بسام ابو شريف: ساعات قبل ولادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. وديع حداد.. وقصة تأسيس “مجلة الهدف”

بسام ابو شريف

قد يلومني البعض لخوضي في تفاصيل ميلاد طفل من حيث وصف الآلام التي ترافق المخاض، وما يتعرض له الجنيتن من مخاطر لكن جوابي الفوري هو : –

أن أقول للأجيال الحقيقة، وأصف لهم طبيعة العقبات والصعاب والمخاطر، التي يواجهها الجنين وهو في مرحلة الظهور للحياة والتنفس من هواء هذه الأرض، هو نوع من التطعيم الذي يولد مناعة تمكن الأجيال من التصرف بذكاء، وفطنة، وحرص لأن علينا جميعا الأحياء منا، والأجيال التي سيبزغ فجرها خلال السنين القادمة أن تعي أن ما حيك لشعبنا وامتنا من دسائس ومؤامرات، وخطط الاحتلال والاستيطان الاستعماري سوف يحاك مرة تلو الاخرى طمعا في ثروات بلادنا، وموقعها الاستراتيجي، وسيطرة شواطئنا على بحار غاية في الأهمية، واستراتيجية القيمة، وهذه هي سياسة الاستعمار القديم والجديد، والاستيطان العنصري الغاصب الدائمة، وستبقى قائمة وان تغيرت شكلا ووسائل وطرائق، وعلينا أن نعلم أن الذين يغرقون ويحاولون اغراق الآخرين في حوارات سفسطائية يبعدون سواء عن وعي أو دون وعي الأجيال عن الأهداف المحددة، وسبل مكافحة حرب الابادة، والاستعباد .

هذه العقلية الامبريالية كانت دائما مصدر شر ووبال، وجنايات جماعية، وجرائم ضد البشرية فرنسا أهدت تمثال الحرية لاميركا !! أي حرية تلك …. كان صراعا بين دولتين استعماريتين على مصالح لم تنبع الا بعد حرب ابادة خاضها الاستعماريون بأدوات من المجرمين والقتلة ضد أهل البلاد، فذبحوا ملايين من البشر كي يقولوا انها ” الأرض الجديدة “، وطبلوا للحق الاميركي، ولم يذرف أحد دمعة على أهل البلاد الضحايا الذين ذبحوا بآلة الاستعمار وأسلحة كانت كما هي الآن الأسلحة المحرمة دوليا .

في احدى جولاتي في العام 1969، على الجاليات العربية في اميركا الشمالية والجنوبية طلبت من أهلنا المهاجرين أن يرتبوا لي زيارة ” معسكر اعتقال “، يقيم فيه ( حسب القانون الاميركي )، بقايا أهل البلاد من الهنود الحمر ….. وياويل ما رأيت انهم يسعون لافناء أهل البلاد حتى الآن، وكل المسؤولين عن هذه المعسكرات التي تحرم أهل البلاد من أبسط حقوق الانسان كلهم مرضى نفسانيون، وأمراضهم النفسية تحولهم الى مجرمين وقتلة .

وفي البيرو زرت منطقة فيها بحيرة أطلق عليها اسم البحيرة الحمراء، فسألت لماذا تسمى حمراء، والماء فيها صاف ويميل للأزرق، قالوا : الاسم يعود لأيام المذابح لقد ذبح الاسبان هنا أكثر من مليون من أهل البلاد، فتحولت مياه البحيرة الى اللون الأحمر، لقد كان دم أهل البلاد المذبوحين، هو الذي لون البحيرة، وأعطاها الاسم .

عندما نتذكر ما فعله الصهاينة بأهلنا قبل 1948، وبعد 1948، ونضع لائحة بالمذابح والمجازر نجد أن المخطط، هو ذاته ضد الشعب الفلسطيني، وأمام هذا كيف تريدني أن أقيم بعض ما يقوله، ويكتبه المتفلسفون ( وبعضهم لم يقاتلوا، ولم يدخلوا ميدان الصراع )، بل كانوا مشاهدين ومراقبين يكتبون حول قضايا قانونية، وينحدرون نحوها بدلا من أن يرتفعوا الى مستوى التحدي، الذي تواجهه امتنا ….. نكتب لتتعلم الأجيال ” اذا أرادت “، ونقول الحقيقة – الحقيقة التي نعرفها – لكن هذا لايعني أننا نعرف كل الحقيقة، فقد تكون أجزاء من الحقيقة لدى آخرين، والكتابة حول ساعات ما قبل ميلاد الجبهة الشعبية تقع ضمن هذين القوسين .

ماذا يعرف بسام ابو شريف يعرف الحقائق كاملة ” الحقائق التي تتصل بكل مهمة كلف بها وكل عمل قام به، وكل مخاطرة دخل فيها في فترة التحضير، وبناء الأساس لاقامة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين “، ولا شك أن هنالك جوانب كثيرة اخرى لم أطلع عليها لأنها كانت من مسؤوليات اخوة آخرين، فعلى سبيل المثال : عندما أصدرت القيادة المؤقتة ( د . جورج حبش، ووديع حداد، وابو علي مصطفى، وآخرون )، أوامر بنزول قيادة الداخل للداخل المحتل اطلعت على ماجرى حتى لحظة ” نزول أعضاء القيادة “، لا بل كنت أودع بعضهم عند قهوة السنترال في عمان، لكن بعد هذا لا أعرف شيئا، فقد أصبحت الحقائق المتصلة بنزول وعمل قيادة الداخل مسؤولية المؤسس جورج حبش، والمؤسس وديع حداد، وتوجهنا نحو تأسيس مدماك آخر بعيدا عن هذا الميدان، ولكن مرتبط به بطبيعة الحال .

فترة بناء الحزام الاسمنتي للمداميك، التي سترتفع لتنهض مع نضال شباب الجبهة كان هما كبيرا، وكان الخطأ ممنوعا منعا باتا تماما كما يفعل المهندس، فالتأكد من قياس الحديد وكمية الاسمنت، ونوعية الخلطة مفتاح صمود الأسس المتينة، واذا أخطأ في تقدير قطر القضبان الحديدية يكون قد ارتكب خطأ سيؤثر على البنيان في كل وقت، وتحت كل مناخ .

          الهدف

بعد اعتقال الحكيم في سوريا دعانا الدكتور وديع حداد لاجتماع مباشرة بعد انتهاء مؤتمر تموز – آب 1968، وكان اللقاء في غرفة صغيرة لها شباك واحد 30 x30 سم، وباب زينكو دخلنا الغرفة التي لاتتسع لأكثرمن ثلاثة أشخاص، ألقيت نظرة سريعة : في جانب ألقيت “فرشة وبطانية “، وفي الجانب المقابل طاولة أصابها الزمن بالعرج وكرسي كان الدكتور وديع حداد، قد أطلق ذقنه فبدت لحيته الضخمة سوداء اللون، وأقول لكم ان أول انطباع عندي كان أن هذه ” اللحية الكبيرة “، تنسجم مع صلعته، واقترحت عليه أن يلبس حطة وعقالا، وأن يتصور …. نظر الي، وقال بلهجة حادة ولطيفة : ” ممنوع الصور “، فأجبته فورا : ليس للنشر …. رد بسرعة : كل شيء يواجه احتمال التسريب “، قالها بلهجة انهاء هذه الدعابة، لكنني علمت أنه بعد خروجنا استدعى مصورا، ولبس الحطة والعقال وصوره المصور، لكن وديع أخذ منه الفيلم من الكاميرا قبل تحميضه، واحتفظ به ليحمضه ويطبعه لدى من يثق بهم .

الدكتور وديع لم يكن من محبي الكلام الكثير، أو الشرح الوفير كان يتوقع ممن يخاطبهم أن يتمتعوا بذكاء، وفطنة، وحنكة، وأن يجاروه في سرعة التفكير، والقرار، قال بسرعة : دعوتكم لبحث مستلزمات قرار انشاء مجلة اسبوعية تنطق باسمنا، وتكون عنوانا لنا ومركزا لتجميع الدعم والتبرعات والمتطوعين، الحرية لم تعد لنا …. انها للمنشقين !!

نظرت اليه فورا، انتبه هو، وقال : نعم أنا واصل لقناعة أنهم بربدون الانشقاق، وأنهم يحاولون كسب الوقت، والدعم من الخارج فقط، وتابع : سأكون مشغولا جدا في الفرع وأريدكم أن تتابعوا، وأن تتموا العمل لانشاء واصدار مجلة اسبوعية، وهذا يتطلب : –

1- شراء امتياز صحفي في لبنان، وهذا صعب وغال، لكن لابد أن نملك امتيازا هنا حتى لانكون تحت رحمة أحد .

2- انتقاء شخص صحفي في النقابة يسمح له بتسجيل ملكية الامتياز .

3- أن تختار مديرا مسؤولا .

4- أن تختار رئيس التحرير، ويكلف هو بانتقاء طاقمه .

توقف لحظة : الامتياز يملكه صديقنا الرجل الوطني والقومي وفيق الطيبي سيفاتحه ابو ماهر اليماني، ويفاوضه على ثمن الامتياز …. صاحب الامتياز ورئيس التحرير غسان كنفاني وسيكلف بسام بمفاوضة غسان لتقديم استقالته من الأنوار، وتسلم مسؤولية انشاء المجلة وطباعة النسخة (0)، الادارة سيتسلمها زيدان وسيساعده وسيختار طاقمه الاداري المالي أما ادارة التحرير، فالمسؤولية لغسان، وسكت، ثم سأل : هل من سؤال ؟ …. لم يجب أحد كان الجميع يحصي المهمات، وضحك، وقال : ” طيب ليش بعدكم قاعدين … تفضلوا كل واحد على شغله …. أن عندي شغل ” .

لم نكن نعلم أن تلك الغرفة ” الزنزانة “، التي كان يسكنها الدكتور وديع حداد في مخيم الوحدات كانت غرفة العمليات التي خطط فيها ووجه وأشرف منها على تنفيذ اختطاف الدكتور جورج حبش من سجنه، وذلك على الطريق التي تسلكها سيارات الانضباط العسكري السوري من سجن الشيخ حسين الى مقر عبدالكريم الجندي مدير المخابرات السورية، لقد كان الجندي، هو المحقق الوحيد مع الدكتور جورج حبش حول ما جاء في تقرير الوشاة بأنه كان يحضر لانقلاب عسكري في سوريا …. انطلقنا نحو بيروت لتنفيذ تعليمات الدكتور وديع .

خارج تلك الغرفة كان ” ابو محمود “، وكان قائدا لميليشيا مخيم الوحدات هو ومجموعة من المقاتلين الأشداء ينتشرون على مدخل كل زاروب يؤدي الى ” الزنزانة “، لحماية وديع حداد وكان الدكتور وديع قد أبلغ المحيطين به أنه لا يستبعد أن تحاول اسرائيل، وغير اسرائيل اغتياله للقضاء على مشروع الجبهة الذي اعتقلت أمينها العام المخابرات السورية، فكان ابو محمود العين الساهرة، وكانت مجموعته المكلفة بحماية مقر الدكتور وديع حداد المؤقت تسمى ” قوات البادية ” .

في بيروت، توزعنا العمل كلفت أنا بالاتصال بغسان كنفاني، وكلف ابو ماهر اليماني بالبحث مع وفيق الطيبي لشراء امتياز ” الهدف “، وكان الامتياز لصحيفة يومية، وملحق اسبوعي لكن اصدارها كمجلة اسبوعية تم لعدم توفر الموازنة اللازمة لاصدارها يوميا ….. نجح ابو ماهر وحدد سعر الشراء، والتقيت أنا بغسان بمكتبه بدار الأنوار، وكان الأسطورة سعيد فريحة مازال حيا، ومتمسكا بغسان لأنه اعتبره موهبة نادرة من حسن حظ الأنوار أن يصدر لها ملحقه الاسبوعي، ويقود عملياتها الصحفية …. كنت أعرف غسان معرفة وثيقة، وعلاقتي به علاقة حميمة منذ أن كان رئيسا لتحرير صحيفة المحرر، وكان يصدر حينها بجهده الفردي، وفنه الرفيع ملحقها الاسبوعي ( فلسطين – أتمنى من كل قلبي أن يتصل بي أي عربي لديه أعداد من ذلك الملحق الرائع فلسطين، وأنا أعرف أن في بيروت مكتبة أو شركة تبيع نسخا من المجلات والصحف القديمة – وأنا على استعداد لشراء هذه النسخ من أعداد فلسطين لأكمل مادون وسجل من روائع غسان كنفاني ) .

كان غسان يصدر الملحق من الغلاف للغلاف، وكان يرسم الغلاف للملحق بريشته، ويكتب المواضيع، وفي الملحق بدأ بتعريف المواطنين العرب بشعراء المقاومة .

في تلك الفترة 1964، كنا نزوره باستمرار، ونعرض عليه أن نساعده، كنا طلبة الجامعة الاميركية وأعضاء حركة القميين العرب، وكان الشباب القومي البعثي يفعلون الشيء ذاته مع صحيفتهم الأحرار، فكانت المحرر والأحرار صحيفتان تنطقان بلغة قومية عربية واحدة، ولكن على قناتين متباعدتين ” لسوء الحظ، وغياب الجدية في توحيد العمل القومي ” .

طرحت الموضوع مع غسان ” رحمه الله “، فألقى بقلمه ” ذي الريشة المطعوجة “، على الأوراق أمامه، ونظر الي نظرة لاتخلو من ذلك المزيج النادر بين السرور والقلق ” بسام هل أنت متأكد أن الشباب سيشترون امتيازا، وأنهم قادرون على اصدار المجلة بشكل مستمر دون انقطاع ” ؟؟ .

 قلت : نعم هذا ما أبلغني به الدكتور وديع، وأنت تعرف معنى ذلك، قال : هذ استثمار بكامل رأس المال … السمعة … المصداقية، ووزني كصحفي، ووزن الذين سيعملون معنا، قلت : أنت المكلف باختيار من تريد لاصدار المجلة .

قال : هذا مكلف لانستطيع اصدارها بالدين ! وضحك … قلت له : يبدو أن الدكتور وديع قد أمن هذا الجانب، فهو مقتنع أن المجلة سوف تكون بعد شهور مصدر دخل ليس للمجلة فقط بل للجبهة …. هز غسان كنفاني رأسه موافقا وقال : اذا أحسنا العمل سنصبح المجلة الاولى في العالم العربي، وسيلتف حولنا مئات الآلاف …. لمست أن ما يقوله، هو مصدر السرور فقد سبح في تصوره للمستقبل، واستنفر عقله ونبوغه، وتوقدت طاقاته أمام التحدي الأكبر في حياته الصحفية، وقطع علي التفكير بقوله : لكن سوف يغضب الرجل الكبير سعيد فريحة، فقد وضع آماله في قلمي، وكان كريما سوف يحبط من استقالتي قلت له : غسان هذا صحيح لكن الوطن أغلى أليس كذلك ؟

قاطعني وقال : بالتأكيد ليس هذا ما أقصده … انها مسألة اخلاقية، ومعنوية سوف أجد الكلمات المناسبة … سألني متى سيشتري ابو ماهر الامتياز قلت له : لقد فعل نحن ننتظر أوراقك الثبوتية لتسجيل الامتياز باسمك …..ابتسم ابتسامته الآسرة وقال : آه تمام الموضوع اذا جدي جدا سأبدأ العمل بعد أن أسلم استقالتي، وأقابل سعيد فريحة، وهذا يعني بعد أربعة أيام، كتب استقالته ( أتمنى ان كان أحد يحتفظ بنسخة من عدد الأنوار، الذي نشرت فيه الاستقالة لأحصل على نسخة، لقد دمر الاسرائيليون أرشيفي في بيروت، وصادر الجيش اللبناني ماتبقى من عدة أماكن، وبين المصادرات مخطوطات لم تنشر للشهيد غسان كنفاني ولوحات رسمها على ورق المجلة أثناء اجتماعاتنا، وتخطيط لأسماء كان أثناء الاجتماعات يرسم بينما الآخرون يطيلون الحديث، ومن هذه الرسمات كلمة فلسطين المزخرفة بخارطة فلسطين، ورسمات للحصان العربي )، وبدأ غسان العمل وشرع باختيار الطاقم الصغير الذي سيصدر مجلة الهدف .

لم يكن هنالك هيئات قيادية منتخبة، ولم تكن هنالك هيئات قيادية لها مسؤوليات محددة .

مؤتمر تموز 1968، لم يحدد سوى ” قيادة طوارئ “، لم تكن سوى قيادتين واحدة تعتبر أن الشرعية تتمثل في القيادة، التي حددتها اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب، والقيادة الاخرى من ” أعضاء قيادة الطوارئ “، كانت مجموعة نايف حواتمة، التي لم تعمل أي شيء لبناء صرح الجبهة الشعبية بل كانت تخطط وتجمع للانشقاق، ولذلك كانت مشغولة ببناء تحالفاتها كمجموعة، واستخدمها الآخرون خاصة بعض الأنظمة، وقيادة فتح كأداة لضرب مكانة الجبهة الشعبية، وحرمانها من فرصة قيادة الثورة .

فتح كانت تريد أن ينشقوا، وأمدتهم بالمال والسلاح، ونفخت من حجمهم كي لتنال مجموعة نايف مقاعد في المجلس الوطني مساوية لمقاعد الجبهة الشعبية، وذلك ليس لمحبة فتح بنايف حواتمة أو مجموعته، بل لتمكين فتح من استخدام أصواتهم للامساك بقيادة م ت ف والسيطرة عليها، وهذا ما حصل لذلك كانت عملية البقاء، واستمرار الكفاح المسلح، وتنفيذ العمليات الخاصة الكبيرة، واستمرار التدريب والتسليح، ومد الأرض المحتلة بالعناصر والسلاح من مهمات الجبهة الشعبية .

من المهم أن نسجل للتاريخ، وللأجيال أن الفترة مابين مؤتمر تموز – آب 1968، وانشقاق نايف حواتمة ومجموعته لم تقم هذه المجموعة بأي عمل، ولم تقدم أي جهد قتالي لصالح الجبهة الشعبية التي كانوا قسما من قيادة الطوارئ فيها، وانهم انهمكوا في استخدام الامكانات التي تحت تصرفهم كقسم من قيادة الطوارئ للتحضير للانشقاق، وكانت اتصالاتهم مكثفة مع فتح، وبعض الأنظمة تتم باسم التنظيم الذي سينشق عن الجبهة مما يشير دون لبس الى أن حديثهم عن انتحابات من القاعدة، والتحضير لمؤتمر شباط 1969، كان حديثا كاذبا وتضليلا فلم يتوقعوا نتائج الانتخابات أن تأتي كما أتت الهزيمة لتيارهم، ولم يتخيلوا أن يحرر جورج حبش من السجن، فأصبح خيارهم الوحيد هو الانشقاق، وبدأوا يتسلمون موازنة كاملة من فتح، وسلاحا وتدريبا .

من ناحية الجبهة الشعبية قامت القيادات التي شاركت غي قيادة الطوارئ بالتركيز على معالجة الوضع الناجم عن انقضاض الأمن الاسرائيلي على كل التنظيمات داخل الأرض المحتلة واعتقال كل القيادات، ومنها قيادة الجبهة الشعبية في الداخل فقد اعتقل الجميع، وبدأ عمليا التراجع نحو خلف النهر، ومع خروج الكوادر برزت قيادات شابة لم تكن معروفة لقيادات الخارج، ومن هذه القيادات ابو احمد فؤاد، وعبد الرحيم ملوح اللذين كلفا بقيادة القواعد العسكرية قي مناطق الأغوار، وسفوح الجبال المطلة على نهر الاردن، وعن ارسال الدوريات القتالية الهجومية عبر النهر لضرب دوريات جيش الاحتلال، وتمكن أبطال الجبهة من خوض معارك بطولية على ضفتي النهر، وامتدت في الأغوار من الشمال للجنوب وبرزت بها معركة غور الصافي، ومعركة بيت فوريك، وضرب دبابات الاحتلال على جانب النهر .

أعتقد أن شرحي للوضع القيادي رسم صورة واضحة، لقد استمرت عملية الكفاح والمقاومة جنبا الى جنب مع معركة بناء الجبهة، وهيئاتها للوصول الى مؤتمر شباط لانتخاب قيادة تسمح بانطلاق مؤسسات الجبهة بكل قوة، وكان هذا مايريد أعداء الجبهة والحريصين على عدم قيادتها للثورة تد ميره، وتعقيد الوضع بحيث لا تتمكن الجبهة من انتزاع قيادة الثورة .

قبل انعقاد مؤتمر شباط 1969، حرر الدكتور جورج حبش، وهرب الى لبنان، ومن بيروت رتب سفره للقاء القائد العربي جمال عبدالناصر، وكانت تربطهما صداقة نضالية حميمة وشرح الحكيم الوضع، وكانت المخابرات المصرية قد لعبت دورا سلبيا لصالح فتح لدى الرئيس عبدالناصر، لكن لقاءات الحكيم مع القائد العربي جمال عبدالناصر وضحت كثيرا من النقاط، وأصدر جمال عبد الناصر قرارا باعادة دورات التدريب والتسليح للجبهة، وتم ترتيب عودة الحكيم للاردن من خلال العراق، فدخل الاردن كضابط عراقي، وفي عمان أنهى صياغة تقرير مؤتمر شباط، وقدمت النسخ على الكل للتحضير للمناقشة في المؤتمر .

خلال ذلك لم يتوقف العمل لبناء المؤسسات كنا نحيط بغسان كنفاني في بيروت لمساعدته على الانطلاق باصدار المجلة …. كانت المجلة أداة هامة للتنظيم، والتعبئة، والحشد …. كنا مجموعة صغيرة غسان، وأنا، وشريف الحسيني، وشاركت معنا في جانب من الجوانب العملية الأخت نهى الخطيب، وأثناء لقاءاتنا برزت قضية رئيسية : تنظيم حركة القوميين العرب في بلدان العالم !! من يهتم به، من يطلعه على ما يجري من يعيد تنظيمه، وتفعيله وتنشيطه، بحث الأمر مع الدكتور وديع بعد تحرير جورج حبش، وكلفني بقيادة مجموعة تهتم بالتنظيم في الخارج، وتشكيل قيادات جديدة بناء لجان أنصار ودعم في الامريكتين واوروبا، والبلدان الاشتراكية .

وانضم للمجموعة جايل العرجا، الذي استشهد في عملية عينتيبي مع الحاج فايز جابر، وابو الدرداء، وخمسة أبطال من الخلايا الحمر الالمانية .

– وفي الحلقة القادمة سوف أتحدث للأجيال حول كيفية اعادة بناء تنظيم الخارج وبناء لجان الأنصار والدعم في البلدان الرأسمالية والاشتراكية .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. ماضي نعتز به وحاضر مؤسف حزين ومستقبل في علم الغيب
    والله المستعان

  2. من الإنصاف القول أن ابو جهاد خليل الوزير هو من كان يقود المقاومة في الداخل وسجل نجاحا كبيرا واصبح تهديدا جديا لإسرائيل فاغتالته وتعرف البقية
    اما بالنسبة للجبهة الشعبية فالعملية الوحيدة التي قامت بها هي اغتيال رحبعام زئيفي على سبيل الثأر.
    السؤال إءا كانت الجبهة قادرة على الوصول إلى هذا العمق لماذا لم تنظم مقاومة جدية وتكرر مثل هذه العمليات ولماذا لم تقم بها من قبل اغتيال أبي علي مصطفى! ومن الذي كان يتخذ القرار؟وهل فعلا يعرف بسام ابو شريف كل شيء؟

  3. نشكر لكم جهودكم و امانتكم بالنقل
    كما نشكر و نثمن عاليا نفسكم الثوري
    و إنها لثورة حتى النصر
    المجد و الخلود لكل شهداء فلسطين و في مقدمتهم الحكيم و الدكتور وديع حداد
    وعميد الأدباء الفلسطينين الشهيد غسان كنفاني

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here