الشعوب نحو بر الامان. الرسول سيدنا محمد كان له الاف من الصحابه ولكن الذين قادو الامه هم بعدد اصابع اليد.

  6. أخي الغترب … أنا معك فيما ذكرت من نقاط بتعليقك باستثتاء النقطة الثانية فالامر حكم الله وليس حكم مشايخ فلا تتأله على الله ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

  7. الى Al-mugtareb
    بعد التحيه والسلام
    تعليقك عظيم جدا و المخبى اعظم و ابو بسه و كعبه الاحبار و آلامه العربيه كلها انبياء و رسول بدون شعوب .
    أحسنت في تعليقك و الحمدلله انا مش وحيد

  8. .
    — مشكله الامه العربيه انها تريد ديموقراطيه تبدا خارج أسوار المنازل وتنتهي بالوصول اليها ، بينما الديموقراطيه هي بذره تزرع في المنزل وتنموا أغصانها عبر نوافذه ،
    .
    — مشكله الامه العربيه انها تريد ديموقراطيه ترى المراه لها نصف حقوق الرجل في الشهاده والإرث لكن لها ذات العقوبه في السرقه والقتل والزنى فكيف تكون ناقصه عقل ودين فيما لها وتحاسب كامله الرشد فيها عليها .
    .
    — مشكله الامه العربيه انها تريد العوده الى الدين لا التقدم نحوه فنحن امه لم تفهم رساله اعظم الناس محمد حتى اليوم ، هذا العبقري الذي وصفه الله في كتابه بالأمّي اي نبي الامه وفسرها المغرضون بالذي لا يقرأ ولا يكتب ،و قال الله في اول كلمه نزلت على رسوله والنَّاس ” اقرا ” ليتعلموا فابتكر بعضهم ” ما انا بقاريء ” ولا دليل عليها سوى روايتهم .
    .
    — مشكله الامه العربيه انها تصر على ان يكون مرجعها ليس كتاب الله وحده بل ما روي عن ابي هريره رجل بني اميه الذي عاصر رسول الله اقل من عامين وعن البخاري الباحث الأعمى الذي اتى بعد رسول الله بقرنين وليس لدينا حتى نسخه أصليه لما نقل عن صحيحه .
    .
    — مشكله الامه العربيه ان عالم الفيزياء وطبيب الأعصاب ومبرمج الكومبيوتر يصر على ان رؤيه هلال رمضان لا تصح الا بالعين المجرده .
    .
    — تلك مشكله اجيال ثلاثه تمت برمجتها بعد سقوط الدوله العثمانيه التي صادرت العقل لخمسه قرون فعباه الاخوان والوهابيون بعدها يعدون الناس ان تبعوهم بالعدالة والرخاء والنصر الى ان كانت تجربتهم بالحكم صدمه اوقظت الامه وأنقذت الجيل الشاب الذي به الأمل ، جيل التواصل الاجتماعي الذي يعلم نفسه بنفسه ولا يتناقض مع ذاته ولا يخادعها وهذا هو الاهم ، جيل اكتشفنا فيه ان جينات هذه الامه لازالت حيه ومميزه رغم خمسه قرون من حكم العثمانيين وقرن من حكم الطغيان ، جيل سيصنع المستقبل الذي تستحقه خير امه اخرجت للناس تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر .
    .
    .
    — لمنفلوطي الاردن اخي الاعلامي الكبير بسام الياسين اعطر تحيه .
    .
    .
    .

  9. الاستاذ و الاخ العزيز بسام الياسين المحترم
    بعد التحيه والتقدير
    انني سافرت إلى الى الغربه في بداية الثمانينات و السبب
    حكومات كانت مدمله في جسد الشعب و في مكان حساس يظهر الدمل سوف ينفجر قريبا جدا و يرتد عليهم
    مع احترامي لك

  10. الأخ العزيز والأستاذ القدير بسام الياسين المحترم.. تحياتي ومحبتي لاخ عروبي أصيل يعبر عن شعوره وانتماؤه لأمته
    خروج الملايين من جماهير أمتنا فيما سمي بالربيع العربي خرجوا من أجل تحقيق العداله والكرامه الانسانيه ومن أجل تحقيق الديمقراطية الكامله مهما كانت التضحيات…ذلك الربيع الذي تقهقر بهذا الشكل إن دل على شيء فإنما يدل على عدم نضج جماهيرنا!!!جماهيرنا عانت منذ قرون وليس سنوات من حكم فرعوني لعبيده المهمشين المستكينين لكل مايتم من قمع… تماماً كرب العائله لأبنائه القصر ماعليهم سوي الطاعه وإلا فإنهم سيحرمون من مصروفهم اليومي!!!
    علي جماهير أمتنا أن يعرفوا أن طريق الديمقراطية لا يأتي باستبدال الإستبداد السابق بآخر لاحق الفرق بينهما وعود كاذبه من المستبد الجديد!!!عليهم ألا يثقوا أبدا بالوعود من المستبدين الجدد كما حدث في بعض الدول… لأن جبروت الدوله العميقه من أصحاب الثروات والإعلاميين المرتزقه الذين باعوا ضمائرهم لمن يدفع وخانوا مبادئ مهنتهم الشريفه وتم تسميتهم بالسلطة الرابعه…
    طاقات الشباب في أمتنا العربية لا حدود لها حين تسمح لهم السلطه القمعية بأخذ دورهم في بناء المجتمع القادر على النهوض بامتنا من سباتها الطويل…عليهم إثبات أن جماهير شعوبنا العربيه قادره علي ممارسة الديمقراطية وليس كما يروج المثبطون لإرادته القويه بمقولة أننا غير مؤهلين لتلك الممارسه وعلينا البقاء شعوبا نائمة ليس بيدها رسم مستقبلها
    كل الشكر والتقدير والاحترام والمحبه للأخ والكاتب الصحفي المبدع بسام الياسين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here