بسام الياسين: الأردن: حاويات الفقراء.. وبطر الاغنياء.. ومذبحة المناسف

بسام الياسين

 بدهية لا تحتاج الى إعمال فكر لإثباتها،و حقيقة لا يمكن دحضها،ان الغربة في الوطن اشد من غربة الاغتراب.فالفقر غربة بين الاهل،و انك بلا ظهر في بيئة باتت المحسوبية ركناً ركيناً يركن اليه المتنفذون تزيد غربتك كُربة ويستولي عليك احساس بانك ابتر.تراكمات مذلة، تجرجرك بسلاسل قهر مذلة الى جهنم الدنيا.جهنم لا تنطفيء حرائقها على مدار السنة،… الطامة ان كنت تسكن بالاجرة،فانت في ورطة،حيث ان من ليس له بيت في وطنه ليس له وطن.هو في العراء حتى لو كان يسكن في سكن.قانون المالكين والمستأجرين الاخير الذي صاغه ” نواب الشعب “، اذلَّ المستأجرين وجعلهم على مسافة ركلة من قدم ديكتاتورية المُؤجرين.نخب ضحلة،تلاعبت بالبلد، فكانت الكارثة.غالبية ساحقة مسحوقة واكثرية ساخطة معدمة ومعدومة.بيوتها مستأجرة،تكدح ليل نهار لإرضاء المالك وتكد من اجل لقمة مغمسة بالسم.ما يعني بصريح العبارة،اننا نعيش في وطن بالاجرة.مواطن يدفع ضريبة المواطنة في سابقة غير مسبوقة.المستفيد منها نخب باعت مقدرات البلد لافقاره  ليكون ارضية جاهزة لهم وفرشة للمخططات الصهيونية.هذه النخب تاجرت بالانتماء،استرزقت بالولاء،استغلت مناصبها حتى آخر قطرة.هي نرجسية تمركزت حول ذاتها،لا تؤمن بمواطن ولا وطن.شلحتنا مالنا وما علينا.لم تترك لنا سوى سراويلنا حياءً من عوراتنا لا شرفاً فيها، ومديونية تعجز بعارين العربان مجتمعة عن حملها.

الوليمة !!!

وليمة فاخرة اولمها “مقاول سياسي”، على شرف عدد من علية القوم و اكابرها الكبار، لا يتجاوز عددهم دزينة او ازيد قليلا. أُطيح فيها بثلاثة خراف بلدية مربربة.زينت رؤوسها المشرئبة للاعلى المناسف، فاغرة الافواه كأنها تلعن من ذبحها. دُس فيها عروق البقدونس لتخفيف بشاعة اسنانها ـ وربما لإخراسها كي لا تنطق بكلمة نابية.الخراف المكتفة بادبٍ جمٍ فوق كثبان الارز و اكوام الصنوبر المرشوشة مع اللحم الناعم، تثير حتى شهية المحكوم بالاعدام و تُعيد الذاهب للانتحار الى صوابه. قبل “جريمة الاكل” هذه، كان الضيوف ” المحترمون ” يتبادلون النكات البذيئة، النميمة السياسية، يستعرضون آخر اخبار الفساد، بانتظار إشارة الهجوم على اللحوم.عندما اكتمل نصاب الحضور، اطلق المُضيف صافرة البدء،فانسلوا الواحد تلو الآخر ليأخذوا مواقعهم الاستراتيجية.

 دون بسملة وبلا رحمة،انقضوا ينهشون الخرفان، وكأن ثأراً بينهم وبينها،وقد اسقطوا الرز من حساباتهم.ما اثار العجب، انهم حسموا ” المعركة المنسفية” في فترة وجيزة وكأن الوطن في مجاعة.الملاحظة انهم لم يتركوا الخراف الا هياكل عظمية، ثم واصلوا زحفهم المقدس الى الحلوى اللذيد ة،لدرجه ان بعضهم،شعر بضيق تنفس، لكثرة ما ازدرد من طعام ،اما ” كبير القعدة ”  فقد استعان بـ ” بخاخ يدوي ” لفتح قصباته الهوائية لضغط المعدة على القلب والرئة.ما زاد البلاء بلوى احتساءهم حسوات من زجاجات ” منكر ” مستوردة علامتها الفارقة :ـ رجل يرتدي تنورة قصيرة يتوكأ على باكورة.

عند مغادرة ذوو الربطات الحريرية ساحة المعركة ، اخذت المناسف طريقها الى اقرب حاوية في تلك المنطقة الراقية.في تلك الساعة كانت البرودةى قارسة،فيما ابو درويش العارف باحوال حاويات الاثرياء، لطول خبراته بالمواقع الدسمة، وحدسه الذي لا يخيب بتوقيت الحفلات من كثرة السيارات وكثافة الاضواء، يتلطى في زاوية مطلة على المشهد ، كـ ” كلب اثر ” ينتظر الانقضاض على الطريدة / الحاوية التي ستفيض الليلة بطعام المترفين البطرانيين،ومحدثي النعمة. ولما سكنت حركة الشارع، تسلل بخفة ،وراح يملأ جرابه بما انعم المنعمون على الحاوية، ليطعم زوجته و اولاده.

مشهد، يختصر التناقضات الصارخة بين من يحلبون الوطن في دلائهم المثقوبة ومن لا يجدون اللقمة…هنا نسأل و نتسآءل :ـ اما آن لهؤلاء النظر في مرآة ضمائرهم ليروا المفارقة الجارحة :ـ كروش متهدلة، اطباق ساخنة، سيارات فارهة، قناني “منكر” ثمينة،على الطرف الآخر :ـ  بطون ضامرة، وجوه مصفرة، ومعدمون يشترون الكاز بالقنينة.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. العزيز ابن السبيل كل المحبة لقد لخصت بكلمات قليلة مشكلة الامة :ـ ايمان بلا امانة وعبادة بلا تقوى .هذا ما نعانيه بالضبط في الشارع العربي من سلوكيات خاطئة وتعاملات فاضحة من كذب ونصب …د. منصور لك احترامي اتابع ما تكتب من درر تشد القاريء…اصدقك القول انا معجب باسلوبك الرشيق الذي ينطوي على سخرية مريرة وطريقة تناولك المواضيع بحرفية وشمول ثقافتك اعتز بك كقامة مثقفة. الحبيب خواجة فلسطين حضورك يفرحني وقد اصبحت الاقرب للقلب..ما يشدني اليك ويعجبني فيك غيرتك على هذه الامة التي تنحدر الى الدرك الاسفل بسرعة للجميع الصحفي / بسام الياسين

  2. ما تحدثت به في مقالتك قصة تتكرر كل لحظة في دنيا العرب والمسلمين.
    ولكن مثل هذةً الظواهر ما هي الا علامات ظاهرة للداء وليس الداء نفسه.
    قال الرسول الأعظم (ص) “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”
    لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له
    فالخلق هو مقياس الإيمان عند الناس.
    وحينما تمثل العرب المسلمون الأوائل بالاخلاق الفاضلة رفرفت راياتهم في المشرقيين، وحينما فهم المسلمون
    الدين صوما، وصلاة، وحجا، وزكاة ليس غير(وكثيرها بلا تقوى)،
    تراجعوا وغزوا في عقر دارهم، ويعيش الغالبية منهم حياة الفقر والعوز والجهل والتخلف والذل ،
    باختصار معيشة ضنكا وبلا كرامة شخصية وطنية إنسانية. والدجل اصبح شطارة؟!
    والحقيقة المرة التي يعرفها (المترفون من العرب مالا ومقاما وحمرنه واقصد هنا في كل بلدان العرب بلا استثناء)
    وهم يتطاولون ويتكبرون ويتاءمرون على اخوتهم في الوطن و العرق والدين والتاريخ والمصير والإنسانية
    (اما غباءا او كبرياء زائفة او من ضغط الأجنبي وفقدان بوصلة انتماؤهم )، ولكنهم يتجاهلون ويتناسون
    الحقيقة المرة بأنهم كلهم أذلة تحت سيطرة و سياط واحتلال المستعمرين من كل نوع ولون وحدب وصوب،
    ولكنها ادوار للجميع على باب المذبح والمسلخ. فهل من مدكر؟؟؟!!!
    اما من ناحية اخرى اكبر وأعم، لو عمل العرب جميعا ما تعلمناه صغارا في ستينات القرن الماضي
    من ان الاتحاد قوة ولو على مستوى بلاد الشام والعراق وكونوا وأسسوا لدول موءسسات وقانون
    وانتخاب الاكفاء الاعفاء بدورات انتخابات نزيهة للحكم يقررها أصوات الناس لا الانقلابات ولا الأجنبي.
    هل يكون حالنا في هذا الحضيض من الذل والهوان والفقر والجهل واللجوء……..؟؟!!!
    وللاسف الشديد المرير واقولها صدقا (تجارب وحياة شخصية)تجد كثيرا من الأخلاق الفاضلة بين الناس
    تعاملا وصدقا وانسانية وتقديرا في الغرب؟! ويحبون ويجلون ويقدرون الناجح بجهده وعرق جبينه بلا تمييز في الدين والعرق واللون والاصل ما دمت مواطنا صالحا.
    والله لا ارى مخرجا الا ان يلطف الله بامة العرب والمسلمين بمعجزة من سننه. والله ولي التوفيق ومن وراء القصد.
    احترامي صديقي الياسين.

  3. احسنت الوصف لواقع مؤلم أستاذ بسام …حسبنا الله ونعم الوكيل… تحياتي

  4. الى ابن البلد بسام الياسين المحترم
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    بعد التحيه والتقدير

    سيدي انك صدقت و الله يكثر من امثالك
    حتي الانعام مثل الاغنام والماعز له حدود في الحلب بدون زياده كيف يطلبون من المواطن زيادة في الحلب و هو لا يستطيع الحلب من الاساس و هو ليس انعام بل انسان له كرامته

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here