بسام الياسين: شجرة الوطن وحفارة الخشب!

بسام الياسين

الكرسي الدوار والاصلع الغدار

 مسح راسه بباطن يده، كانه يمسح همومه المعشعشة في تلافيف دماغه، او يكشط عفونة ماضيه المستوطنة في ذاكرته. رنة هاتف حفيده القادمة من وراء البحار مباركاً، ذكّرته بعيد ميلاده.لقد بلغ من العمر ارذله.انتابته حالة ضيق،فبدل تناول حبة شوكلاتة من النوع الفاخر المدمن عليها. تناول حبة مضادٍ للكآبة.ازدردها ليتخلص من سوادويته،عملاً بنصيحة طبيبه النفسي،للتخفيف من ضغوط ماضيه الاسود، ويتناسى تاريخه المشين.ضاقت احلامه حتى صارت بحجم كفن ابيض،فقد افتقد بياض الطهارة منذ زمن طويل.ايقن ان الايام خطفته من ذاته.استرجع مظالمه للناس للارتقاء على اكتافهم للوصول الى قمة السلم الوظيفي.تمتم ” انا لله وانا اليه راجعون “،وسأل ذاته ماذا ينفع الندم ؟!. ضميره ينخزه في اليقظة وكوابيس تطارده في نومه.هي جهنم دنيوية يتقلب فيها فكيف الآخرة.تمنى لو يفتدي نفسه بامواله المنهوبة،عقاراته المسروقة،لكن ذلك غير جائزٍ،فهو كمن يتوضأ بماء نجس.

 ذهب بريق الذهب،والكرسي دوار له اربع عجلات،دائم الحركة،لا يثبت على حال.ما يؤلمه اكثر،عيون الشامتين تجرده من لباسه،فيما الاصدقاء اداروا ظهورهم،لم يعد لهم مصلحة به. الكرسي مثل شباط ” شمسه خادعة” وليس له حزام امان،تماماً كضاغطات الامانة، تلفظ  حمولتها كلما امتلأت، ثم تستبدلها باخرى. غدار كصديق سوء وجامح كحصان بري لا يستقرعلى ظهره احدُ.

عصف بذهنه، شريط اسود تزامن مع صوت داخلي ينقر طبلة اذنه ـ: انت تلعب في الوقت الضائع !. نظر الى صورته ايام شبابه المعلقة في الصالة وقارنها بشكله المطبوع بالمرآة المقابلة. إعترف، انه جثة يسعى الى قبره على قدميه… جنازة مؤجلة تنتظر اشارة من عزرائيل .عادت اليه نوبة كآبة اخرى، مرفوقة بخوف شديد وتعرق في جسده مع رغبة في البكاء،امسكت بخناقه ككماشة فولاذية. اين المفر؟! وكيف النجاة ؟!. يداه ملوثتان،ضميره مثقل بالخطايا يعصره كـ ” الحية العاصرة ” و نوع من الثعابين الخطرة تلتف على الضحية وتقتلها بالالتفاف عليها وخنقها بالعصر.

تحسس مسدسه الذي لا يفارقه حتى في غرفة نومه. فجأة سمع الجيران صوت دوي في البيت الهاديء،وارتطام جسد بالارض. انهمرت مكالماتهم لسؤال الزوجة عن سر الطلقات، لا رد من احد و كأن الهاتف مصاب بصمم.جاء الجواب بعد دقائق، من سيارات الاسعاف التي حضرت الى المكان. من خلف النوافذ شاهد المتطفلون الممرضين يحملون جثة الرجل المهم ملفوفاً ببطانية سوداء.في اليوم التالي اعلن الناطق الرسمي في بيان مقتضب:ـ توفي المذكور اثناء تنظيفه سلاحه الشخصي.

الوطن /  الشجرة

وقف يرقب الشجرة في حديقته من طرف النافذة.يا الله، لقد ذبلت.لم تعد قادرة على حمل نفسها، حتى انها بالكاد تحمل اوراقها المصفرة . هبة ريح كفيلة بالاطاحة بها،رغم انها مسورة بجدران مسلحة لحمايتها . لكن العارفين ببواطن الامور يعرفون، لا الاسوار ولا الاسلاك الشائكة تنفعها ان لم تحمِ نفسها…لقد تآكلت.

 بعد ايام سقطت وحدها. كانت صدمته مضاعفة عليها. كم تمنى ان يموت قبلها.ذكريات كثيره له معها.سقوطها جاء اسرع من توقعاته.احتار في الاجابة عن سر السقوط.استعان باهل الخبرة.عزا العالمون بعلم الزراعة بعامة و الاشجار بخاصة، ان سقوط الشجرة يعود الى ديدان الارض. لم يقتنع بالاجابة.فجذورها سليمة،وتربتها طيبة. فالديدان لا تقوى على مثل هذه الفعلة.

سأل ذوي البصيرة،و اهل المعرفة ممن كشف الله عنهم الغطاء والهمهم صواب الرأي بعيداً عن التخمينات والتنظير ” فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد”. جاء الجواب بالاتفاق حاسماً وقاطعاً.انها الحشرة اللعينة “حفارة الخشب”،تاكل الساق من الداخل كالخلايا السرطانية،بسرية دون العبث بالقشرة الخارجية، حتى لا  يُفتضح امرها، وتنتهي من مهمتها،بقتل الشجرة داخلياً .هي النخبة الفاسدة كذلك،تأكل الوطن / الشجرة ـ و تتحلى بثمارها،ولا تتركتها الا حطباً للتدفئة لاشعالها في مواقدها للتلذذ بفرقعة حبات الكستناء على نيرانها في ليالي الشتاء.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. أطلب الرحمة من خالقها .. فهو من زودها بالمفسده ْ
    هكذا جيناتها قد طُبعـــت .. مثل جينات صغار القرده ْ
    حفرت في كل قلبٍ أبيض .. جعلتــه حالكاً ما أسوده ْ
    سفرت عن وجهها سافرة .. وهي قد تعبد ما لا نعبُده
    مثــل خفاش بليــلٍ أسودٍ .. فهو لا يعمل فوق المنضده
    وهو لا طير لكي نعرفه … إنما في كهفــــه ما ابرده
    وهو في أخلاقه مستبعد .. وهو عن أخلاقنا ما أبعده
    سوف يأتيه حساب مظلم .. والذي كونــه ما خلَّده

  2. .
    أخي وسيدي القامه الادبيه بسام الياسين ،
    .
    — أتجرع مقالاتكم لأروي ظماٰي من رحيق وطن افتقده غادرته مكرها ولم يغادرني اخاف عليه خوفي على أحفادي ولا يعزيني سوى وجود الندره من امثالكم فيه فأنتم البوصلة لوطن تاه من شده الألم .
    .
    .
    .

  3. ـ كل المحبة الى اخي المستنير محمود الطحان و اغبطك على قدرتك على الغوص في الواقع العربي عامة والوطني خاصة تسعدني اخوتك
    ـ خواجة فلسطين كم انت رائع وطيب وانسان ولك شعبية والحق اقول لك ان ذكر الله تعالى وتعلق القلب بالعلي العظيم يُغني عن الـ بروزاك وعن العلاج الاحدث المعروف بـ الترامكس
    ـ سعادة المحامي محمد ربابعة كلماتك مكتوبة بماء الذهب ومعجونة بالحكمة ليت اصحاب الكراسي يتعظون قبل فوات الاوان يوم لا ينفع مال ولا بنون….بسام الياسين

  4. اخي ابن السبيل لقد افتقدتك منذ زمن وكل عام انت والعائلة الكريمة بالف خير….رد الله غربتك انت وامثالك المبدعين والمنافسين للاوروبيين في ديارهم. من اجل بناء اوطانكم التي دمرها الفاسدون ونهبوا خيراتها لتصب في ارصدتهم المودعة في البنوك الاجنبية.

  5. يطربني الأستاذ الكاتب بالأسلوب الأدبي الراقي في كتابته لمقالاته.
    ومن الجدير بالذكر ان الكاتب ولد وترعرع في بلدة حضنت حضارات وثقافات العالم القديم.
    اما معاني وغايات مقالاته فهي خارطة طريق للمستقبل المنشود.
    الامة تفيق رويدا من سباتها ولابد من تبيان الفساد واهله وهما السوسة الناخرة في جسد الامة.
    والشباب في هذة الامة الأمل بقهر الاستبداد والفساد الداخلي وقهر المستعمر الأجنبي،
    وبناء دولة الامة شعارها الكرامة الوطنية لأخذ مكانها الصحيح بين الامم.
    الامم العربية جوهرها ونواتها واحدة يجمعها قيم العروبة والإسلام.
    تحية واحترام لصديقي الكاتب ابو الياسين.

  6. الأخ الفاضل الأستاذ بسام الياسين المحترم تحيه طيبه وبعد
    في كل ماتكتبه فإنك دائما ماتسلط الضوء علي مايحدث في مجتمعاتنا محذرا..وناصحا..وضاربا الامثله علي كل ما تثرينا به وإن دل هذا الفكر علي شىء فانما يدل على انتماؤك واصطفافك إلي جانب الغالبية المسحوقة في مجتمعنا.
    ما ذكرته هو الواقع أخي الكريم ليت كل مسئول يعرف أن المنافقين له أثناء جلوسه علي الكرسي الدوار هم أول من سينهشونه فور مغادرة هذا الكرسي..وليت كل مسئول يتعظ بما جري لمن سبقه في المنصب وماذا أخذ معه بعد التقاعد أو الطرد أو الاستغناء عن خدماته..ويعلم أن الشئ الوحيد الذي سينفعه هو خدمته للناس بدون محسوبيه أو تعالي عليهم سيكون الرابح والفائز بمحبة الناس له واحترامه بعد ترك هذا الكرسي اللعين
    تحياتي وتقديري لك أخي الكريم

  7. الى الاخ و الاستاذ بسام الياسين المحترم
    بعد التحيه و المحبة
    عيد الله هو الإنسانية و اسائل الله سبحانه حسن الخاتمه لك و لنا و بدون حبوب بروزاك .
    مع كل الاحترام والتقدير لك

  8. حديث فيه العبره لمن أراد ان يعتبر وخصوصا اصحاب المواقع والقرار والمال الذين تاجروا بالأوهام وسقط المتاع ونسوا الكفن وما بعده

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here