برنامج “أمير الشعراء” يتألق في موسمه الثامن

أبوظبي  ـ عدنان حسين أحمد

أُختتمت الحلقة الخامسة والأخيرة من أماسي المرحلة الأولى مراحل برنامج “أمير الشعراء” في موسمه “الثامن” الذي تنظمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي، وتبثه على الهواء مباشرة من مسرح “شاطئ الراحة” قناتا “بينونة” و “الإمارات”.

تضمنت الحلقة الخامسة أربعة شعراء وهم السعودي سلطان السبهان،  والسنغالي محمد الأمين جوب، والسودانية دينا الشيخ، والإماراتية منى القحطاني، حيث قرأوا قصائدهم الجميلة وكانت كلها، ويا للمصادفة، على البحر البسيط ووزنه المعروف ” مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ /  مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ” فتقدّم الشاعر سلطان السبهان على زملائه الثلاثة بحصوله على47 درجة بقرار اللجنة، منتقلاً بذلك إلى المرحلة الثانية التي ستبدأ مساء يوم الثلاثاء القادم. فيما حصل جوب على 46 درجة، ومنى حصلت على 44 درجة، أما دينا فقد حصلت على 41 درجة ليبدأ هؤلاء الشعراء الثلاثة رحلة القلق التي تستمر أسبوعاً كاملاً بانتظار تصويت الجمهور لهم، سواء عبر الموقع الإلكتروني لـ”أمير الشعراء”، أو من خلال تطبيقه الإليكتروني.

مراودة الشعر

كانت الشاعرة السودانية دينا الشيخ هي أولى المتباريات التي قرأت قصيدة “فُصْحى المَاء” ونالت استحسان الجمهور وأعضاء لجنة التحكيم حيث أكدّ الناقد الدكتور صلاح فضل بأنّ “دينا دينا تراود الشعر من أقصى مسافاته كأنه حوار بين آدم وحواء”، ونظرًا لأهمية هذه القصيدة البليغة نقتبس منها الأبيات الأربعة الأولى حيث تقول:

” في عزلةِ النُّورِ لا ماءٌ ولا أثرُ           ولا مسيحٌ ببابِ الوقتِ يُنتظرُ

يُراقبُ الكونَ في أَقصى المجازِ دمِي     وثمَّ آدمُ في الجنَّاتِ يستتِرُ

تفاحةٌ أَغرتِ الأَقدارَ مُذ قُطِفت     الحزنُ تأويلُنا والذّنبُ مبتكرُ

اهبطْ،هبطتُ إِلى دهرينِ من وجعٍ    يرمِّمُ الضّوءُ ظلِّي ثُمّ أنكسرُ”

نوّه الدكتور صلاح فضل إلى أن الشاعرة دينا وظّفت أساطير البيئة وتألقت فيها لكنها من جانب آخر أغرقت نصها الشعري برؤية مضببة وخاصة في البيت الآتي  الذي تقول فيه: “تأخّرتْ عن مرايا الحالمينَ رؤى/ وهدهدٌ مُجْهدٌ يشتاقه السّفرُ”. وعلى الرغم من هذه الملحوظة النقدية إلاّ أنّ الدكتور فضّل أشاد بسلاسة قصيدتها، وببلاغة صورها الشعرية، وقدرتها الواضحة على توظيف محكيات التراث الشعبي السوداني.

أما الدكتور علي بن تميم فقال إن النص ذو نزعة صوفية حيث بدأت الرحلة من الفردوس، مرورًا بغواية التفاحة، وانتهاءً بالمسيح المُنتظر، ورأى أن صدر البيت”اهبطْ، هبطتُ إِلى دهرينِ من وجعٍ” كان إيذانًا بلحظة الهبوط من الجنة وبدء المعاناة البشرية التي ستجد حلّ معضلتها بالشعر أو بالإبداع عمومًا. تساءل بن تميم عن “العجوز″ في البيت الذي تقول فيه الشاعرة:”مرّتْ عجوزٌ على أَيَّامِ غربَتِهم/ قالتْ إليِّ، فعنديْ الوحيُ والخَبَرُ” كما رأى في “الهُدهد” و “الكهف” رمزين نافرين لا يتسقان مع طبيعة رحلة البحث عن التسامح. واختتم بن تميم رأيه بالقول: ” بالرغم من أن عنوان القصيدة “فُصْحى المَاء”، والماء لا طعم له، ولا رائحة، ولا لون، إلا أنه ذاق طعم القصيدة، وشمّ رائحتها، وتحسس لمستها”.

تعتبر ملحوظة الدكتور عبدالملك مرتاض مهمة جدًا لأن تشخيصه انطلق من خلفية النص الشعري حين قال:”تبدو هذه القصيدة مثقفة لأنها عبّقت بشذا التراث الديني من بوابة القرآن العظيم، من خلال استحضار قصة آدم وحواء، وقصة الهدهد مع سليمان، وقصة سفينة نوح وألواحها ودُسُرها”. وأعرب مرتاض عن إعجابه بالقصيدة لأن الكثير من أبياتها ” تشتمل على صور فنية، أنيقة، ورشيقة، وجميلة” ولعل اعتراضه الوحيد كان منصبًا على استعمال الفعل المحيّر “هاءَ” من قِبل الشاعرة ورأى فيه شيئًا من التكلّف والقلق والنشاز وكان بإمكانه أن يستفسر من الشاعرة عن معنى هذا الفعل كي تفكّ اللبس، وتزيل الغموض لكنه لم يفعل ذلك وترك الفعل يمعن في دائرة الغموض.

أمراء الكلام

ثمة انسيابية غير معهودة في قصيدة “مرابطونَ على سُورِ الجَمَال” التي أشادَ بها الدكتور بن تميم، كما لفت الانتباه إلى موضوعها الذي يتمحور على “الشِعر والجمال” وكأنّ هذه الرمزين صنوان لا ينفصلان. لنمعن النظر في الأبيات الثلاثة الأولى التي يقول فيها الشاعر السعودي سلطان السبهان:

” لم نعرف الدّار لم نقرأ بها أثرا               متيّمون بما قد غادر الشعرا

نسقي بماء المعاني كلّ من وردوا             بئر الكلام وعادوا للظّما أُسرا

ومتعبون نجرّ العزم في دمنا                     يا ربّ إنّا لمّا أنزلته فُقَرا”

انطلق بن تميم من عنوان القصيدة فقال إن هؤلاء المرابطين هم الشعراء أو “أمراء الكلام”. كما توقف عن المستويات المتعددة في بناء القصيدة التي تبدأ من عنترة بن شدّاد، والنبي موسى، وتمرّ بالخضر، والسندباد، وتنتهي بأمرئ القيس. واستحسن بن تميم قول الشاعر:”أهدتْ لنا أمُّ موسى جمْرَ لوعَتِها / وَلمْ نَزَل في ظُنونٍ نتْبَع الخَضِرا” واعتبره بيتًا شعريًا جميلاً لأن الشاعر صهر بين “جمر اللوعة وأفق التوقعات في قصة الخضر”. وبما أنّ القصيدة تُدين التشدّد الديني فقد توقف بن تميم عند بيت شعري مهم يقول فيه أمير الكلام:”لمْ يُمسِكوا غيرَ شكٍّ أوقدوه لكمْ / إنَّ الحقيقةَ شكٌّ مؤلمٌ كبُرا” حيث يرى الناقد أن هذا البيت فيه “تمرّد رائع على احتكار الصواب، وادعاء الحقيقة المطلقة، ويميل إلى النسبية في الفهم، والتي تفضح المتشددين الدينيين الذين يمقتون المرابطة على الجمال، مفضلين المرابطة على القبح والبشاعة”.

أما الدكتور عبد الملك مرتاض فقد أشار إلى جمال مفردة “كَبُرا”، والتي تنطوي على ما هو محجوب، ومسكوتٌ عنه، فكأنّ الشاعر يومئ إلى قوله تعالى “كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”. وأشاد مرتاض بالجهود الكبيرة التي بذلها الشاعر في كتابة نصه الشعري وكأنّ مبدعه “ينحت من صخر”، لا بمعنى الصعوبة، وإنما بمعنى الكدّ والجهد الكبيرين اللذين يبذلهما الشاعر في كتابة قصيدته التي تستوحي مجموعة من القيم والآثار والموروثات الدينية والأدبية التي تُغذّي ذاكرة المثقفين الجمعية. كما التفت إلى جمالية البيت الذي يقول فيه السبهان: “مَن واجهوا صفحةً بيضاءَ تهزِمُهُم / حيناً، وحيناً يُسيلونَ المدى صُوَرا” معتبرًا هذا البيت أجمل أبيات القصيدة قاطبة. فيما أكد صلاح فضل بأن السبهان “معجون بلغة القرآن الكريم، وباللغة التراثية المفعمة بعطر الأقدمين”. لكنه انتقد محدوديته الثقافية، فالقصيدة العظيمة ينبغي  أن يحضر فيها أثر الفنون القولية وغير القولية، وتساءل الناقد مستفهمًا من المتنافسين الأربعة إن كانوا يقرأون الروايات، ويحضرون الأعمال المسرحية، ويشاهدون الأعمال التشكيلية أم لا يفعلون كل ذلك مكتفين بالتماعات الموهبة، وما تجود به القرائح! لا تقل الملحوظة الأخيرة أهمية عن سابقتها حين قال بأن السبهان يرتد إلى الماضي، بينما يتوجب عليه أن يمتدّ إلى الحاضر، ويعانق المستقبل كي لا يخسر تجليات هذا المثلث الزمني المترابط الذي يغذي بعضه بعضًا مثل الأواني المستطرقة.

سيرة شقيّة

لابد أن يثير الشاعر السنيغالي محمد الأمين جوب اهتمام لجنة التحكيم والحضور وهم يستمعون إلى لغته الجميلة المنسابة، ويستمتعون بصوره الشعرية الجميلة التي احتشدت بها قصيدة “سيرةٌ أخرى لابنِ نوح” نقتطف منها هذه الأبيات الآسرة التي يقول فيها:

” يَمْشِي إلى الله طِفْلَاً لَمْ يَجِدْ لُغَتَه

وَحيثُ لا جَبَلٌ يُؤْوِي بَنَى ثِقَتَه

وَحيثُ لا حَوْلَ للإنْسَانِ

ثَارَ عَلى أقْدَارِهِ

لِيُوَارِي الْمَوجَ فَلْسَفَتَه

تَمْشِي إلى أيْنَ؟

يا هَذا على حَذَرٍ

أرَاكَ مِثْلَ نَبيٍّ

خَانَ مُعْجِزَتَه”.

أعرب مرتاض سعادته الغامرة لأن الناس في الدول الأفريقية غير الناطقة بالعربية يعرفون اللغة العربية، ويكتبون فيها الشعر والأدب، ويتعمّقون بالثقافة العربية والإسلامية، ومحمد جوب هو خير دليل لما يذهب إليه. ووصف مرتاض هذه القصيدة بأنها “تشكيل شعريّ عجيب، جمع بين جمال الشكل الشعري ونُبل الموضوع، واستلهم من القرآن العظيم. فكان موفقاً في نصّه إلى حد بعيد”.

فيما ذهب صلاح فضل إلى السطوة القوية التي تنطوي عليها كلمات محمد جوب، ووصف السيرة التي قدّمها بأنها “شقيّة وعاتية وفيها مزيج من الفلسفة والشعرية”. وذكر فضل بأن هذه القصيدة تذكره بقصيدة “ترجمة شيطان” للشاعر عباس محمود العقاد، وختم قوله بأن جوب “شاعر متمكن، وفيه شيء جميل من ذاك الشيطان”. أما بن تميم فقال بأن القصيدة تذكِّره بقصيدة “مقابلة خاصة مع ابن نوح” لأمل دنقل التي رفض فيها الشاعر ركوب السفينة وآثر البقاء في وطنه دفاعًا عنه. يعتقد بن تميم أن الإشارات القرآنية لم تخدم القصيدة، ولم تضف لها شيئًا جديدًا. وختم ملحوظاته بالقول: “، ومع أن النص جريء، وفارقٌ، ويريد مواجهة القبح بالخيال؛ إلا أنه يعجز عن استكناه شخصية ابن نوح”.

نصٌ حماسيّ

تألقت الشاعرة الإماراتية منى حسن القحطاني حين قرأت قصيدة “صولة الحق” التي كتبتها “بمداد الواقع الساخن الذي نعيشه اليوم” كما ذهب صلاح فضل مستثمرة بعض صورها الشعرية من القرآن الكريم كما في مطلع القصيدة الذي تقول فيه:” يا صَولَة الحقِّ صُوْلِي في مَرابِعنَا / ضَبحَاً إذا رَكبوا قَدْحاً إذا التهَبوا” وهي من دون شك تُحيل إلى الآية الكريمة” وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً”. كما أعرب عن جمال القرار والجواب في بيتها: “جُودٌ يُعَلِّلُنا شعرٌ يُظَلِّلُنا / هلْ للمكارمِ إلا الجودُ والأدبُ؟” لكنه انتقد المباشرة التي تمنح النص الشعري نبرة خطابية لا تُحسب لمصلحة القصيدة.

أما الدكتور علي بن تميم فقال أن النص متشح بالحماسة، وذهب إلى أبعد من ذلك حين قال بأنه “سقط سهوًا من ديوان الحماسة لأبي تمام”. ربما تكون ملحوظة بن تميم النقدية المهمة جدًا هي “أن الصوت الجهير قد أضعف أحيانًا الشعرية” إلى جانب وجود قوافٍ قلقة، لكنه توقع للشاعرة مستقبلاً شعريًا يعِد بالكثير إن هي غذّت تجربتها الإبداعية على وجه التحديد.

أما الدكتور مرتاض فقد ركّز على المشكلة النحوية وأورد مثال “بنو زايدٍ” وفضّل أن تكون منصوبة على الاختصاص لتصبح (إنّا بني زائدٍ)، لأن الأمر يتعلق بتخصيص الإمارات بشيء، وتخصيص أبناء زايد.  كما توقف مرتاض عند بعض النشاز الذي وقعت فيه الشاعرة لكنه تدارك الأمر وأشاد باشتغالها على اللغة، وقدرتها على “تطويع البحر البسيط للإيقاع الشعري فكان يتهزهز مرحاً ويرقص طرباً”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here