بسام الياسين: لماذا حلق ابو عنتر “العربي” شاربه؟!

بسام الياسين

نظر ابو عنتر في مرآة حمام بيته المُشّيد على الطراز العربي. شاهد شاربه في حالة ” تنكيس “. قَطّبَ حاجبيه إشمئزازاً من ملامحه الانهزامية. صاح بصوت جهوري، كاد ان يُفجر السيفون المتآكل:’باطل عليك ابو عنتر’، بعدها راح يُمسّدَ شاربه المتدلي على شفتيه للاعلى، محاولاَ رفعه من حالة تنكيس الى حالة انتصاب، لإجل لفت الانتباه، وشراء اعجاب مصطنع. اخذ يبرم باطراف اصابعه طرف شاربه، مستخدما قليلاً من ‘دبقِ’ عجوةٍ موجود في ” نملية المطبخ “، يبدو انها زادت عن حشوة المعمول التي تجيد صنعها ام عنتر في المناسبات. ولما انتصب شعر شاربه بدبق العجوة، شعر برجولة تتدفق في دمه. عندئذٍ أمتلاء غروراً ونفخ صدره كديكٍ على مزبلة.

خرج من الحمام منتصب القامة، كأحد فرسان العهد التركي ـ ايام العصملي ـ ، لولا ان ذبابة افسدت مزاجه، وحطت على فردة شاربه اليسرى. حينذآك، تفجرت عنتريته، فاستشاط غضباً. ضم قبضته على طريقة الملاكمين المحترفين، ثم سدد ضرية للاجهاز عليها من الجولة الاولى، الا انها راوغته واستطاعت الافلات منه، فطاشت ضربته. فقد على إثرها توازنه وسقط ارضاً، ولولا لطف الله لكسرت عجيزته. . الذبابة العنيدة بقيت رافعة قفاز التحدي بوجهه، و اخذت تحوم حوله دون ان تكتفي باسقاطه و اهانة كبريائه. اغارت ثانية على بقايا العجوة الملتصقة ببقايا شاربه في غفلة منه بينما كان ينفض غبار الهزيمة عن سرواله، ونجحت في سلب لحسة باطراف ارجلها من شاربه ‘الفالت’ مثل احراشنا المستباحة للتحطيب ، وسمائنا المفتوحة للصهاينة.

شاهدت ام عنتر شارب زوجها المرفوع كسارية سقط علمها. فقالت بإستغراب:اللهم اجعله خيرا… ماذا دهاك يا رجل؟!. في مخدع النوم تتكور ‘ بلا حول و لا قوة مثل ميت خرج للتو من مقبره، و احيانا تنكمش كبزاقة هرباً من واجباتك الزوجية. المفارقة انني ارآك الساعة مزهواً كأنك حررت الاقصى

رد عليها بغضب: صهٍ.. صهٍ.. ايتها الجاهلة . الوضع العربي هذه الايام قمامة القمامة. العربان يتراكضون صوب اسرائيل ركباناً على خيلهم وعلى ارجلهم بلا احذية كأن تل ابيب قبلتهم ومربط خيلهم. لذا عليك اطلاق زغرودة قومية مجلجلة، تغطي الخارطة العربية لاننا تخلصنا من قهر الهزائم بنصر السلام. الكرامة القومية اصبحت ”. 

 شديدة الشبه بصحن شوربة باردة و مكشوفة، و تحولت الى مصيدة ذباب. لا غرابة اذ ان مفاتيح ريبوتات العربان و’بطارياتهم’ بيد غيرهم. هم لا يملكون قرارهم، انما يجري تشغيلهم من هنا وهناك ؟. : ـ لهذا انصحك يا ام عنتر ان لا تقحمي نفسك في السياسة.. اتركي امرها للرجال الرجال ثم برم شاربه.

في خضم الجدال بينهما، عادت الذبابة لالتقاط البقية الباقية مما تبقى من دبق العجوة على شارب ابو عنترة. عند محاولتها هبوط، ها هذه المرة، قام بصدها على اعقابها، مستخدماً صحيفة حكومية، كانت مرمية في صفيحة الزبالة. ابتعدت عنه محلقة في الفضاء، فانفرجت اساريره للمشهد وقال:ـ استعمال الصحف الموجهة افضل وسيلة لطرد الحشرات الطائرة. في هذه اللحظة نظر الى زوجته قائلاً :’ شايفه، وقعتنا مع حشرة، فوالله لو كانت الذبابة هزبراً، لربطته بشاربي، وجرجرته في الشوارع ليكون عبرة. اللعنة، ذبابة وضيعة تريد ان تذلني. اين سيفك ايام زمان؟.

كانت ام عنتر تصغي لهلوسات زوجها صامتة، الى ان خرجت عن طورها صارخة: يا ابا عنتر كفاك عنترة ببضع شعرات نبتت وحدها فوق شفتك، تؤذيني برائحة التبغ وبقايا الاكل العالقة التي تفوح منها عندما تنام معي. كلمات جارحة اخترقت عظامه واستفزت كبرياءه، فوقف مرتجفا يرعد ويزبد مهدداً:أُغربي عن وجهي ايتها العجوز الشمطاء، و الا رميت عليك يميناً ثلاثي الاضلاع، كي لا تعودي لي الا بتجحيش مع رجل آخر ، ‘لتعرفي قيمتي بعد ان تجربي غيري’، . . . . غوري من وجهي.

ذهبت ام عنتر الى المطبخ المطل على مكان جلوس ابو عنتر في ساحة البيت ، وبدأت تقلي بعض حبات البطاطا وجدتها قبل ان تضربها العفن، بينما ااخذ ابو عنتر يتغنى بشاربه لتسمع ام عنتر :الشارب من مراميز التراث، وعناوين الفروسية والرجولة. جدي ـ قدس الله سره ـ كان لا يملك الا شنباً مرعباً، ولكثافته تعشعش فيه مملكة نمل دون ان تعثر لها على اثر، ما دفع ‘الحاكم دار’ العثماني، لمنحه لقب الباشاوية، و اكرامه باقطاعية، لتتناسب مع وجاهة شاربه، لكنه باعها على الفشخرة ، وعقابا له، سحب منه الباشاوية، و ‘قص شاربه’ لإذلاله كـ’صبية فقدت عذريتها “.

. ـ وكسر الهاء ـ يا ام عنتر، لولا كلام الناس، لاجبرتك على اطلاق شاربك، خاصة بعد التبدلات الهرمونية التي طرأت عليك، وتدني هرمون الاستروجين الانثوي لكبر سنك. تجهم وجه ام عنتر وقالت له محشرجة من نافذة المطبخ:كفى يا ابا عنتر، اما آن لك ان تفهم ؟!. ان زمن العنترة ولى والعصا الغليظة قد تغير. ‘ميركل’ المشتشارة الالمانية، حازت على لقب المرأة الحديدية. الادهي ان ‘ليفني’ الوزيرة اليهودية، اطاحت بشوارب عربان كثيرة في فراشها، و شَلحّتهم، و انت مازلت تتغنى بثقافة الشوارب العثمانية. . نصيحتي ان اردت التمسك بشاربك، الذهاب للمواقع الاثرية القريبة منا، ليلتقط السياح لك صوراً تذكارية، كمظهر فولكلوري، وتقبض، بضع دولارات تساعدنا على الخلاص من جوعنا المزمن في ظل ارتفاع الاسعار الجنوني الذي وصل لرغيف خبزنا. الشوارب الكثة، والوجاهة الفارغة، لا تطعم خبزاً، ولا تشتري حطباً للتدفئة ؟.

احس ابو عنتر ان زوجته، فضحت رجولته المغلفة بشوارب لا لزوم لها ومخالفة للسُنة النبوية. ولما لم لم يجد عنده ما يرد به عليها، انطلق الى الحمام، و ملط شاربه، ثم القى مخلفاته بالسيفون وسفح خلفه عده رشقات من الماء. وعندما اطمئن ان شاربه، ذهب من الصرف الصحي في طريقه لمحطة التنقية. خرج من الحمام ، وعلى شفتية ابتسامة مضيئة. . نظر الى ام عنترة قائلاً :ـ استحلفك ” بالغالي عنترة “الا تعتقدين ان مواصفاتي الجديدة تؤهلني لإكون مقبولاً في الناتو العربي / الصهيوني الجديد؟!.

 

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. اشكر الاخ الحبيب خواجة فلسطين الحبيبة على تعليقه الجميل وحضوره الدائم ومواقفه العربية وانتصاره للقضية الام… وتحياتي القلبية لك صديقي المبدع ابن السبيل على لغتك الراقية وشمولية معارفك …اصدقك القول انني احس احساساً عميقاً بان شيئاً ما يربطنا معاً …واتسآءل هل هي الاروح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ام انك من ابناء جرش القدماء الاعزاء الذين هاجروا في بلاد الله الواسعة لطلب العلم وحياة افضل استدل ذلك من احساس داخلي اولاً وثانياً لتذكيري بحميدو ـ رحمه الله.ـ ..لك محبتي واحترامي……بسام الياسين

  2. يعجبني أسلوبك السلس البسيط في هذه المقالة وتذكرني بعض كلماتها بمعيشتنا في ايام الستينات من القرن الماضي.
    لقد حبى الله بلاد العرب بكل انواع الخير والثروات المميزة والموقع الاستراتيجي المتوسط المميز بين القارات الخمس.
    جغرافيا حيوية وواسعة وتاريخ عريق واحد وجياوجيا غنية في باطن الارض وانهار وبحيرات عظيمة وبحار خمسة وسهول واسعة صالحة للزراعة على جميع الفصول
    وسياحة تاريخية ودينية غير محدودة ولغة واحدة وعقيدة سمحة عظيمة وحضارة عربية عريقة وكثافة سكانية معقولة ……….الخ
    والله حميدو رحمة الله عليه بعرف كل هذه المعلومات في زمانه!
    هل الحق على العرب او على عناترة العرب او على الطليان؟؟؟!!!
    ولَك التقدير أيها الاستاذ الياسين المحترم.

  3. ابو عنتر في الحقيقه مزور هو ام عنتر او تحول الى ام عنتر عند الدكتور الامريكي
    و صائب عريقات صديقه مثل السلطه الفلسطينيه و يا اخ و استاذ بسام الياسين
    و مثلهم كثير اريد ان اقول لك المزيد لكن صحيفة رأي اليوم لا تنشر نحن في زمن المنشار و البلاى بوي و هذه السلعه الماشيه هذه الايام و كان المرحوم عرار التل يعرف
    و نحن لا ندري و الخير في القديم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here