بسام الياسين: ابو عرب…  خرج ولم يعدْ

بسام الياسين

“النخب في بلادي العربية تسرق اثمان المكانس نكاية بالنظافة،  وتنهب ثروات الاوطان لتفسد الطهارة،  وهي على استعداد تشليح الاموات الاكفان من غير ان يرف لها جفن.  غير هذا الكلام، مجرد كلام يندرج تحت بند الثرثرة،  وعلك كلام كعلكة عالية الجودة.  الم تروا قصورهم،  ارصدتهم،  بذخهم.  شواهد تدينهم،  وشهود تشهد عليهم.  اهلكوا البلاد بتقسيمها الى قيس ويمن و اعادوها للجاهلية الاولى بحروب اهلية اكثر ضرواة من داحس والغبراء، ثم افقروا العباد حتى ركب الشباب  زوارق الموت بحثاً عن الكلأ والماء في اوروبا.  سياسات خبيثة لا يقدر عليها سوى الشيطان والنخب العربية”.

***

ـ لم يتوقف ” ابو عرب ” عن البحث في ذاكرته المكتظة بالاسماء من ذوي المقامات الرفيعة، و ارقام هواتف اصدقاءٍ مخلصين،  تضيق بها ذاكرة جهازه الخلوي، لعله يجد من يقرضه، بعد ان ضاقت احواله وشحت ميزانيته. فاعباؤه ازدادت ضعفاً. ابنه الجامعي ، اجرة البيت، غلاء الاسعار، اعتلال صحة والدته المُسنة. هاتف  اصدقاءه اولاً ممن يتوسم فيهم الخير. كانت الاجابات مخيبة للآمال والتبريرات تنطوي على كذب صريح. اسودت الدنيا في وجهه. فهاتف موسرا متديناً من ذوي القربى،  يسرف في التبجح بالاعمال الخيرية وفضائل الصدقة وإغاثة الملهوف ، جاء رده على نداء الاستغاثة جارحاً . تمنى لو بلعته الارض و لم يتصل به. قرر وضع ذاكرته بالعصارة،  بعد ان استنفذ الاسماء كلها. تذكر صديق طفولته الذي كانا معاً ولم يفترقا الا في الدراسة الجامعية.  بقي هو في الاردنية، و ذاك ذهب الى جامعة امريكية، ولما عاد شغل منصبا حساساً حتى أُحيل للتقاعد بتهمة ” مالية “. فقرر الذهاب اليه شخصياً،  لعل المواجهة تحرك عاطفة الطفولة .

استقبله الصديق بمودة في دارته الواقعة على ربوة في اجمل مناطق المدينة، لكن مظاهر الثراء الفاحش استفزته، خاصة اللوحات الثمينة ذوات الاطر الذهبية. فحدث نفسه :ـ ” الفرج بات قريباً،  فالمبلغ زهيد قياساً بهذه الابهة “. تشجع بعد ان تناول فنجان القهوة وترطيب لسانه برشفة ماء ،  فافصح لصديقه متعلثماً عن حاجته لمبلغ وسيرده. اشار اليه صديقه :ـ بالذهاب الى البنك ؟!.  فرد عليه ابو عرب:ـ تعرف انني لا اقرب البنوك ، فتربيتي الدينية تنهاي عن ما يُغضب ربي. ابتسم صديقه وقال:ـ لقد جئت اذاً على العنوان الخطأ، فانا مثلك بالكاد اتدبر شؤوني حتى انني افكر بالاستدانة من البنك، وقد اباح الله لنا الميتة في الشدة، فكيف لا نتعاطى سلفة .

ادرك ابو عرب مدى تقديس صاحبه للمال واستهزاءه بالقيم وضجره منه. استأذن بالانصراف، وكرر الصديق المعذرة حتى شّيعه الى الباب ، وكانت المفاجأة ان لمح اليه عدم تكرار الزيارة، فامتلأت نفسه حقداً فوق حقده عليه. خرج يجرجر اقدامه في ممر الحديقة المفضي للشارع. ولما وصل الرصيف، التفت وراءه ليبصق على الطريق التي حملته الى صديقه، لكنه امتنع حياءً من الله عندما قرأ نقشاً محفوراً على واجهة الفيلا الفخمة  ـ هذا من فضل ربي ـ.

 احتار في امره ماذا عساه ان يفعل ؟.  هل يبيع التلفزيون الحديث الذي اشتراه بالتقسيط الطويل قبل اسابيع، فهو يسبب له صداعاً يومياً. فالشاشة تزرب دما عربياً ؟. عربان يتهافتون كالذباب للتطبيع مع اسرائيل !. دول عربية ذات مكانة وقوة تدفع الجزية بينما الجوع والطاعون والمديونية تفتك باشقائها اما ام القضايا فلسطين فقد باتت خبراً عابراً ليس بذي قيمة.

اقلع عن فكرة بيع التلفزيون،  إثر تهديد زوجته بترك البيت لانه متعتها الوحيدة الباقية، اذ انها مولعة بالمسلسلات التركية حد الهوس، لدرجة انها ناصبت العداء خطيب الجمعة الذي تساءل ذات خطبة :ـ هل نحن امة محمد ام امة مهند ؟.  ثم هداه تفكيره في بيع  الثلاجة حيث لا يوجد فيها الا قناني الماء كثلاجة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ـ كرم الله وجهه ـ  و امثاله من القادة الذي كان سيدنا عمر بن الخطاب قدوة لهم في التقشف والحرص على مال الدولة. بيع الثلاجة اذاً منطقي. فعائلته تأكل ما تيسر يوماً بيوم. اما اللحم ، لا يتذوقه الا في عيد الاضحى مما يجود به الخيرون،  اضافة لمكرمة الاوقاف من لحم اضاحي الحجاج التي تدفع به الينا دولة شقيقة بدلاً من دفنه حفاظاً على البيئة. ولما عرضها على تاجر الاثات المستعمل اظهر فيها الف علة، فسولت له نفسه صفعه لكنه تراجع وطلب اليه مغادرة البيت بسرعة قبل ان تفلت اعصابه.

ما الحل ؟!.  لمعت بذهنه فكرة جهنمية. توجه الى موقف الحافلات الذاهبة للمدينة الكبيرة التي تضيق ارصفتها بالناس. دفع للسائق آخر ما في جيبه من فراطة ولما هبط مع الركاب في المحطة، شعر انه مثل مهاجر عاد لوطنه ولم يجد احداً في استقباله. امتطى قدميه هائما على وجهه. . . ليس برفقته سوى ظله. . . في منتصف النهار كانت الشمس عامودية لاسعة فاختفى  ظله و مُذاك ضاع اثره.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. ياأيها الناس من فيكم رأى رجلا
    يدعى ابا عرب من خيرة العرب
    قد زاره الشيب قبل أوان شيبته
    ووجهه اصفر من شدة التعب
    وزاره مرض قد هد هيكله
    فصار يرجف بين الناس كالقصب
    وقد رأى كل أحلام له ذهبت
    وما تبقى سوى خيط من الأدب
    وقد رأى كل شيء حوله قذر
    فصار محترما من قلة الغضب
    وصار يمشي حييا تائها وجلا
    كأنه باحث عن سكة الهرب
    وطرزت دمعة في العين قاسية
    تحجرت بين حد الجفن والهدب
    فلاذ منها بلا شوق ولا أسف
    وفر منها ولم يلوي على عقب

  2. صديقي واخي وحبيبي ابن السبيل لك مني ومن الاردن اجمل سلام بارك الله فيك وفي كلماتك الطيبة وعقليتك الاستشرافية دعواتي لك في الغربة وعائلتك بالتوفيق ورغد العيش

  3. صديقي واخي وحبيبي ابن السبيل لك مني ومن الاردن اجمل سلام بارك الله فيك وفي كلماتك الطيبة وعقليتك الاستشرافية دعواتي لك في الغربة وعائلتك بالتوفيق ورغد العيش اخوك بسام الياسين

  4. صدقت وأجدت فيما قلت يا صديقي الكاتب،
    صدقا أني محتار لأكتب تعليقا على مقالتك هذه!
    هناك واقعة تاريخية فيما يخص قضية فلسطين حدثت في أواخر الأربعينات من القرن الماضي.
    الأمير عبدالله بن الحسين نصح العرب بل حاول إقناعهم لقبول خطة التقسيم على أساس
    الدولتين عربية ويهودية.
    كان الأمير الهاشمي يفهم قوة الديمغرافيا العربية وطبيعة الحق العربي والضروف الدولية والإقليمية المتغيرة
    وكذلك الثقافة العربية الاسلامية التي تستطيع ان تذوب الثقافات الأخرى. لقد كان الأمير داهية سياسية هاشمية.
    ولو قبلوا العرب وأخذوا براءي الأمير الهاشمي لاختلفت الأوضاع في المشرق العربي لصالح العرب
    لكن أقول لك كلمات قليلة تصف حال البلاد والعباد في بلاد العرب من وجهة نظري حاليا!
    وبشكل عام كلما تزداد معرفة الانسان بالأمور يفهمها بصورة أعمق عن الشخص العادي.
    لقد اتسعت الهوة بشكل رهيب بين الشعوب العربية والشعوب المتقدمة بحيث يعتمد العرب في رغيفهم و حبة الدواء وما يستر عورتهم على العالم المتقدم. وأصبح العرب عالة على العالم. والعرب بالنسبة للغرب صنف قليل يمكن الاستفادة منه علميا او مهنيا والباقي هو الغالبية عمالة رخيصة وسوق لبضاعتهم الفاسدة اما بلاد العرب فهي مناجمهم ومراعيهم وطرقهم البحرية والبرية والجوية. هل هناك أرخص من اللحم والدم العربيين في هذا الكون؟
    وبنفس الوقت تجد من العرب من يرسل زوجته للولادة في ارقى مستشفيات الغرب وعلى نفقة الدولة؟ او من يأتي ليحضر موءتمر او اجتماع في الغرب ولكن لعلاج انفه على نفقة الدولة؟ اما في دولة الاحتلال فيحاسب راس الدولة او الوزارة بسبب هفوة فساد؟
    والباقي عندك يا صديقي الياسين وعند القراء! ولك مني تحية محبة.

  5. ـ معلمنا المغترب سلام لك وسلام عليك .كلنا مشتاقون لعودتك لوطنك ايها النقي الوطني اما قصتك فمثيرة ومؤثرة وتحمل اكثر من رسالة لابليس واعوانه الجاحدين لفضله والعابثين بمستقبلنا دون مخافة من الله وبلا رحمة للبشر..
    ـ خواجه فلسطين الحبيبة الذي اصبح شمعة دائمة العطاء في صحيفة ” راي اليوم الغراء ” لك منا الحب والاحترام والوفاء.لا شك انك احد الخيرين الطيبين الذين يعلنون رأيهم دون خوف او تردد.
    ـ اخي محمود الطحان لك الاحترام كله والمحبة الدائمة والتبجيل على مواقفك القومية والوطنية والانسانية … حقيقة انا اكتب منذ سنوات طويلة مقالة واحدة اسبوعياً،اختار الاسخن والاهم من الاحداث واصب فيها مشاعري وافكاري .لكن للاسف يثحجب احيانا مقالي في المواقع الاخبارية اما بالنسبة للكتابة اليومية فانها باعتقادي تستنزف الكاتب فالكتابة الجيدة تحتاج طاقة عالية لذلك يلجأ الى الكتابة الانشائية السريعة لملء الفراغ ليس الا راجياً قبولي اخاً يحترم خط تفكيرك…بسام الياسين

  6. أخي العزيز بسام الياسين المحترم
    منذ أسابيع وأنا أود قول شىء يخطر في بالي وهو لماذا أنت بخيل علينا بكتاباتك أحيانا كل أسبوع وأكثر فهل نطمع يكرمك أخي العزيز ولا تغيب كثيرا عنا.. لأن باب حوار مفتوح مع كل احترامي وتقديري لكل كتابنا المميزين إلا أنني انظر الي مقالتك في هذا الباب..وارجو المعذره إن تجاوزت حدودي لكنه الأمل في كرمك وعطاؤك

  7. أخي العزيز بسام الياسين المحترم صاحب القلم الحر..تحياتي ومحبتي لشخصك وبعد
    انسانيتك تطغي دائما علي كل مقالاتك جميعنا نعرف هذه الحقيقة وهذا ما يجعل كتاباتك تدخل القلوب قبل العقل…
    نحن في مجتمع مادي وتحولت المشاعر والأحاسيس إلي أوراق نقد يتعامل بها قليل الأصل من منطلق أن ماتملكه من دنانير فهو يساوي وضعك كإنسان أو كما يقولون (معك ألف دولار إذن أنت تساوي ألف دولار) هكذا تحول البعض ولا استطيع التعميم لأن المثل يقول (إن خليت بليت) لا زالت الاصاله والترابط موجود لكنه أصبح عمله نادره جدا هذه الأيام للاسف الشديد…
    هنالك أخوه أشقاء من أب وأم واحدة يتصرفون فيما بينهم في حالة خلاف مالي يتحولوا لأعداء والاخوه تصبح احقادا علي بعضهم البعض..
    الخير في أمتنا موجود وسيبقي موجود وأكبر دليل على ما اقوله هو وجود رجال شرفاء أمثال أخي العزيز بسام الياسين الإنسان الأصيل الصادق بكل مشاعره ومحبته للجميع…حفظك الله يا أخي العزيز من كل سوء ومتعك الله بالصحه والعافيه وطول العمر

  8. الى الاستاذ بسام الياسين المحترم
    اسعد الله اوقاتكم بالخير
    اذا سمحت لي أن أقول لك انك كاتب شعبي و انا من الشعب و تكتب عن الام الشعب و ظروف الشعب

  9. .
    — دخل رجل الى البار وطلب كاسا من البيره وراى شخصا يجلس بجانبه وأمامه بضع زجاجات فارغه من البيره ( والعياد بالله ) يبدوا انه احتساها جميعها وكان لا يزال يطلب غيرها .
    .
    — ومن باب الحشريه سأل هذا الذي يكدس زجاجات البيره عن اسمه فقال له : انا ابليس التعيس ، ابليس اسمي والتعيس حالتي فانا محبط .
    .
    — فساله الرجل : طيب يا اخ ابليس اخبرني ما الذي اصابك لتشعر بالإحباط ، فاجابه انتم صنف البشر لا وفاء لديكم ، يأتيني احدكم فقيرا ذليلا فأعلمه الكذب والسرقه والرشوه فيغتني ويبني قصرا ويضع على بابه ( هذا من فضل ربي )
    ،
    — يبدوا يا اخي بسام ان ابو عرب ذهب لقصر احد تلاميذ ابليس الجاحدين , يعني اللي ما فيهم خير لأستاذه ابليس لمين بده يكون فيه خير .
    .
    .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here