بسام الياسين: مسؤولية مَنْ ـ الشعب الاردني ام النخب؟!

بسام الياسين

ايام زمان ـ كُنا الزمان كله ـ .  اليوم،  اصبحنا خارج الزمان، بعد ان قطّع العربان اوصال الزمن كدجاجة على المفاصل للشي على مجمرة الجهل. فانفصلوا عن الواقع و اداروا ظهورهم لدورة الحياة. دارت الدنيا وهم قعود،  لانهم لم يتحكموا بالزمن ولم يحتكموا اليه مع انهم اكثر الشعوب شراءً للساعات. الوعي بابعاده الزمنية الثلاثة ” الماضي،  الحاضر، المستقبل” مفقود عندهم. هذه المشكلة تطرح سؤالاً مركزياً:ـ كيف ينظر العرب لواقعهم ومستقبلهم. الجواب العفوي الفوري من لدن الناس كافة :ـ واقع مهشم ومستقبل مظلم. اذاً، الزمن يجري سريعاً في مجراه، وهم لا يملكون قارباً ينزلق على صفحته ولا شاطيء على ضفافة. . . تراهم لفرط تقوقعهم،  لم يفارقوا بداوتهم الكامنة في دواخلهم، رغم مظاهر الحضارة القشرية. تجدهم يملأون شوارع مدنهم زبالة، ضجيجاً، فوضى، فيما فشلوا في اثبات ذواتهم. ما يدل على عمق تمزقهم الداخلي وفجاجة تفكيرهم.  ففي غياب العقل النقدي كل الحماقات واردة، وفي غياب المنطق تكون النهايات الكارثية متوقعة. فلا عجب ان سادت التفاهة و امسكت بالدفة النخبة الحمقى.

سواء اعترفنا ام لم لا، مشكلتنا الجوهرية في نُخبنا الفاسدة الساعية لمراكمة السلطة والثروة،  دون اعتبار للقيم الاخلاقية والوطنية، و انساننا المهموم بهّم اللقمة لا بواكي عليه. لذلك،  فالوطن ضائع بين سراق ارزاق الشعوب،  وشعوب تبحث عن ارزاقها. بهذا يتجلى السقوط باعلى صوره، ويظهر الفصام بين ما هو قائم من انحدار،  وما يجب ان يكون عليه من تقدم. بين الانحدار والتقدم نكتشف اللحظة الفارقة بين ان تكون او لا تكون،  و الفرق بين المعقول و اللا معقول. ما جعل الناس تعساء في مجتمع سوداوي، يعاني من اوجاع لا طاقة له بها، فارتفعت ارقام الجرائم بكل مسمياتها الى خانات مخيفة.

النظام العربي دمية بلا حياة. لهذا انحسر حلم الشباب، ليحل محله يأس ميئوس من صلاحه او اصلاحه . فاطلت من ظلمة اليأس اسئلة مضيئة كفلق الفجر :ـ هل خراب الامة مسؤولية الشعوب ام مسؤولية ” النخب السياسية ” ؟!. مثالاً :ـ اليست كارثة ان يقود ـ بوتفليقة ـ الجنازة المتحركة التي تنتظر من يهيل عليها التراب، دولة تنوف على اربعين مليون نسمة ؟!.  اليست ظاهرة مريبة ان يتأبد البشير بالرئاسة ثم يفرض احكام الطواريء ان اعترض الشعب عليه ؟!. تصرفات توحي لنا،  كأن نُخبنا هدية لنا من الله تشرفنا بان نكون رعاياها ا وان شئت عبيداً لها. منطق يجافي المنطق، و حال لا يحتمل. فالحاكم من طينتنا ويتطابق معنا جينياً. فلماذا تأبيده او تأليهه، فالاحادية لله وحده. . . اما تلبيسها للبشر او تلبسها بشرياُ فسيكون قطعاً سبباً لهدم الدول. اذاً، الفردية ظاهرة عربية و هي انتاج الانظمة الامنية التي درجت الى اغلاق الابواب امام التغيير وسد النوافذ كي لا يتسلل النور.  وكأننا في حفلة بلا طبلة ورقصة بلا مزامير. . . تصوروا !.

الانا عند النخب تورمت حتى بلغت،  ان لا ترى في المرايا سواها. هنا يُطل السؤال الطلقة المدوية :ـ من المسؤول عن مآسي العرب المعاصرة بان :ـ { 57 مليون عربي أُمي يجهلون القرآءة والكتابة ،  13 مليون طفل لم يلتحقوا بمدرسة ،  30 مليون تحت خط الفقر، 5 دول عربية في قائمة العشر الأكثر فساداً في العالم،  و ” ترليون دولار ” تكلفة الفساد في الوطن العربي }.  ارقام مرعبة لذا :ـ الم يحن الوقت لبدء سقوط احجار الدومينو من النخب التي اغرقت سفينة العرب . !.

مصائب هي ثمرة صيرورة سياسية، اقتصادية ، اجتماعية جاءت بايدٍ نخبوية غيبّت الديمقراطية، الحرية، البرلمانات الوطنية، الاعلام الحر، الصحافة الجريئة. مشهد مزرٍ لا يحتاج الى دليل، و دلالات توحي لمن فقد البصر والبصيرة، ان هذه النخب حان رحيلها. لكن رغم قتامة الصورة ، لا يجوز الحكم على الامة بالاعدام، فبذرة الخير كامنة في احشائها تنتظر إيقاظها، شرط طرح مبادرات جادة وجدية من القوى الوطنية،  لإجل إعادة الهرم المقلوب لوضعه الطبيعي، و الاعلان ان الشعب مصدر السلطات.

انجلترا هزمت الصين عام 1842 وحولتها الى مستعمرة و “غُرزة ” لتعاطي الافيون،  لكن الصين انتصرت لذاتها وعلى ذاتها. ففي عام 1949 اقامت نظاماً سياسياً، اقتصادياً، صناعياً، اجتماعياً حتى نافست امريكا في عقر دارها. كذلك فعلت اليابان، المانيا وغيرها من دول دُمرت ثم تمردت على ضعفها. اذاً،  فتحقيق التحول الشامل العربي ليس مستحيلاً، شريطة ان يكون المستقبل وصناعته له الاولوية الاولى، ولن يكون الا باعادة صياغة الذات العربية وتجديدها ثم تشكيل الحياة السياسية على اسس عصرية، بعيداً عن نخب هبطت عفا عنها الزمن. مدونة بسام الياسين

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. العزيز الاعز ابن السبيل قرأت بعناية ما كتبت وشعرت ان هذه الامة بخير ما دام فيها خيّرون امثالك يتألمون لوجعها .
    ـ بذرة الخير كامنة في اعماق الانسان.لا ينقصها سوى الرعاية والامانة.
    للمصادفة بالامس كان ذكرى وفاة المهندسة العربية العراقية الاسطورة “زها الحديد” التي حصلت على اعظم الاوسمة في فن العمارة.
    ـ شبكة الاقنية في المدينة الاثرية احد المعجزات الهندسية حيث اكتشفت الانانبيب الفخارية التي تجلب المياه من الجبال العالية المحيطة بمدينة جرش بطريقة بالغة الروعة
    ـ لنتذكر كيف كانت حدائق بابل المعلقة في العراق المعجزة الازلية التي كان يرفع اليها الماء بلا مضخات.
    ـ اخي ” ابن السبيل ” كلماتك اوجعتني و والله ابكتني وارجوك ان تعتبرني اخاً وان فكرت في زيارة الوطن بعد طويل غربة فقلوبنا مشرعة لك …تحيتي لك ولعائلتك الكريمة واسرتك فرداً فردا….بسام الياسين / جرش

  2. صديقي الياسين المحترم، تحية ومحبة من أقصى حدود بلاد الله.
    مقالاتك الصحفية بكتابة روحها أسلوب ادبي جميل يجعلني اتذكر شلال وادي جرش العريق الذي لم يبقى منه الا الأطلال.
    لقد دمرنا ذلك الوادي الجميل بينابعه وشلاله وخضرته في جيل واحد رغم بدايته منذ فجر التاريخ، وحرمنا اولادنا وأحفادنا
    ان يروا ما رأينا! اوردت هذه المقدمة لانها صورة مصغرة عن حالنا في الاْردن الوطن العزيز.
    الفساد الإداري والمالي وقرارات الاعتباط الشمولية الفاسدة موجودة في الاْردن منذ نشوء الدولة بعد الحرب الكونية الأولى.
    وشخصيا احترم واجل صدق السيد الرزاز في بدايات تشكيل حكومته عندما اعلن بصراحة وبدون مواربة
    الطيارة خربانة وأحاول إصلاحها ( الخراب لا يحدث بيوم وليلة ولنا عبرة من قصة سد مأرب في اليمن السعيد في زمان غابر)
    ما كتبت بالأرقام عن حال أمة العرب من جهل وتخلف وفقر وتردي ارقام مرعبة، ونعيش أيضا في مجتمعات فسدت أعمدتها
    الأخلاقية والدينية والوطنية وكثرت كل موبقات الزمان من نهب المال العام والمحسوبيات على حساب الكفاءة والدجل البهلواني
    في المحاكم وحتى في معاهدنا التعليمية وحتى شوارعنا مليئة بالقاذورات يرميها الناس عمدا لتخريب الجمال والبيئة.
    اضافة الى بلاوي المخدرات وتفشي الفواحش بأنواعها القذرة وأصبحنا نعيش بلا ناموس حيث فقدنا ناموس العروبة الأصيل
    وناموس الإسلام الإنساني.
    لقد ذكر مسوءول في الأمم المتحدة منذ أيام ان خسارة الدول العربية نتيجة احداث ما بعد ٢٠١١ بحدود ٩٠٠ بليون دولار،
    وتلك الأموال لو استثمرت في تنمية حقيقية وفي الاوجه الصحيحة لجعلت بلاد العرب جنان من الفردوس وتخلصنا
    من معظم مشاكلنا المستعصية من جهل وفقر وامراض وكذلك الاعتماد على الغير في كل ما ناءكل ونلبس.
    الأمور معقدة جدا والحكومات العربية فاشلة والشعوب في سبات عميق وعلى خوازيق الفساد والاحتلال
    والانحطاط والشعوب للأسف سعيدة على كل الأحوال!!!
    واليك هذا القصة القصيرة التي تمثل حالنا هذه الأيام، زارني مهندس مدني اردني في جرش
    و يعيش في الغرب وذلك في مطلع ثمانينات القرن الماضي وله خبرة خاصة عن قنوات المياة وجرها
    وكذلك عن المجاري بصورة عامة، ولقد فاجاءني بحديثه العلمي كيف كان أسلوب الهندسة
    الروماني في ذلك الأيام من التقدم والتخطيط الهندسي العمليضمنها ، وشعرت عندها اننا متخلفون
    ألفين عام عن الحضارة الرومانية. لذلك غرقت عمان مع مدرجها الروماني العريق؟
    ويبدوا لي أيضا ان الأمة غارقة في وحل قذر عميق بانتظار الافتراس الأخير.
    والله يا اخي الياسين لولا إيماني بالله العلي العظيم لما فكرت بارض الآباء والأجداد
    ولكن رحمة ربي وسعت كل شيء، أدعو وأرجو ان يفتح الله العلي القدير بمعجزة
    تنقذ أمة العرب وأوطانهم ومن ضمنها وطن مولدي الاْردن العزيز واعيش آلامه كل يوم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here