بسام ابو شريف: بطل من بلادي.. ابو علي مصطفى (مصطفى الزبري)

بسام ابو شريف

لابد لأجيالنا الصاعدة أن تستمر في النضال لاستعادة أرض فلسطين واعادتها للأمة العربية ، فقد تآمر الاستعمار البريطاني ، والحركة الصهيونية العالمية ، ومراكز نفوذها في الولايات المتحدة لنهب وسلب أرض فلسطين واعطائها للصهاينة الذين يغطون مخططاتهم برداء ديني هم منه براء ، لكن استنادهم للاساطير هو مخطط بحد ذاته لتحويل المسيحيين في الولايات المتحدة الى مسيحيين جدد يؤمنون بهذه الأساطير التي هي في الواقع أساطير بابلية فاحتكرها مدعو اليهودية لأنفسهم ، واستخدموا ما اخترعوه من محارق ليبتزوا العالم ويقيموا قاعدتهم التوسعية على أرض فلسطين للسيطرة على الشرق الأوسط من النيل للفرات .

ويجب أن تعلم الأجيال الصاعدة أن شعب فلسطين قاوم هذا المخطط رغم الحصار وعدم امتلاك السلاح ، وقد قاوم الاستعمار التركي ومنذ احتلال بريطانيا لفلسطين في الحرب العالمية الأولى راحت بريطانيا تنفذ اتفاقها مع الحركة الصهيونية من جهة واتفاقها مع الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام السعودي ، الذي كانت موافقته على سلخ فلسطين عن جسم الأمة العربية ، واعطائها للصهاينة ثمن عرش الجزيرة بدلا من الشريف حسين قائد الثورة العربية الكبرى ، وتآمر البريطانيون ( الذين دفع لهم روتشيلد أموالا طائلة ) ، وبعض الأنظمة العربية للسماح للصهاينة باعلان دولة خارج اطار كل التوصيات والقرارات الدولية ( بمافيها قرار 1947 ، لتقسيم فلسطين ) ، واستقدمت الحركة الصهيونية عصاباتها الارهابية التي زودتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا وتشيكوسلوفاكيا بالسلاح لفرض الأمر الواقع على ثوار فلسطين ومجاهديها ، الذين كانوا يحاصرون من قبل البريطانيين والصهاينة والأنظمة العربية ، وتابع الفلسطينيونالنضال سرا وعلنا واضطهدتهم الأنظمة العربية تحت حجج مختلفة وحاصرتهم ومنعتهم من القتال بدلا من أن تمدهم بالسلاح .

تحولت مخيمات اللجوء الى معسكرات اعتقال ، وحكمت مخيمات الضفة والقطاع ( وهي أكبر مجموعة من مخيمات اللجوء ) ، حكما عسكريا قاسيا تحت حجة منع توريط الأنظمة بحرب يجب أن تستعد لها ، واستمر العدو في ارتكاب المجازر، والتمدد وحول مياه نهر الاردن الى بحيرة طبريا ، وجفف بحيرة الحولة وبنى السلاح النووي الى أن كانت حرب 1967 ، وأتاحت نتائجها فرصة للفلسطينيين بأن يتحرروا ويقاتلوا .

ولد مصطفى الزبري في 14 أيار من العام 1928 ، وكان له من العمر ثماني سنوات عندما اندلعت ثورة 1936 ، فعاشها بكل أحاسيس الطفل الراغب في القتال كما يقاتل الرجال ، وتشرب من تلك البطولات كؤوس الشجاعة والاندفاع الوطني ، وعدم التردد في مقاتلة العدو والدفاع عن الوطن والأهل والأرض ، وعندما أعلن بن غوريون قيام دولة اسرائيل ، وكان له من العمر عشرين عاما عاش وشارك في معارك البطولة في منطقة جنين ، فقد خاض أبطال فلسطين والعراق هناك معارك بطولة وشرف ، ولقب ب ” ابو علي ” ، منذ تلك الأيام كونه كان يقود مجموعة من الشباب الملتزم وطنيا والمصمم على مقاتلة العدو بشكل سري، ودون أن يكون هنالك تنظيم يخطط وينظم المقاومة ، وشهدت تلك المناطق الحساسة عمليات مقاومة رفعت المعنويات رغم بساطتها ، وكونها عمليات مرتجلة بأسلحة بسيطة .

وجمع هؤلاء الشباب أسلحة وذخائر كانت مبعثرة على أرض المعركة ، وعندما وقع اتفاق الهدنة فرضت أنظمة تمنع شن الهجمات على العدو وتحمي ” الهدوء ” ، وراح الشباب يبحثون عن عمل ونصب أعينهم الكفاح لتحرير فلسطين .

في عمان ، كانت الحركة القومية العربية غير موحدة لكن الجو العام كان مشحونا بالمشاعر القومية والاصرار الوطني على خوض معركة التحرير ، والتف مصطفى الزبري وعدد من الشباب حول التيارات القومية التي كان يقودها رجال قوميون مخلصون ومشحونون بالتصميم على خوض المعركة التحررية قوميا لاستعادة فلسطين ، وكان منهم حمد الفرحان .

في بداية الخمسينيات ، التحق الطبيبان الثائران جورج حبش ووديع حداد بقيادات تابعة للأمم المتحدة للاهتمام بمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين هجروا بالقوة من بيوتهم وأراضيهم على يد العصابات الصهيونية ، وقاما ببث الروح القتالية والفكر القومي الثوري ، وأسست حركة القوميين العرب التي لعبت دورا بارزا في توحيد صفوف التيارات القومية المختلفة ، والتي فعلتها سلسلة الكوارث التي لازمت تلك الحقبة .

انضم وانتظم في صفوف حركة القوميين العرب ، التي أعلن عن تأسيسها في بداية الخمسينيات وبعد أن تخرج من الجامعة الاميركية في بيروت أعضاء القيادة الأولى للحركة ، انتظم شباب كادح ينتمي لأسر فقيرة ، ويعمل معظمهم في وظائف يشغلها من لم تتح له فرصة التحصيل الجامعي ، وكان من بين هؤلاء في اقليم الاردن مصطفى الزبري وحمدي مطر وابوعيسى الطيراوي واخوه ابو محمود ” قائد الحرس الأحمر ” ، وتعرض هؤلاء للسجن والتعذيب والملاحقة خلال فترة تلت النهوض الوطني الذي عاشته ساحة الاردن ، وشكلت خلالها حكومة النابلسي ، وكان يرأس البرلمان حينها المرحوم صلاح طوقان الذي كان هو وسليمان النابلسي وآخرون قد شكلوا قيادة للتيار الوطني في الاردن .

نشط في تلك الفترة حزب البعث العربي الاشتراكي ، وكان للدكتور منيف الرزاز دور بارز في ذلك التحرك القومي العربي ، وامتدت حركة القوميين العرب تنظيميا ونفوذا سياسيا ، لكن الفترة التي تلت ذلك ، وهي فترة وحدة مصر وسوريا شهدت انقضاضا من الأجهزة على هذه الأحزاب والحركات القومية والوطنية ، وأصبح قادة هذه التنظيمات في عداد المعتقلين أو الملاحقين ، وكان من بينهم الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد وعلي منكو ونزار جردانة وحمد الفرحان .

وشهد عام 1958 ، انتكاسة كبيرة للنشاط القومي العربي والوطني في الاردن ، وأنزلت القوات البريطانية ، وفرض نظام منع التجول ، فقد انقلب الوضع في العراق وصفيت الأسرة الحاكمة بانقلاب عسكري أسفرعن مقتل أفراد العائلة الهاشمية في العراق ، ومنهم الملك فيصل وعبد الاله ورئيس الوزراء نوري السعيد ، وقتل أيضا طاقم الحكومة الاردنية برئاسة رئيس وزراء الاردن ، وكان يبحث في اقامة اتحاد بين العراق والاردن ردا على وحدة مصر وسوريا ، كانت الجماهير معبأة للوحدة العربية خاصة عندما قضي على عبدالكريم قاسم في العراق ، وأعلن عبدالسلام عارف الوحدة الثلاثية مع سوريا ومصر ، فعمت المظاهرات في الاردن مطالبة بالانضمام للوحدة ، الوحدة العربية كانت ومازالت أمل الأمة العربية للنهوض والتقدم وتحرير فلسطين .

في الخامس من حزيران ، وقعت الكارثة وكان أبو علي مصطفى في السجن هو وبقية أعضاء قيادة حركة القوميين العرب في اقليم الاردن ، ودفعت الأوضاع الجديدة السلطات للافراج عن كافة المعتقلين السياسيين وكان من بينهم ابو علي مصطفى وغسان قمحاوي وحمدي مطر وآخرين .

اللقاء لبدء الكفاح المسلح

بعد اجتماع اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب في تموز 1967 ( عقد في بيروت ) ، تقرر الغاء مركزية الحركة واعتماد نظام لامركزي ، وتقررانشاء تنظيم فلسطيني للشروع في الكفاح المسلح ، وذلك بعد أن ولدت هزيمة 1967 ، ظروفا جديدة لاترى في ممارسة الكفاح المسلح في فلسطين أي توريط لأحد ، لابل أصبحت مباشرة الكفاح المسلح ضد اسرائيل ضرورة ملحة .

وكلفني الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد التوجه للاردن للقاء قيادة الاقليم وطرح القرار الجديد عليهم ، وحملت معي رسالة قصيرة بخط يد الدكتور جورج حبش موجهة لقيادة الاقليم للتعريف اذ لم أكن أعرف أيا منهم ، ولم يكونوا هم على معرفة سابقة بي .

وفي عمان ، أجريت اتصالاتي وكان أول من اتصلت به غسان قمحاوي المناضل الصلب وكان قد أفرج عنه من السجن ، وتم الاتفاق مع غسان قمحاوي ” رحمه الله ” ، أن نلتقي جميعا في اليوم التالي وذلك بعد أن يتصل بباقي أعضاء القيادة ، والتقينا في اليوم التالي :

وكان ابو علي مصطفى أول الحاضرين بينما وصل ابو سمير ” حمدي مطر ” ، متأخرا وكانت تلك خطوة احترازية منه خشية أن يكون الموعد كمينا للمخابرات ( كان ابو سمير حذرا جدا فقد عانى الأمرين من المخابرات الاردنية وتحايلها ضد القيادات القومية ) ، استمع ابو علي مصطفى لما قلته وقرأ رسالة الحكيم ولم يعط جوابا ، كان مهذبا وقال بجدية تامة : سوف ندرس الأمر ونعطيك جوابا غدا ، وحملت الجواب بالموافقة المشروطة باجراءات احترازية الى بيروت ، وبدأت عملية تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( لم يكن قد استقر الرأي على اسم التنظيم المنوي انشاءه) ، وتراوحت الآراء بين ” الجبهة القومية ” ، و” الجبهة الشعبية ” الى أن حسم عام 1968 .

لعب ابو علي مصطفى دورا أساسيا في تنظيم ، وادخال الكوادر المدربة للأرض المحتلة عبر نهر الاردن ، وقاد عملية انشاء القواعد العسكرية الرديفة على الضفة الشرقية من نهر الاردن  وقاد عملية ادخال السلاح والذخائر ” وقاد بنفسه بعضها ” ، وأعطى جهدا كبيرا لانتقاء قادة القواعد والاهتمام بتدريبهم وخوضهم دورات خاصة في مصر والعراق والاردن ، وقد برز من هذه الكوادر أنذاك عبدالرحيم ملوح وابو احمد فؤاد ، وقد تعرض الاثنان لاصابات أثناء قيامهما بقيادة عمليات ضد دوريات العدوالصهيوني .

وفي العام 1970 ، قاد ابوعلي مصطفى عمليات الدفاع عن مخيم الوحدات ، وكنت أقاتل الى جانبه مع الرفاق الآخرين ، وقاد عمليات الدفاع عن  مواقع الأشرفية المحيطة بمخيم الوحدات الحاج فايز جابر عضو قيادة الجبهة الشعبية آنذاك ، وكان التنسق تم بين القياديين للدفاع عن مخيم الوحدات من مستشفى الأشرفية ومايشرف عليه من جبل الجوفة الى مقر البادية مرورا بشارع بارطو الذي حاولت دبابات الباتون اختراقه عدة مرات عبثا .

وبعد معارك ايلول خرج ابو علي مصطفى للجبل مع القوات وقاتل هناك واعتقل هو وعبدالرحيم ملوح ، لكن اعتقالهما كان اعتقالا خاصا ، فقد حرصت السلطات الاردنية على تسهيل خروج القيادات التي اعتقلت حسما لتبعات استمراراعتقال هؤلاء ، وبعد الخروج من الاردن والانتقال الى لبنان عصفت بقيادة الجبهة تعارضات وتناقضات داخلية كان مصدرها الأساسي ( حسب قناعتي وحسب معلوماتي ) ، العناصر التي دست على الجبهة الشعبية من بوابة” الفكر الماركسي الليميني ” ، أي من بوابة أصحاب الجمل الثورية وكانوا جميعا بعيدين عن الثورية ويعملون لصالح العدو ، ووقف ابو علي مصطفى وقيادات عديدة منهم وديع حداد وغسان كنفاني وبسام ابو شريف وابو احمد فؤاد وعبد الرحيم ملوح بالتصدي لهؤلاء ” ثبت بالملموس أن بعضهم كان عميلا لاسرائيل ومخابرات عربية أمثال وليد قدورة ” ، تماما كما ثبت في الاردن أن عملاء للمخابرات الاردنية لعبوا دورا في تأزيم العلاقات مع الاردن أمثال ” مقدام ” ، الذي كان من أصحاب الجمل الثورية .

ولعب ابو علي مصطفى بالتعاون مع القيادات الصلبة والمخلصة دورا رئيسيا في الحفاظ على الجبهة وحدة ومنعة وتوجها ، كان في تلك الأثناء مجموعة عملت لشق الجبهة ومنها ابو شهاب وشلته ، ووليد قدورة ومجموعة انتهازية حاولت يث فكرة تصنيف الكوادر الى أ و ب و ج محاولة اضفاء صفة الثورية على كثير من الكوادر المشكوك في التزامهم أو المشكوك في ارتباطاتهم ، ومنح المناضلون الحقيقيون حسب تصنيف أصحاب لوائح ( ا و ب وج ) ، صفة تيار مناضل يجب تثقيفه ، كان شيئا محزنا ومضحكا وانكشفت كل الأمور .

ودافع المناضلون ونجحوا في الحفاظ على الجبهة واستمرار مسيرتها الثورية .

ومصادفة كان ابو علي مصطفى خارج لبنان عندما غزته اسرائيل ، فلم يشارك في معارك عام 1982 ، لكنه قاد كل العمل لدعم ورفد الجبهة التي كانت محاصرة في بيروت مع التنظيمات الاخرى ، وأشرف على سيل المتطوعين والوجود العسكري في البقاع ، وكان ابو احمد فؤاد يقاتل في جنوب لبنان وانقطعت أخباره لنعلم لاحقا أنه كان ينسحب انسحابا منظما عبر طرق طويلة ، وتمكن من الوصول لمواقعنا في البقاع .

وبعد خروجنا من بيروت التأم المكتب السياسي في دمشق للتقييم ، ووضع برنامج النهوض ومتابعة المسيرة .

بطل من بلادي – 2

عندما اجتمعنا لأخذ رد قيادة اقليم الاردن ” حركة القوميين العرب ” ، حول المشاركة في بناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( ولم يكن اسم التنظيم المنوي انشاءه قد حدد ) ، تبين لي أن المجموعة بكامل أعضائها ، وعلى رأسها ابو علي مصطفى كانت متحمسة جدا للشروع بتنظيم الكفاح المسلح في الأرض المحتلة ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي ، لكن ما جعلهم يترددون في بادئ الأمر كان نابعا من التجربة المرة التي أدت الى اعتقالهم بسبب أخطاء ارتكبت وفتحت المجال لاندساسات على التنظيم لصالح المخابرات ، ولذلك اشترط الجميع أن تحصر العلاقة بالدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد ، وبطبيعة الحال مع اللجنة المشكلة من قبلهما للتأسيس ، وهكذا كان فقد ربط بالدكتور جورج حبش العمل السياسي والتنظيمي والعلاقات مع الدول والقوى ، وانغمس الدكتور وديع حداد في تهيئة وتنظيم العمل القتالي تدريبا وتسليحا .

كان هما من هموم ابو علي مصطفى منذ بداية الكفاح المسلح الحرص الأمني ، فقد علمته التجارب أن ملاحقة الأعداء لاتتم بالغارات الجوية فقط ، بل بمحاولة الأعداء اختراق التنظيم للالمام بالمعلومات التي تمكنه من توجيه الضربات ، ولم يكن من الذين يتسرعون في الحكم على الأعضاء ، بل كان يتابع بهدوء ولكن بعناية شديدة أية اشارات توحي بالاختراق أو محاولته ، وعندما يتأكد كان يعلن الحرب على طول ولايتوانى عن خوض المعارك معهم لكشفهم .

وحذره هذا أثناء العمل في الاردن ، فقد تكالبت أطراف معسكر الأعداء لاختراق الجبهة في مرحلة كانت تخوض فيها الجبهة معركة التحول الفكري ، وهي مرحلة تفتح المجال لكل الذين دربوا ليكونوا من ” أدعياء اليسار ” ، وكل ” أصحاب الجمل الثورية ليخترقوا الصفوف القاعدية في الجبهة ويتحسسوا طريقهم نحو المراكز القيادية ، لكن صمام الأمان في وجه هؤلاء كان السد الصلب الذي شكلته كوادر وقيادات حركة القوميين العرب ، فقد كانوا الرأس والعمود الفقري للجبهة الشعبية .

من ذلك أن جهاز الأمن في الجبهة كان مركزا هاما ، وعمله كان محاطا بسرية تامة ولذلك كان حساسا فمن يتسلم مسؤوليته كان بامكانه التصرف تحت ستار السرية ، وأي خرق هناك كان من الممكن أن يؤدي الى كارثة ، وفي الوقت ذاته كان هذا الموقع موقع نفوذ وقوة كبيرين وتوضع تحت تصرفه امكانات كبيرة للمتابعة ، وحماية أمن التنظيم والعمل على استطلاع مايدبره العدو .

وأصرت المجموعة الصارمة الالتزام بأن يتسلم الأمن رجل يحظى بثقة عالية ولايشوب تاريخه الحزبي شائبة ، فوقع الخيار على رفيق الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد في تأسيس حركة القوميين العرب ” هاني الهندي ” ، ليتسلم مسؤولية أمن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ونال ابو محمود ” هاني الهندي ” ، كل الدعم من الرجال الأقوياء أمثال ابو علي مصطفى .

هاني الهندي كان أحد مؤسسي حركة القوميين العرب ، ومثلها في وزارة الوحدة التي تمت بين مصر وسوريا ، وهو عربي من سوريا وحفيد لعائلة عربية مناضلة منذ الثورة العربية على الاستعمار التركي وبعدها الاستعمار الفرنسي ، وتسلم العمل العسكري الميداني الهيثم الأيوبي الضابط القدير والعسكري المخضرم والمعروف بأنه أنبغ ضباط الجيش العربي السوري في الاستراتيجية والتكتيك والتخطيط ، وتسلم التدريب المقدم أكرم صفدي وهو قائد قوة المغاوير والفدائيين في سوريا ، وأصبح كبير الحرس الجمهوري المرافقين للرئيس جمال عبدالناصر بعد الاتحاد ، واستلم الدكتور وديع حداد مسؤولية العمل الميداني ومن ذلك تأمين السلاح للجبهة ، وايصاله للحدود والتدريب خارج الاردن والتدريب الخاص وفرع العمليات الخارجية ( وراء العدو في كل مكان ) ، وكانت لديه صلاحية اختيار من يراه مناسبا للمهمات من بين أعضاء وكوادر الجبهة ، فتسلم غسان كنفاني الاعلام الداخلي والخارجي واصدار مجلة الهدف ، وكنت أنا نائبا له وفي الوقت ذاته على صلة مباشرة بكل من الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد .

هذه الترتيبات وترتيبات تنظيمية وقتالية وميدانية داخل الأرض المحتلة وفي الاردن كانت موكلة لابوعلي مصطفى والمناضلين البارزين” أعضاء القيادة ” ، زكريا ابو سنينة وابو نضال المسلمي ، وشكلت قيادة في الداخل ضمت الدكتور احمد خليفة وأسعد عبدالرحمن وتيسير قبعة وآخرين بثت الاطمئنان والثقة لدى ابو علي مصطفى وحمدي مطر وابو عيسى الطيراوي ، وانطلق الجميع لشق الطريق فنشطت العمليات وضرب الدوريات الاسرائيلية والعمليات في الداخل ، وأرسل عبدالرحيم جابر الى جبال الخليل وزود بدفعة من الأسلحة والذخائر قام هو بنفسه بالاشراف على تهريبها للخليل ، وأعطت قيادة عبدالرحيم جابر دفعة كبيرة للعمل الكفاحي ضد الاحتلال .

أردت أن أركز على هذا الجانب بهذا القدر لأشرح طبيعة المخاض الذي كنا نمر فيه وتجاوزناه ، هذا المخاض كان نجاح جهود الذين لايريدون للجبهة الشعبية أن تقود الثورة في شق الجبهة ، وخروج أحمد جبريل من الجبهة الديمقراطية من صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، واحتفظ أحمد جبريل باسم الجبهة الشعبية مضيفا له القيادة العامة ، وبعد مفاوضات تدخلت فيها قيادة فتح أطلق نايف حواتمة اسم الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين على الفريق الذي انشق عن الجبهة ، وقد دعم هذا الفريق آنذاك معنويا وماليا وتسليحيا من حركة فتح التي كانت تسعى للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية ، وأن تقود هي العمل الفلسطيني بكل مايعنيه هذا من علاقات ودعم مالي وسياسي ومعنوي .

اضعاف الجبهة الشعبية التي كانت تقود عمليا الثورة في ميدان القتال مع اسرائيل ، كان هدفا ليس فقط لحركة فتح بل كان هدفا بابعاد أكثر خطورة لكل الأنظمة الرجعية التي حرصت على حصر الدعم بحركة فتح لكي لاتتفوق الجبهة الشعبية وتقود ، كانت الجبهة قد أشعلت في العالم العربي فتيل القنديل في القتال لتحرير فلسطين ، والانضمام للثورة والالتحاق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ولاشك أن العمليات الخاصة التي بدأ وديع حداد بتنفيذها في العام 1968 ، دفعت الجبهة بقوة للأمام بعد أن سجلت انتصارات لاحصر لها في عمليات كبيرة مثل عملية سوق محني يوده ، وتفجير خط النفط في الجولان ، وأول عملية استشهادية نفذها الشهيد مظفر ( ايراني ) ، وأصبح للجبهة مجالان للتفوق : العمليات الخاصة والحرب الليلية التي كان يقودها غيفارا غزة .

لاشك أن ماذكرته يعيد للأذهان تلك الأيام المجيدة ، تلك الأيام كانت ميدان ابوعلي مصطفى الحيوي فقد كان عبور النهر عملية مستمرة اسبوعيا لانزال الدوريات وتمرير السلاح ، وكان ابوعلي ” في بعض الأحيان ” ، يصر على العبور بنفسه مع الدوريات والأسلحة عندما يشك في نوايا الأدلاء المستأجرين للعبور ، وقد حصل أن أعدمت مجموعة من المقاتلين ” الدليل ” لأنه حاول ارشاد الاسرائيليين الى الدورية التي كانت فد قطعت 11 كيلو متزاتجاه بيت فوريك  وقد خاض شباب الجبهة معركة سجلها التاريخ عند بيت فوريك ضد القوات الاسرائيلية ، ولاشك أن أهالي بيت فوريك يشعرون بالفخر والاعتزازجراء هذه العملية  .

اسرائيل كانت تجمع المعلومات عن ابوعلي مصطفى وتراقبه ، لكن ابو علي كان يبتعد عن الأضواء والظهور ، كان متواضعا وجلدا وصبورا وهادئا الا أن يثور ويغضب .

بعد الخروج من الاردن ، عاش ابوعلي الصراعات التي عصفت بالجبهة مرة اخرى في لبنان

الأسلوب ذاته والعدو ذاته

لجأ الأعداء للعناصر المندسة لرفع وتيرة  صراع ” اليسار واليمين ” ، وكأننا في حلقة نقاش في باريس ، وعاد المندسون للمزايدة الكلامية واللفظية دون أن يكونوا من المناضلين والملتزمين ، كانوا يلعبون دورا كلفوا به وتجمع من هم من صلب العمود الفقري ليشكلوا سدا أمام هذا ” اليسار” ، الذي اختفى وعاد الى مرابطه بعد التشتت .

وشكل ابوعلي مصطفى مرة اخرى نواة تلتف حولها الكوادر الصارمة الالتزام والمناضلة والتي تتوق للصراع مع العدو ، وواجهنا جميعا محاولات بناء الفريق العميل وكان رأسه الجاسوس وليد قدورة وروابطه العائلية التي أتاحت له مجالا لاندساس أكثر واثارة التناقضات بشكل أعمق ، فخرج من يفصل ” انتهازيا ” ، كوادر الجبهة ويقسمها الى تيارات (تيار أ وتيار ب وتيار ج ) ، وراح بعض ” المساكين ” ، الذين لم يحصلوا على شهادة التوجيهي يقيمون المناضلين الذين قضوا حياتهم في القتال ضد العدو أو في سجونه .

وتمكن الحكيم بدعم من هذا السد الحصين أن يعيد العربة الى طريقها لتكمل المشوار ، وفي عام 1972 ، رست المركب على بر الأمان وفشل عملاء اسرائيل والمخابرات العربية داخل الجبهة من تدمير الجبهة وانتهى الذين انشقواالى عودتهم لمرابط خيلهم ، وصدرت الأوامر لوليد قدورة بألا ينشق وأن يبقى في صفوف الجبهة للعب دور آخر ، فقد كان مطلوبا منه تسليم جورج حبش لهم ، كان الفريق الصامد ابدا يشك في وليد قدورة و( روابطه الاجتماعية والعائلية ) ، الى أن أمسك به جهاز استخبارات فتح العسكري في ساقية الجنزير مع ضابط في المكتب الثاني .

( يتبع في الحلقة 3 )

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. لم يوفق الكاتب بعبارة الدفاع عن مخيم الوحدات، وكأن هذا المخيم يقع في هندوراس و ذهب الجيش الاردني لإحتلالة، ارض المخيم ارض أردنية والجيش الاردني أستردها من تغول منظمات حادت عن طريق النضال الحقيقي وكان مخيم الوحدات آخر معاقلها بعد ان تراجعت من كافة احياء عمان.
    للأسف كل ادبيات قادة المنظمات الفلسطينية في تلك الفترة تتحدث عن نضالها ضد الأنظمة العربية أضعاف الحديث عن نضالها ضد العدو الصهيوني.

  2. أستاذ بسام ابوشريف المحترم تحياتي
    مع كل الاحترام والتقدير لكل الأسماء التي طرحتها لها منا كل التقدير لكن لماذا غفلت عن ذكر رجل فاضل قضي عمره وحياته من المؤسسين للقوميين العرب وواجه الكثير من المعاناه في السجون من أجل مبادئ القوميين العرب واظنه عاني أكثر من غيره لكنه كان يعمل بصمت ولا يريد مكاسب شخصيه كغيره ممن عملوا من أجل الوطن..هل نسيته أم تناسيت رجل بقامة الأستاذ عبد العظيم ابومصبح رحمه الله تعالى؟؟

  3. حبذا لو اضأت يا رفيق بسام على موقف ابو علي مصطفى من الفلسطينيين المطبعين مع العدو الاسرائيلي في المناظرات وغيرها من النشاطات.

  4. انتماءات قوميه عميقه وثابته لعناصر الجبهه الا ان عملهم لم يرتق للمهنيه بل بقي في مرتبه الهواه لغياب الراعي المحلي او الاقليمي ولتكالب الانظمه العميله وتنكيلها بكل ما هو مقاوم.
    السوال هو ايم الجبهه الان ولماذا ارتمت في عربه اوسلو وتركت العناصر المشبوهه تقود المسيره وانحصر دورها في اجتماعات صوريه يجمعها عباس متى شاء في المقاطعه وتتساوى الجبهه فيها مع منظمات اخرى لم بعد لها تمثيل على الارض. ويقتصر دور الجبهه على معاضه شكليه لا تستطيع فيها تحريكا لشارع او تغييرا لسياسه او تنسبق امني

  5. بارك الله فيك . بارك الله فيك .ورحم الله وجه الصدق ابو علي مصطفى ..وبقية المناضيلين الشرفاء ..مقال يهز الوجدان . بارك الله فيك عمنا بسام ابو شريف .

  6. ذكر الكاتب ان المناضل الكبير كان يدافع عن المخيمات في الوحدات والاشرفية من احياء عمانوفي الحقيقة انه وجماعته انحسرو وتراجعو نحو المخيمات بعد محاولاتهم السيطرة عمان وورطو المدنيين سكان المخيمات والاحياء المجاورة من شتى الاصول … انبثقت عبقريتهم الثورية ان تحرير القدس يبدأ بتحرير عمان متاسين تحالفات النظام الدولية وتماسك الجبهة الداخلية من ابناء العشائر خلف النظام بحيث لن تسمح لمليشات أشبه بالعصابات بالسيطرة على اقليم الاردن … كانو يفتقرون للفهم وما زالو يمارسون التخوين والتعالي على الجميع … مع الاسف أكبر واعظم قضية عادلة في التاريخ الحديث كانت تستحق قيادات نضالية على نفس المستوى ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here