بروفسور نسيم الخوري: من نبضة القلب الأولى الى تشوّهات التفّاحة المقضومة

بروفسور نسيم الخوري

كان تكوين الإنسانية الطبيعي وبلوغها العام يحصل عبر الدوائر التقليدية المألوفة أعني الأرحام والبيوت والمدارس والجامعات والمجتمعات والدول تكتنفها سبع محطاتٍ من الفطام. وصارت البشرية أسيرة سجن كوني يرميها في شهوة جامحة شاملة وعبثية تتبع حاجات التواصل، وتشهد تباعاً إنسحاب السلطات من هذه الدوائر بما يبهت المقدّس أمام فوران الغرائز وحشر الأجيال في إنسحاقهم لتقنيات العصر المدهش وتطبيقاته.

كيف؟

 

لنمهّد أوّلاً: إنّ ستيفن بول جوبز Steven Paul Jobs( 1955- 2011) 

بالتشوّهات الحاصلة لتفاحته المقضومة  المنتشرة تحت أصابع البشر في الأرض وأمام عيونهم وخطفهم في الشاشات الزجاجية التي لا تنتهي بأحجامها ووظائفها هو أدقّ من حشرةٍ في أرض الخالق. هو مبدع ضعيف صدّق نفسه بأنّه يتماهى بالخالق عندما دمغ العصر الراهن بتفاحة آدم التي قضمتها حوّاء رافعاً من شأن الحضارة الأميركية حيث التفاحة هي طريق الصحة بنوعيها )غولدن وستركين( في لغات البشر.  لكنّ ستيفن هذا يبدو وكأنّه الحاكم الأوحد للبشرية عبر الثقافة التواصلية العملاقة التي تبلع الفكر والسلوك والقرار والأفراد والشركات وحتّى الدول في عودة إلأفى مناخات آدم وحوّاء الأولى الأسطورية.

لقد بلغت البشرية مرحلة تخطّت حدود التصوّر حيث ترمى النسب والأرقام وتتوقّع بلوغ عداد المبحرين في الإنترنت الى ما يتجاوز 7 مليارات في ال2020 تظبطها 300 مليار كلمة سرّ مستحيل حمايتها من الهجمات الإلكترونية والإرهاب فلا بدّ إذن من التعريف ببصمات الأصابع والعيون تلافياً للفوضى العارمة والخراب.

من قال أنّ الدول الكبرى تبغي التنظيم وحفظ الحقوق في الدنيا؟

أنا أشكّ بنوايا زعماء وعلماء الدول الكبرى. السلاح والمال والحروب مثلث الدين الجديد في الأرض الذي يوحّد البشرية في المآسي والقبور.

ثانياً: تعتبردائرة التكوّن في الرحم القاعدة ونقطة الأرتكاز. وأهمّ ما فيها وأكثره قوّة وبلاغةً ليس تلك الهندسة الإلهية في نمو الجنين وتطوره خلال رحلته نحو العالم عبر الشهور التسع شحّاذا فقيراً أو ملكاً متوّجاً، بل هو في عمليّة التكوين أو الشهادة الكبرى التي تدمغ عظمة الخلق على صورة الله ومثاله، وهنا لا تنتهي الأسرار في ما يجهله العديد من الناس في لهوهم بالتكاثر والتنعّم بأنس المقابر.

أخبرني طبيب عربي بارع متخصّص في المجال ويعمل في الولايات المتّحدة الأميركية في موضوع تكوين الأجنّة، فقزّمني الى حدود أصغر بكثير من نملةٍ تدبّ في دنيا تتطلّب الخشوع ويقظة الإيمان والإفراط في التواضع. قال:

تصوّر أنّ لحظة التلاقح الخفيّة التي تجمع ذكراً وأنثى بنيّة الإنجاب والتي لا يمكن قياسها علميّاً، ينبثق معها ما يشابه شعاع أو برق لطيف سحري كان لا يمكن لنا رؤيته أو إدراكه أو رسمه من قبل.

تلك البرقة/الصوت صار يمكن رصدها طبيّاً وتقنيّاً ونقلها أو تصيرها على الورق.

هل فهمت ما أقصد؟ سألني.

لويت عنقي إلى الأسفل مندهشاً علامة الجهل طالباً المزيد.

قال : تلك اللحظة/ البرقة/ الصوت التي تحدث عندما تفتح فيها البويضة ذراعيها لتلقّف المنوي هي الخفقة/النبضة/ الدقّة الأوّلى للقلب في رحلة خلق الإنسان. هي الهمسة العظيمة التي تقول بأنّ أنساناً جديداً بدأ قلبه ينبض ليتكوّن هو أوّلاً ويتابع الخفقان لتكوين الأجهزة الداخلية والأعضاء الخارجية. مع كلّ خفقة خطوة جديدة نحو الحياة . تنساب تلك الضربات للقلب من دون توقّف فتروح تنسج خلايا إكتمال القلب الجهاز الأوّل بتتابع هندسي حكيم وفي محطّاتٍ شديدة الدقّة متكاملة نستطيع تقفّي خطواتها وصورها ومتابعتها أسبوعاً فأسبوع.

إنّها عمليّة رائعة تتجاوز كلّ عقل وتصوّر أو فهم وهي المؤشّر الأعظم لما نسميّه بالطاقة الإلهية التي لن نتمكّن كعلماء من تحديد عدد تلك الضربات أي مدى عمر الوليد المنتظر بعد ولادته وخروجه في العالم وصولاً الى الشيخوخة. تلك الإطلالات البشرية على عملية الخلق تجرّك من أذنيك صاغراً للإيمان بالخالق الأعظم لمن ما زال يرفع حاجبيه إلى فوق.

يمكنك أن تسمّي قطع حبل الصرّة بين الأم والوليد الفطام الإلهي الأوّل. في تلك اللحظة الثانية يبدأ عبث البشر بالمولود فيخرجوه من إكتماله الأوّل والأعظم في رحم أمّه ليبدأ رحلة التبعثر وخسارة توازنه الغذائي والجسدي وخربطة خريطة الكمال لديه كمخلوق.

تحتلّ دائرة النمو والتربية في المنزل بعد ذلك حيث الرضاعة والتغذية وخلخلة الهندسة الخاضعة للعلوم والكشوفات والتي تحمل الكثير من الخلل والعبث والتجارب المتكاملة والمتناقضة كما الإجتماعية وتشعبات القرابة والإدراك والأحاسيس والنطق ونقل القيم والأفكار. إنّ اللحظة الأقسى في هذه الدائرة هي الفطام عن ثديي الأمّ وحليبها أو ما أعرّفه بالفطام الثاني.

يليه الفطام الثالث عندما يغادر الأطفال أحضان ذويهم ومنازلهم نحو دور الحضانة، ومعه نرى الأهالي يتسمّرون دامعين يودّعون أطفالهم عند أبواب الحضانات والعديد منهم يصرخون مصدوماً من هذا الفطام القاسي في الرحلة الإجتماعية الجديدة.

تتوسّع مدارك الأطفال في الترقي من الحضانات الى المدارس بمراحلها الدراسية المختلفة حيث تخفّ حدّة الفطام الرابع وفقاً للأربطة بين الحياة المنزلية والحياة المدرسية إذ يدخل الأولاد صفوفاً يتدرّجون فوق سلالم التعلم والتمييز بين الخير والشرّ والصح والخطأ وصولاً إلى ما يمكن تسميته بالفطام الخامس الممتع واللذيذ حيث التهيّب للحياة الجامعية الحافلة بمشاعر الرجولة والإستقلالية وتحقيق الذات والحرية في القول والسلوك.

بعد سنوات التخصّص والدراسات العليا تحلّ مرحلة مغادرة الأحرام الجامعية حيث يعتبر هذا الخروج أو التخرّج الفطام السادس الأقسى والأمتع عندما تتراكم هموم الدنيا والمستقبل المهني حيث الإنخراط الأكبر في المجتمعات بهدف الإنتاج والعمل والإستقلال والإبداع والزواج والتناسل وصرف ما تبقّى من ضربات القلب المحسوبة إذ يحضر الموت أو الفطام السابع الأشدّ قساوةَ وعظمةً.

ثانياً:  من المولود بصورته الأولى في حضن أمه وسبابته فوق مواقع التواصل إلى تهافت البشر لحجز المواقع والنوافذ الإلكترونية أو Land  claim  ، يكفي إبتكار فكرةً أو مشروعاً وحجز نوافذ ومواقع يسميه، يتّصل عبرها ويحيا في حقائق واقعية وخيالية مذهلة وفي نيته سلطة لامتناهية يحتلّ بها الكرة الأرضية.

 بهذه الصورة، نستعيد تاريخ أميركا بعدما اكتشفها كولومبوس، حيث كان يكفي لأيّ عابر فوق حصان وبيده بندقية إحتلال قطعة أرضٍ لتصبح ملكه وميداناً ينطلق منه في تحقيق سلطاته ومراميه ومصالحه وحضوره العالمي.

نعيش اليوم جميعاً في الفضاء نتواصل ويغمرنا الفطام الكوني الذي يعزّز عبر التواصل تراكمات القطيعة الهائلة بين القديم والجديد والحديث والمعاصر ويجمّل الأزمات والفردانيات والوحدانيات وتفريغ الموت من مضامينه. تتماهى الأجيال بالوسائل والصور السريعة الإندثار لتصبح محكومة بالصفات عينها، وخصوصاً لذة الإضمحلال وطغيان المعاصرة والإنتحارات البطيئة والساخنة وكلّها تحقيق لوحشية لـلإنتاج والاستهلاك. يتمّ تبادل الأدوار بين الأجيال فيذوي كلّ الفكر المبني على المعرفة بهدف إمتلاك الخبرة ونرى الدنيا مأخوذة بحواسها الخمس تقيم في رؤوس الفئران(ماوس) أو الأصابع( السبابات).

إنّ القليل من المعرفة مع الكثير من الخبرة هي القاعدة الأمثل لترسيخ الفطام العالمي الإنساني وتأكيد فكرة ضياع الحضارة أو موتها قبل البلوغ.

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه في علوم الإعلام السياسي والإتصال

Drnassim@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here