بسام ابو شريف: بطل من بلادي شريف خالد الحسيني

بسام ابو شريف

توفي شريف خالد الحسيني في الرابع من نيسان من العام 2011 ، بعد حياة لم تتخللها سوى أيام قليلة كان فيها هم شريف هما عائليا ، وما تبقى من أيام حياته كان هما وطنيا وقوميا .

عندما توفي كتبت عن الشهيد الذي ناضل طوال حياته في الظل واستشهد في الظل ، ولم يكن في نضاله يسعى سوى لانتزاع الحرية لشعبه ووطنه وأمته العربية ، والآن أكتب عن شريف الذي غاب ، وأنا واثق أنني أعرف شريف ، وعن شريف ، وما كان يفكر فيه شريف ، وما كان يحلم بتحقيقه أكثر من أي شخص آخر ، فقد ارتبطنا بصداقة رفاقية وأخوية ، ومررنا سويا في ظروف حالكة السواد ، واخرى حالكة البياض .

كان شريف قد ولد في القدس في العام 1938 ، بينما ولدت أنا في العام 1946 ، ومع تخرجه من الجامعة الاميركية في بيروت التحقت أنا بالجامعة أمضى سني الدراسة ناشطا في  “العروة الوثقى ” ، وغادر بعد أن ضخ في الجسم الطلابي الفلسطيني في لبنان دما جديدا وحيوية جديدة حملته مع التخرج الى الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لظلاب فلسطين كمسؤول للعلاقات الخارجية متفرغا في مقر الاتحاد بالقاهرة ، ولم يتح لي هذا التطور سوى شهور قليلة للتعرف ، وتبادل الرأي مع شريف خالد الحسيني .

تسلمنا راية الاتحاد في فرع لبنان بعده ، وبدأنا ننشئ جيلا جديدا من القوميين العرب ، وبهذا تحددت فرص اللقاء وتبادل الرأي بالمناسبات والمؤتمرات التي كان الاتحاد يقوم بها .

في العام 1963 ، كان لقاؤنا وفي العام ذاته انتقل شريف الى القاهرة ليتفرغ لعمل الاتحاد  وللذين لايعرفون كان الاتحاد العام لطلاب فلسطين ، هو مجرى النضال الرئيسي للفلسطينيين ومنبرهم الاقليمي والدولي ، ومنصة الشعب للتعبير عن حقه في تقرير المصير والاستقلال بعد التحرير ، ولذلك كانت مهمة شريف الحسيني في قيادة الاتحاد العام لطلاب فلسطين هي أشبه بمهمة وزير خارجية فلسطين تحت الاحتلال ، وكان قيام شريف بهذا الدور وأداءه للمهمة يضعه في مرمى خطط العدو لتدمير أي عمل ونضال فلسطيني له أثر ونتائج .

ولن ننسى كيف خاض وأدار شريف معركة من أهم معارك الحق الفلسطيني في المؤتمر العام للاتحاد الدولي للطلبة لانتزاع الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بحضور وفد اسرائيل ، الذي كان يعتمد على الولايات المتحدة ( حاضنة الاتحاد الدولي ) ، وعلى قدرة الوفد على استمالة قادة بعض الوفود لصالح اسرائيل ، وتمكن شريف الحسيني من ادارة المعركة بذكاء وحكمة من انتزاع موافقة المؤتمر على الاعتراف بالحق الفلسطيني ، كانت تلك هي المرة الاولى التي يطرح فيها حل الدولة الديمقراطية على أرض فلسطين التي يتساوى فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بالحقوق والواجبات ، ورغم جهود الوفد الاسرائيلي تمكن الوفد الفلسطيني من النجاح .

احدى أهم ميزات شريف الحسيني ، هي سعيه الدائم والدؤوب لاتقان ما يقوم به من عمل أو ما ينفذه من مهمات …. كنت تراه ينكب على عمل أو مهمة أياما وليال دون ملل أو كلل حتى يتبين الأبيض من الأسود ، وتتكلل جهوده بالنجاح ، فيتوقف ويقف صارخا ومصفقا .

من ميزات شريف الحسيني الكتمان والتصرف ، وكأنه لايعرف ولا يدري عندما تتعلق الأمور بالسرية وحساسية الموضوع ، لذلك كان دائما مؤتمنا على ما هو ثمين ونادر وما هو حساس وخطير … لاتظهر عليه الا سمات البراءة والطفولة ، ولاترى على وجهه الا ابتسامة ترتسم أو نظرة دهشة الذي لايعلم … لكنه كان يعلم .

من ميزات شريف الحسيني الجرأة والاقدام مهما كان الأمر خطيرا ، لابل كان ينشد للمهمات الخطرة ذات الطابع المجازف .

من ميزات شريف الحسيني أن متطلباته قليلة جدا ، واهتمامه بالراحة والعيش المريح كانت توازي صفرا لديه ، كان بسيطا قنوعا صبورا ، ويخلق من خيمة قصرا سعيدا .

في مرحلة من المراحل أقمت معسكرا للمتطوعين الأجانب ” اوروبيون ولاتينيون ” ، وكلفت شريف بالاشراف على المعسكر، الذي كان يضم في وقتها رفاقا من الخلايا الحمراء الألمانية ومتطوعون من اميركا اللاتينية وايطاليا وفرنسا وبلجيكا والسويد وفنزويلا وتشيلي ونيكاراغوا وكان كارلوس أحد هؤلاء ، وانتشرت المهاجع والخيم تحت الأشجار ، وأعدت حقول الرماية وأقيم المطبخ لاطعام المتدربين …..الخ .

 وقمت بزيارة للمعسكر وتوجهت الى خيمة شريف الحسيني قائد المعسكر، واذا بخيمته البسيطة مكانا مريحا …. بضعة صناديق خشبية شكلت أثاث الخيمة … طاولة وكراسي من الصناديق ، وبطانيتان مرتبتان جانبا ، ودلة ماء معلقة لتأخذ من الهواء برودة كانت تشع بالنظافة .. جعل من خيمته قصرا وبدا سعيدا .

من صفات شريف الحسيني ، التي تجعله بطلا في خاطري اهتمامه ورعايته لجدته وأمه ، فلم يكن ينتقل من مكان لآخر ، ومن بلد لآخر الا ويكون قد رتب لجدته وأمه أمور الانتقال معه ، وقد ظل يعتني بهما حتى آخر يوم من حياتهما … كان محبا ، وفيا مخلصا ، ولا يتوانى عن القيام بكل ما تطلبه جدته وأمه دون تردد ، ليس هذا فحسب بل كنا جميعا نفعل الشيء ذاته عندما نزوره ، ونستمع الى طلبات جدته وأمه ، فقد فرض احترامه لجدته وأمه علينا نطيع ونلبي ما تطلبان .

كنت أجلس الى جانب جدته التي حافظت على صفاء الذهن رغم بلوغها سنا يصعب معها الحفاظ على صفاء الذهن ، وكانت باستمرار تعطينا ملاحظاتها وتذكرنا بتاريخ شعبنا وصموده ومقاومته … جدته كانت بهية الطلعة لاتبدو الا ملاكا في ثياب بيضاء وطرحة على الرأس بيضاء ، ولن أنسى والدته التي كانت الحياة بالنسبة لها التفاني لاسعاد أمها وابنها شريف .

وبطبيعة الحال كان ذكر وليد ومعن دائما على لسانها ( وليد هو الأخ الأكبر لشريف ومعن هو الأخ الأصغر ) ، رغم معاناة شريف من بعض الأمراض كان يكظم عليها ويستمر في العمل دون توقف ، ولم أتردد لحظة واحدة في حياتي عن اشراكه في حياتي كأحد أفراد عائلتي … كان أولادي يرون فيه أحب انسان لديهم ، وكنت أرى فيه دائما أخا لم تلده أمي .

توثقت علاقتي بشريف الحسيني كثيرا بعد مؤتمر ( الشباب العالمي – مهرجان ) ، الذي عقد في صوفيا عام 1968 ، وكان ذلك المهرجان موعدا للقاء بيننا وبين محمود درويش ، وسميح القاسم ، وتوفيق زياد القادمين للمهرجان تحت راية ” راكاح ” ، الحزب الشيوعي الاسرائيلي

منذ ذلك المهرجان لم نفترق أنا وشريف ، وتعاونا في أمور قد تبدو اليوم للآخرين خطرة جدا

يتبع في حلقة ثانية :

– شريف الحسيني ، ووديع حداد .

– شريف الحسيني ، والمهمات الخطرة .

 – شريف الحسيني ، وفيصل الحسيني .

– من قتل فيصل الحسيني .

كاتب وسياسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. يفضل أن تنشر صورته رحمه الله مع الكلام عنه فالجيل الجديد بحاجة إلى ذلك.

  2. الرفيق بسام ابو شريف
    نحيه وبعد
    سبق ان طلبت من حضرتك ان تكتب عن تجربتك الشخصيه عن علاقه العمل مع ابوعمار رحمه الله خاصه انك كنت قريب منه لفتره طويله
    اكتب للتاريخ فقط

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here