بسام ابو شريف: قصة تأسيس مجلة الهدف.. ودور غسان كنفاني

بسام ابو شريف

مجلة الهدف، هي المجلة التي شقت للفكر الثوري طريقا في أوساط الشعب ، وهي التي رفعت شعار ” الحقيقة كل الحقيقة للجماهير ” ، وهي التي ربطت النضال التحرري الفلسطيني بالنضال التحرري العربي والعالمي.

مجلة الهدف كانت منذ انطلاقتها فاعلة في رفد الثورة، وشكلت عنوانا للثوريين في العالم ليصبوا من خلالها جهودهم وفكرهم وعطاءهم ومشاركتهم لمقاتلي فلسطين طريقهم النضالي الصعب ، وتحولت خلال فترة وجيزة الى منبر للثوريين وحواراتهم ومناقشاتهم للمصاعب والتكتيكات المنبثقة عن استراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد ، طريق انتصار الشعوب على الطغاة والمستعمرين ، كما تحولت الى مجلة يتلقفها الجمهوركمنشور ثوري علنا حيث أمكن وبالتهريب وسرا حيث منعت بسبب مواقفها الثورية .

ومع السبعينيات تحولت الهدف الى المجلة الأوسع انتشارا في العالم العربي على الرغم من خلوها من أية مواضيع سوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الملتزمة والبعيدة عن الليبرالية .

كانت الهدف قبلة الشعراء والأدباء والفنانين والسياسيين يسارعون الى أن تكون الهدف أول منبر يكتبون له وأول معرض للوحاتهم أو منحوتاتهم أو مقالاتهم التي تتناول أزمة اليسار وحرب الشعب .

أعطني صحيفة … أعطك حزبا

عندما نشبت حرب حزيران 1967 ، كانت حركة القوميين العرب تعيش تعارضات داخلية نشأت لتبني مجموعة من الكوادر فكرا جديدا حاولت طرحه داخل صفوف الحركة مما أثار نقاشا وجدلا واسعا في صفوف الحركة في كل أقاليمها ، وتبنت المجموعة التي كانت مشرفة على اصدار مجلة الحرية ” الناطقة باسم الحركة ” ، من السيطرة عليها وتكريس صفحاتها لطرح وجهة نظر واحدة حول التحول الى تنظيم ” ماركسي لينيني ” ، وقامت مجموعة  “الحرية ” ، بافساح المجال لبعض كوادر الحركة الذين كانوا من طلبة الجامعات في باريس لطرح مواضيع كانت في تلك الفترة مطروحة في الشارع الفرنسي ، وناتجة عن فشل الحزب الشيوعي الفرنسي من تحقيق أهدافه ، وحصلت انشقاقات عديدة في الحزب وأدت هذه التناقضات الى انتفاضة شهر أيار 1968 ، في باريس وانهيارها ونشوء تنظيمات سوبر يسارية اثر ذلك بعضها غيفاري وبعضها ماوي وبعضها تروتسكي الاتجاهات .

وكان من السذاجة نقل هذه التعارضات والخوض فيها وتحليلها وتشبيهها بتعارضات جركة القوميين العرب على صفحات الحرية .

خلاصة الأمر ان جورج حبش ووديع حداد المكلفين من قبل حركة القوميين العرب لانشاء  “تنظيم فلسطيني مقاتل ” ، اتفقا مع اللجنة التأسيسية على العمل لاصدار مجلة خاصة بالتنظيم الفلسطيني ولها اهتمامات قومية وأممية ، المجلة أو الصحيفة كانت فائقة الأهمية لأنها الأداة لنشر الفكر والحشد ةالتحريض وطريق التنظيم لذلك قال لينين ” أعطني صحيفة أعطك حزبا ” كان بناء الجبهة الشعبية يحتاج الى مجلة أو صحيفة كأداة تعبوية وتنظيمية وتثقيفية .

كان هنالك اجماع لى ضرورة اصدار صحيفة للتنظيم رغم أن اسم التنظيم لم يكن قد حدد بعد

( كان قد طلب من الأعضاء آراءهم حول الاسم وتوزعت الأصوات بين الجبهة القومية لتحرير فلسطين وبين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ) ، وكلف المناضل الكبير ابو ماهر اليماني بالبحث عن ” امتياز اصدار صحيفة ” ، لشرائه وفي لبنان كانت الامتيازات محدودة وأوقف اصدار امتيازات جديدة ، فأصبح سوق الامتيازات سوقا محدودة وارتفت اسعار الامتيازات بشكل كبير ، لكن لحركة القوميين العرب أصدقاء أوفياء ومنهم المناضل الكبير توفيق الطيبي الذي كان يملك امتياز اصدار صحيفة باسم ” الهدف ” ، وتم الاتفاق .

في الوقت ذاته كلفت ببحث أمر رئاسة المجلة ” أو الصحيفة ” ، مع غسان كنفاني وكان غسان حينها من ألمع الصحفيين اللبنانيين ” فقد كان يحمل الجنسية اللبنانية – بسبب مهارته وتفوقه ” صاحب الامتياز يجب أن يكون لبنانيا والمدير المسؤول يجب أن يكون لبنانيا ، هذه هي القوانين ولذلك سجل امتياز الهدف باسم غسان كنفاني بينما وافق صحفي لبناني على شغل موقع المدير المسؤول ” أمام المحاكم ” ، وبعد موافقة غسان ثبت أن صاحب الامتياز ورئيس التحرير هو غسان كنفاني ، وتم أخذ كافة الاجراءات القانونية اللازمة ( لم نكن نملك ثمن الامتياز في تلك الآونة ) ، لكننا قررنا أن نطرق أبواب أصدقائنا لجمع ثمن الامتياز ، وحملني الدكتور وديع حداد رسالة لأحد الأثرياء الفلسطينيين ، وزرت أنا بعض أصدقاء والدي في الاردن ، وبلمح البصر أصبحنا نملك ثمن الامتياز وموازنة المجلة لستة أشهر ( رحم الله الذين تبرعوا لتغطية تكاليف شراء اصدار الهدف ) .

وعندما تمت كافة الترتيبات وتم استئجار مقر للهدف طلب مني الحكيم أن أبلغ غسان بأن علينا أن نبدأ ، توجهت الى مبنى ” الأنوار” ، حيث كان يعمل غسان وأبلغته بأن الأوان آن وأن علينا أن نبدأ ، وغاب غسان في بحر نظره فحاول اكتشاف ماهو آت ، سرح ناظرا الى لاشيء ليرى كل شيء ، وكأنما استيقظ من سبات … التفت الي وقال : علي أن أكتب استقالتي للأستاذ سعيد فريحة ، وكان حينها زعيم الصحافة اللبنانية ويرى في غسان حلمه بجيل مبدع صحفيا ، وكان معجبا بغسان ويرى في قلمه قلما ينتج المعجزات الجميلة ، وأطلق له حرية اصداؤ ملحق كامل بصحيفة الأنوار على غرار ملحق فلسطين الذي كان بصدره في صحيفة المحرر عندما حررها لدى هشام ابو ظهر ، وكانت الصحيفة المعتمدة لحركة القوميين العرب كصحيفة كونها صحيفة تدعم جمال عبدالناصر والتيار القومي الوحدوي .

وكتب غسان كنفاني استقالة جاءت قطعة أدبية سياسية خالدة ، وشمر عن ذراعيه وبدأ العمل قال لي يومها : ” هذه لحظة حساسة أشعر برهبتها ، فهي المرة الاولى في حياتي التي أدخل فيها الميدان من كل أبوابه ، وهي مسؤولية كبيرة وأنا أعلم حساسيةتحرير صحيفة حزبية !! فكيف بادارتها وتحريرها زتسويقها والنجاح في ذلك ؟! سنشق الطريق … لكن مانريده أكثر من شق الطريق … نريد أن نقود الجماهير الى الطريق ! ” .

وفي البداية اختار غسان طاقما متميزا من المحررين ” – الموازنة ضئيلة ” المحترمين وغير الحزبيين ” ليسوا من أعضاء الجبهة الشعبية ” ، وكلفت الجبهة طاقما بادارة التوزيع والتعامل مع المطابع والمحاسبة والتدقيق ، وذلك كي يتفرغ عقل غسان للابداع .

كنا نحن على صلة مستمرة بغسان لمساعدته وتزويده بماهو جديد ومحاولة دعم ” الهدف ” بالخبر والصورة وتقارير الميدان ، وبعد عام من اصدار المجلة طلب غسان كنفاني من الدكتور جورج حبش أن يكلف بعض الكوادر القيادية بمهام تتعلق بالهدف والاعلام اذ أن العام الأول من صدور الهدف شهد اندفاعا قويا من الجمهور والتنظيمات اليسارية الاقليمية والعالمية نحوالجبهة الشعبية من خلال الهدف .

وأبلغ غسان ” الحكيم ” ، أن العمل يحتاج الى تنظيم كامل فهو يشمل تبرعات وأنصار ومتطوعين ، وزيارة قيادات تنظيمات يسارية ، فتقرر أن أفرغ جزء أساسيا من وقتي كمساعد لغسان وأن أبقى على صلة بالحكيم وبالدكتور وديع حداد لشؤون العمل الاخرى .

( سيلي في كتابات منفصلة …قصص واقعية من مصنع ومطبخ مجلة ” الهدف ”  ) .

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. ولا ننسى الطلائع والحريه والرصيف و نظال الشعب و فتح والى الامام …. الخ .من الدوريات التي شكلت وجدان ووعي النضال الفلسطيني والعربي وحفظ التراث الثوري الملحمي .
    مرت 47 عام على اغتيال المناضل غسان كنفاني في 8 يوليو 1972 م وقبلها بنحو شهرين اعلن عن انتحار الشاعر العراقي ابراهيم زاير الكاتب بالهدف المنشق عن الجبهه الشعبيه في شقة الروائي زهير الجزائري .بطريقه غامضه ولاسباب غامضه .
    شكرا على السرد الرائع لمرحله مهمه من تاريخ كفاح الشعب الفلسطيني .

  2. هل من رسالة يرغب بسام أبو شريف لأصالها للجبهه الشعبية وقياداتها وقاعدتها …؟

  3. شكرا جزيلا على هذا المقال المهم الذي يلقي شعاعا ساطعا على بعض من الكفاح الفلسطيني ودور الحكيم جورج وغسان كنفاني.في الانتظار بشوق كبير لبقية ماستكتبه
    ياأستاذ بسام.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here