بروفسور نسيم الخوري: ولادة الحبر التوأم بين بيروت ولندن: كتاب عطوان الذي اضحكني وبكاني

بروفسور نسيم الخوري

أرسلت عبر “الواتس أب” إلى السيدة مها بربار التي تشغل وحيدة مقام أسرة تحرير موقع “رأي اليوم” المعروف ومساعدة لصاحبه عبد الباري عطوان في لندن ما يلي:

منذ أن وصلت بيروت آتياً من لندن وصورة عبد الباري تنزاح من غلاف كتابه  “وطن من كلمات” المقدّم ( 23/4/2019) وتصرخ بوجهي: أنا… أنا.

أتجاهل صراخها وأستغرق في قراءة أطروحات الدكتوراه المشدودة والرتيبة لطلاّبي البائسين وأعمالهم المكدّسة فوق منضدتي تراكم الملل الفكري.

منذ أسبوع وأنا أتمايل فوق أرجوحة عبد الباري بين الدمعة والضحكات القويّة والقهقة وحدي.

وتسألني الأشياء من حولي ماذا حصل لي. سأتابعه بهدوء ولذّة بعدما تركت الأطاريح وأقفلت هاتفي على طالب أردني وطالبتين لبنانيتين وقلت لا تتّصلوا بي.

لقد وجدت توأمي. وكأنّني أقمت مع هذا الرجل في رحم واحد، وكان يفترض بكلينا السقوط من الرحم في اليوم التالي لزواج والدينا كي لا يضيع جزءاً من العمر في الراحة.

سأكتب نصّاً في الكتاب.

تحياتي

نسيم

أجابتني  مها: ممتاز وأخيراً وقعت في الفخ. لا شكّ أنه كتاب ممتاز.

تحياتي

مها.

وها أنا أكتب ( 23/9/2019):

 لو نفيتُ أو ذهبتُ إلى سجنٍ أو جزيرة منعزلة عن البشر، وكان عليّ أن أحمل جسدي العاري المثقل بالتجارب والجراح فقط وغرضاً واحداّ ، فإنّني أختار قطعاً كتاب ” وطن من كلمات، رحلة لاجيء من المخيّم إلى الصفحة الأولى” لأخي عبد الباري عطوان الذي بدا لي وكأنّه شاركني رحم أمي المنسوج من الحديد المحمّى، إذ وضعتني في العام 1948 وإفترقنا لنلتقي العام الماضي وبعد سبعة عقود في لندن.

أشرت وأشير على طلابّ الماجستير والدكتوراه في علوم الإعلام في المعهد العالي للدكتوراه أن يقرأوا بتأنٍّ هذا النص الشجاع الطافح بالثقة بالنفس والظريف والطريف والمهضوم والذي جعلني من صفحةٍ لأخرى أقهقه وحيداً في زاويتي حتي يسمع الجيران، أو أدمع وأتنهّد عاصراً طفولة العرب عبر الكتاب الذي يجعلك تتلمّس فلسطين التي أخرجت من رحمنا عجينة من دماءٍ وطين وصارت حدودها الأرض. لا تسألوني بعد اليوم أين تقع فلسطين. إنّها تقع في العالم وحدودها العالم وهي على صورة عبد الباري “تركت الأمكنة بإتّجاه الليل” لكنها حاضرة ومشرقة في الأمكنة كلّها يتبعها العرب ويتقفّى خطاها المسلمون حتّى تعقد سبحة الخلق.

لو كان بوسعي متقاعداً  أن أحاضر في كليّة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) في لندن، أو ألتقي البروفسور ياب الذي سأل عبد الباري عطوان في العام 1980 عندما ذهب إليه لنيل الماجستير في الإعلام  ليتعلّم، كما كتب( ص 262) بصفته صحافي عربي والعرب مشهود لهم بالصراخ والتحقير وإحباط الناس إكتساب الطريقة البريطانية بالتفكير والهدوء في التعبير وخصوصاً من على الشاشات، فما كان منه أن وضع بين يدي عبد الباري الطالب لائحة من أربعين كتاباً مفروضاً على الطالب المرشّح قراءتها لإمتحانه بمضامينها قبل قبوله، فإنّني أنصح هذا البروفسور الإنكليزي بصفتي بروفسور أيضاً في الإعلام خرّيج خيمة جنوبيّة وجامعة السربون، أن يضع كتاب عبد الباري عطوان في رأس لائحته كي يتعلّم الطلاّب كيفية عصر التاريخ البريطاني والغربي والعربي وكيفية إستهلاكه وتنقيته من براثنه وتجليس سطور صفحاته السوداء التي لا تنتهي والتي دمّرت وتدمّر الأفكار والإيمان والأديان والإنسان في قيمها وبراءتها وعدالتها.

أنا مثلك قد بلغت الألف عام ، يا أخي عبد الباري، في رحلة الوعورة والشوك ورميت بمكتبتي الضخمة في أكثر من زاوية بين جنوبي لبنان وبيروت وباريس، ونشرت 25 مؤلّفاً ومئات المقالات والنصوص والأبحاث الجامعية والقصائد، وأشعر الآن وبصدق، وكأنّني لم أكتب حرفاً واحداً بعد فقد أثرتني وأسرتني ونخزت حبري وحرّضتني على تقشير نفسي في خلال قراءتي لسفرك. تنصحني زوجتي مي الدكتورة في علم النفس العيادي أن أكتب سيرة حياتي لأتخلّص من مخازن العقد الكثيرة العالقة بي والمسمّرة بشخصيتي  والباذرة لسأمي  وسوداويتي وقهري وثورتي والنقّ ليل نهار في بيتي وفي أرجاء الدنيا. لم أهضم النصح.  بعدما قرأتك صارت صفحاتك وكأنّها المكان الجديد لي الذي عثرت عليه. شعرت بالصفحة الأولى مع أنّني أدمّرها حيثما حللت، وصرت فلسطين التي عثرت عليها لطالما كتبت مئلت المرّات متسائلاً أين تقع هذه الفلسطين بعدما صارت في الأمكنة كلّها والفصول كلّها ؟

وجدتها معصورة كقارورة تاريخ مصفّى بحبر هذا الرجل عبد الباري الذي برّأ جسده وجسدي وأشهر تاريخه وتاريخي وتاريخ كلّ عربي ومسلم نظيف بالإنكليزية والعربيّة وصفّى نفسه ونفسي المتراكمة بأثقالها وأدرانها وهمومها وقصصها ونظافتها الوطنية والقومية.

بعدما قرأتك تجدني مترنّحاً بين سؤآلين: لماذا تكتب سيرتك بعد يا صبي ولماذا لا تكتب. لقد كتبت عنّي وعنّا على الأرجح. ولست أدري إن كان مراكمة الجراحات والنجاحات تنفع في عصر اللعب عفواً العولمة.

كان أبي شفيق الخوري، رحمه الله، ينهرني طفلاً ومع كلّ غياب وهو بعينٍ واحدة وبسرواله الأسود أن أحكم غلق الأبواب والنوافذ في بيتنا المنعزل في لحف جبل الشيخ في نائي الجنوب اللبناني. لم يشفق عليّ مرّةً واحدة وأنا ثالث من خمسة ذكور أن يوكل المهمة إلى غيري. أنا الأشطر في نظره. نحن في حرب مع العدو الإسرائيلي، كان يقول، ونعيش في رقعةٍ من الخطر. إطفأوا القناديل باكراً. كنت كلّما مططت عنقي ويديّ للتمكّن من شبابيك الخشب المهلهلة يرتعش جسدي الصغير خوفاً من “إسرائيل” التي بقيت نبعاً للخوف لكنّني أبقيتها مسجونةً بين قوسين في حبري حتّى الأبد مع أنّ العديد من العرب والمسلمين حرّروها ويحرّرونها من طوق القوسين حول عنقها قبل حلول زمن “صفقة العصر” بكثير، ومذ فتح محمّد أنور السادات نوافذ القاهرة عاصمة العرب على “إسرائيل” ليجعلها قاهرة هذا الزمان. ما يرضيك  ويرضيني ،في المجال ، أنّ بيروت فتحت نوافذها على “إسرائيل” بصفتها رائدة أيضاً في فتح النوافذ على مستوردات الخارج، لكن حفنةً من الشباب المقاوم المتلحّف بالجنوب وكرامة الإنسان فتحوا الستائر والنوافذ والأبواب والنيران وحرّروا الجنوب مرّتين وباتوا أرقاً وعرقاً فوق كلّ شفة ولسانٍ وجبين متعكّر ودحروا تاريخاً مرضيّاً من الخوف الجنوبي  والعربي.

 

 

 

زرت لندن في ال1975 عندما كنت أحضّر أطروحتي الدكتوراه باحثاً في” مظاهر الحداثة العربيّة”، وكان عليّ أن أزور المتحف البريطاني للإطّلاع على بعض المخطوطات، بناءً على نصيحة المستشرق الفرنسي أندره ميكال رحمه الله وهناك سجنت بسبب حماستي التي ذكّرتني بعتمة العرب في فلسطين لأخرج منها مرحّلاً إلى باريس.

كتاب ” وطن من كلمات” ل: عبد الباري عطوان تجربة شخصيّة قومية أمميّة  قويّة جدّاً وعميقة جدّاً في ظاهرها لكنها تتفتح على تجربةٍ نفسيّة تحليلية إنسانية عامّة وكليّة قويّة جدّاً أيضاً، تعود بنا الى التأمل بمحاولة قطع حبل الصرّة للعرب  بالحجر المجهول والأصابع المجهولة التي يعرفها العالم كلّه من فلسطين، وتمتدّ بنا لنتعلّق بكلّ حبل آخر في بناء الأمهات والولادات والبنات والأبناء والذكريات والأفكار والآلام التي عذّبت كلّ أبجدية في الحياة والموت والأوطان.

منذ ملايين السنين ، كان الفلاّحون في بيوتنا الريفية المبنيّة من طين ولا فلس فيها، يودعون حبال الصرّة للصبيان عند ولاداتهم في “كوّارات” الحنطة والحبوب كي يطلع الصبي مثل الفأرة كتلةً من حركةٍ لا تهداً ولا تُقهر في غزو غلال الصيف. وكانوا في العواصم المطلّة على الماء، يرمونها في مياه البحر كي يطلع الصبي مثل موج البحر لا يهدأ ولا يكلّ. كانوا وما زالوا لستُ أعلم، لكنّ الجواب: عبد الباري مخزن من الحركة الجسدية والفكرية والغلائقيّة التي لا تكلّ ولا تملّ ولا تهرم سواء في العصر القديم أو الحديث المعاصر للتكنولوجيا  مع أنّه لا يتقن التحكّم بالماوس Mouse ومشتقاتها الكثيرة.

عندما زار محمود درويش الشاعر القاطن في الذاكرات والألسن عبد الباري عطوان وكان يصدر “القدس العربي” قال له: معقول أنّ هذه الصحيفة تصدر من هذا الكهف”؟ ( ص 372)،

وعندما أستقليت التاكسي برفقة زوجتي مي جبران للقائه في لندن منذ خمسة أشهر، رحت أفكّر بهذا العربي الفلسطيني الأممي المنفيّ الدائم في الأرض وكأنّه المناضلون في شخصٍ واحد والمتظاهرون في الأمكنة كلّها ماليء الشاشات بشرايينه وأصواته العالية التي تتجاوز الحنجرة إلى الحناجر مجتمعةً، وشاغل الأنظمة ومربكها وجاذب الناس والقادر بإيمانه على الخروج من خروم الشباك، دهشت بعظمة المبنى الذي أركن السائق عربته  أمامها، وقلت في نفسي: هذا الرجل خرج من خيمة ليقطن حيّاً فاخراً في بلاد الإنكليز؟ وعندما قرعت الباب ودخلنا إليه، وجدته في إنتظارنا أسير غرفتين ضيقتين أرجعاني إلى بيتنا قبالة جبل حرمون قلت بعفوية :

معقول أن “رأي اليوم” تخرج من هذه الزاوية المتواضعة؟ ورحت بسرعة البرق كيف يمكن أن تنسج الأوطان من المكان ولو كان لوحاً من خشب.

ضحك وعرّفنا على مساعدته الوحيدة السيدة مها بربار صاحبة الوجه الضاحك من الدنيا وعليها وهي أسرة التحرير لوحدها لكنها تختزن ملامح فلسطين الأنثى القوية العظيمة.

لا أوّد أن أجرح بحبري شفافية حبرك عبد الباري المبعثر المتقلّب فوق الأزمنة المزروعة بالشوك وقد يستحيل عليّ وعلى غيري جمعك بتساوق ومنهجية فارغة مستوردة نرفدها لطلاب الجامعات. إنّه المكان العربي الأوّل الذي تبعثّر وما زالت النيران مشتعلةً فيه وفي الصدور والأدمغة تحبك الكلمات المتقاطعة والأحداث المتكرّرة فلا تقطعها وها هي الحرائق تتوزّع في الأرجاء حصاداً للمؤآمرات تصرخ بمكانٍ واحد هو القدس وفلسطين مذ أمسك أحدهم بقشّة من بين أسنانه أو قرب المذود الناصري وكتب: 1/1/1.

لربّما يفهم العرب والعالم الوجهة بعدما بانت الأرض عبرك وبعبير نصّك صديقي محشورة في زاوية من كلمات أو مخيّم أو صفحة أولى أو قصراً أو مدينة أو دنيا  سيبقى الميلاد كلمةً وموقفاً نظيفاً حتّى … ما لست أفهم بعد  .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. يالله علي هذا الوصف
    خالد الهواري مبدع بكل ماتعنية الكلمة .. اعتقد كل من قرأ هذا المقال وهذا الوصف من كاتب تتابعة عشرات الاف القراء تمني ان يعرف اكثر عن استاذة مها التي وصفها مثل شجرة وارفة تأوي اليها كل الطيور الحالمة ان تكتب وتعبر عن رأيها وتسجل مرورها علي درب الحرية

  2. انا ايضا قرات المقال
    “” هي وحدها مثل شجرة وارفة تأوي اليها كل الطيور الحالمة ان تكتب وتعبر عن رأيها وتسجل مرورها علي درب الحرية “”
    هكذا وصف المبدع خالد الهواري الاستاذة مها

  3. انا تعرفت علي شخصية الاستاذة مها بربار بدون ان اعرفها شخصيا من خلال مقال علي صفحة الاديب المصري العالمي خالد الهواري . اشاد بها وبدورها من خلال مقال كتبه عن جريدة راي اليوم وحاز علي اكثر من 4000 الاف اعجاب عن الجريدة وشخصية الاستاذة مها رئيسة التحرير
    لها مني التحية والاحترام والاعجاب بدورها . تحياتي استاذة مها

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here