براء الطه: العلاقات الروسية – المصرية تاريخ عميق ومستقبل واعد

 

براء الطه

يروي المؤرخون أن أحد أحلام كاترين الكبرى هي أن تضع قدمها في المياه الدافئة حيث ساور حلم الوصول للمياه الدافئة الساسة الروس منذ زمن بعيد نظرا لمكانتها الجيواستراتيجية بالنسبة لروسية وللعالم  ، وكان للشواطئ الشرقية والجنوبية للمتوسط ، أهمية بالغة في الاستراتيجية الروسية بالإضافة لأهميتها الدينية . فهي تحتوي على أهم عقدتين استراتيجيتين في المتوسط ، هما مضيق البوسفور والذي يضمن مع الدردنيل الربط بين روسيا والبحر الأسود مع دول القوقاز  والبحر المتوسط ، والعقدة الثانية هي قناة السويس التي تربط المتوسط مع البحر الأحمر والمحيط الهندي . وبحسب نظرية ألفريد ماهان في القوة البحرية ، فإن العامل الجغرافي الأهم المؤثر في قوة الدولة يكمن في طول السواحل والموانئ التي تسيطر عليها ، وبالتالي فإن الموقع البحري المناسب ، من شأنه أن يعطي تفوق سياسي واقتصادي ، ويمكن أن يكون له اليد العليا في ترجيح إحدى كفتي أي صراع عالمي .

وحسب نظرية ” Heart Land ” لِـ -هالفورد ماكندر- فإن أهمية البحر المتوسط ترجع لتوسطه -الجزيرة العالمية- وبالتالي فإن السيطرة عليه تعني بشكل حتمي السيطرة على العالم .

يقول فلاديمير بوتين ”مصر شريكنا القديم والموثوق في منطقة الشرق الأوسط ”

تعود أهمية الموقع الجغرافي لمصر – إضافة لكونها إحدى الدول المشاطئة لجنوب شرق المتوسط – كذلك فهي تشكل رأس زاوية تتلاقى فيها طرق الشرق والغرب ، بإطلالتها على بحرين داخليين يمتد أكبرهما إلى المحيط الأطلسي و مناطقه الباردة ، بينما يمتد الآخر إلى المحيط الهندي ومناطقه الحارة ، وهو ما جعل منها إحدى أهم حلقات الربط بين القارات الثلاث الآسيوية و الأفريقية و الأوروبية .

من ناحية أخرى ، ولكونها دولة إفريقية ، وجزء منها يقع على قارة آسيا ، فقد صنفت كدولة عابرة للقارات ، وهو ما ساعد في التأثير على توجهها الجغرافي ، فرغم أنها أفريقية إلا أنها تاريخيًا كانت ذات توجه آسيوي .

وبسبب قربها من السواحل الأوربية ، فقد تعززت صلاتها مع دول تلك القارة ، وما زاد من اهتمام تلك الدول بمصر هو شق قناة السويس التي قصرت المسافة بين الشرق والغرب ، وأصبحت الطريق البحري الأقصر بينهما .

حديثا أصبحت مصر مركزًا مهمًا لثلاث عوالم نامية بحكم موقعها ، فهي قلب العالم العربي ، ومن أهم مراكز العالم الإسلامي ، ومركز رئيسي في العالم الإفريقي ، وإحدى الركائز الثلاث للشرق الأوسط مع إيران وتركيا .

كل ذلك حتم على مصر ، أن تكون إحدى القوى الفاعلة في المنطقة ، ومركز جذب لمختلف القوى العالمية .

ترجع أولى الوثائق المكتوبة عن وجود الروس في وادي النيل إلى بداية القرن الحادي عشر ، وتحديدًا في العام 1002 ، عندما قام الراهب دانييل رسولاً من أمير كييف فلادمير ، برحلته الدينية نحو الشرق إلى فلسطين مرورًا بمصر .

زاد الاهتمام الروسي بمصر في عهد كاترين الثانية ، بعد أن أصبحت روسيا دولة تطل على البحرين الأسود والمتوسط ، بفضل سيطرة قواتها على شبه جزيرة القرم . وأدى تواجد أسطولها البحري في حوض المتوسط إلى زيادة تقاربها مع مصر .

و كان النصف الثاني من العام 1784 ، شاهدًا على إنشاء أول قنصلية روسية في الشرق العربي في مدينة الإسكندرية ، بقرار من كاترين الثانية ، عقب توقيع اتفاق السلام كوتشوك – كارينارجا مع الدولة العثمانية .

وفيما بعد أصبحت العلاقات المصرية الروسية في تلك الحقبة أكثر تميزًا ، إلا أنها كانت غالبًا من خلال البوابة العثمانية ولم تكن كالعلاقات مع دولة مستقلة ، مراعاة لاعتبارات أخلاقية وأدبية تجاه السلطات العثمانية , مع دعمها توجهات الشعب المصري للحصول على استقلاله عن السيطرة التركية والبريطانية. ونتيجة للدور الكبير الذي لعبه سفير الإمبراطور الروسي ومبعوثه الخاص  ”الكسي سميرنوف” ، كان باستطاعة مصر الحفاظ على القرار السياسي الذاتي المستقل في إطار الإمبراطورية العثمانية ، حتى نشوب الحرب العالمية الأولى .

وبعد نجاح ثورة 1919 في روسيا ، وقيام الاتحاد السوفياتي ، أعلنت الحكومة السوفيتية تخليها ورفضها الحازم للممارسات الاستعمارية للقيصرية الروسية ، وكشفت عن الاتفاقات الخاصة باقتسام العالم بين دول الوفاق الثلاثي ( إنكلترا , فرنسا , روسيا )،  ووجهت نداء إلى شعوب العالم المضطهدة ، من أجل إسقاط محتليهم ومستعبديهم .

لذلك كانت المواقف السوفيتية إيجابية تجاه ثورة 1919 في مصر ، فقد أرسل لينين قائد الثورة البلشفية إلى الزعيم المصري سعد زغلول قائد ثورة 1919 ، رسالة في مارس/ آذار 1919 ، عبر فيها عن دعمه للثورة المصرية ، وعرض مساعدته للشعب المصري في مقاومة الاستعمار البريطاني

أيضًا تشكلت في روسيا الأممية الشيوعية ، وحملت على عاتقها مهمة التسريع في تشكيل الأحزاب الشيوعية وإنشاء التنظيمات الثورية .

تأسس الحزب الاشتراكي المصري في العام 1921 ، واستطاع صياغة برنامج موضوعي مبسط للنضال اليومي للعمال والفلاحين ، ليغير اسمه بعد عام من تأسيسه إلى الحزب الشيوعي المصري ، وتم تمثيله في المؤتمر الثالث للكومنترن بوفد من عنصرين لهما حق التصويت غير الملزم وتم الاعتراف به كشعبة في الكومنترن .

وتعتبر الفترة الممتدة بين عامي 1921 – 1924 أكثر الفترات خصوبة ونشاط للحزب الشيوعي المصري .

وليبدأ تضييق الخناق على الحزب وأعضاءه ، حتى قيام ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952 .

وفي أكتوبر 1923 ، صدر عن الحكومة المصرية ، قرار بعدم الاعتراف بالقنصلية الروسية السابقة على الثورة البلشفية .

في عام 1939 ، اتخذت الحكومة المصرية برئاسة علي ماهر  ، قرار إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي السابق ، والتي بدأت بالفعل في 26 أغسطس 1943 . وشهدت تغيرات جذرية على الصعيدين الداخلي والخارجي ، وجاءت أولى خطوات التعاون المصري –  السوفيتي بتوقيع أول اتفاقية اقتصادية ، حول مقايضة القطن المصري بالحبوب والأخشاب من الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت .

تسببت نكبة 1948 واحتلال فلسطين من قبل الكيان الصهيوني ، إلى تغييرات كبيرة في الشرق الأوسط ، وكانت السبب الرئيسي في قيام ثورة 23 يوليو 1952 في مصر على الحكم الملكي ، والتي أدت للإطاحة بالملك فاروق .

ورغم تأييد موسكو لسقوط الحكم الملكي في مصر ، إلا أن

زعيم الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين تعامل مع ثورة 23 يوليو على أنها انقلاب عسكري تقليدي ، كغيره من الانقلابات التي تشهدها المنطقة – بناء على تقديرات ”خاطئة” – أرسلت من قبل السفير السوفياتي في مصر دعمها الحزب الشيوعي المصري .

وما عزز هذه النظرة السوفياتية ، هو تعيين السلطات الجديدة ، لـِ – عزيز باشا المصري – والمعروف بميوله النازية ، سفيرًا لمصر في الاتحاد السوفياتي .

ولكن التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط ، أدت إلى حدوث تقارب بين الاتحاد السوفياتي و مصر ، ظهر جليًا في عام 1954 ، حين مارس الاتحاد السوفييتي وللمرة الأولى  (الفيتو) لصالح العرب ، عندما دعا مجلس الأمن مصر لرفع القيود المفروضة على مرور بعض السفن التجارية عبر قناة السويس‫.

و عزز هذا التقارب صفقة الأسلحة التشيكية 27 سبتمبر 1955 ، ( رغم التحذيرات الغربية للاتحاد السوفياتي بعدم التدخل في شؤون الشرق الأوسط ) الناجحة جدًا ، والتي كسرت الحصار المفروض على مصر لتعزيز القدرات العسكرية للجيش المصري ، وفتحت الأفق أمام الاتحاد السوفيتي لتوسيع نفوذه في الشرق الأوسط .

تسارع تطور وتعزيز العلاقات المصرية السوفياتية في مختلف الأحداث التي شهدتها مصر ، فساند الاتحاد السوفيتي القرار المصري بتأميم قناة السويس ، وكان له موقف حازم من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والذي أعقب عملية التأميم ، حيث هدد الزعيم السوفيتي آنذاك – نيكيتا خروشوف –  الدول المعتدية (إسرائيل وبريطانيا وفرنسا) بالسلاح النووي ، وهو ما أوقف العدوان ، وأرغم بريطانيا وفرنسا على سحب قواتها .

كذلك ساعد الاتحاد السوفييتي – مصر – في تشييد السد العالي 1960 – 1968 ، أحد أهم المشروعات القومية المصرية .

 وشهدت الزيارة التي قام بها خروشوف إلى مصر ، لحضور احتفال تدشين المرحلة الأولى من بناء السد العالي ، تقليده وسام بطل الاتحاد السوفياتي ، للزعيم جمال عبد الناصر .

وبعد انفصال مصر وسوريا ، دفع الاتحاد السوفييتي في اتجاه إعادة التقارب بينهما ، فكان وراء توقيع ميثاق الدفاع السوري – المصري في نوفمبر 1966.

ومع اندلاع “العدوان” الإسرائيلي على مصر 1967 ، استخدمت موسكو لأول مرة الخط الساخن مع واشنطن ، مهددة بالتدخل في حال لم يتوقف العدوان ، وقطعت علاقاتها بالكيان الصهيوني ، وتقدمت بمشروع قرار لمجلس الأمن لوقف النار . وبعد توقف العدوان ، سارع الاتحاد السوفياتي إلى تعويض الدول العربية (مصر ، سوريا ، العراق ) فوراً عن الخسائر العسكرية بسلاح أكثر تطور ، كما أصدر زعيم الاتحاد السوفيتي -ليونيد بريجنيف- قرارا بإرسال حوالي 10 آلاف خبير ومستشار عسكري إلى مصر ، وساندت موسكو القاهرة عسكريا خلال فترة حرب الاستنزاف ، وساعدت في بناء شبكة من الدفاع الجوي لتأمين العمق المصري منتصف عام 1970. بالمقابل ، أعطى جمال عبد الناصر تسهيلات للأسطول السوفياتي في ميناءي بور سعيد والإسكندرية.

ساهم الخبراء الروس في إنشاء مؤسسات إنتاجية ، كمصنع الحديد والصلب بحلوان ، ومجمع الألومنيوم (في نجع حمادي جنوبي مصر) ومد خطوط التيار الكهربائي من أسوان (جنوبا) إلى الإسكندرية (شمالا) ، وساهم الخبراء الروس ، في إنشاء مفاعل إنشاص (دلتا النيل) للبحوث النووية .

وبعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر عام 1970 ، وتولي سلفه أنور السادات رئاسة مصر ، شهدت العلاقات المصرية – الروسية فتور وتوتر ، وكانت سياسته تهدف إلى تعزيز علاقاته بالولايات المتحدة ، لقناعته أن أوراق الصراع مع إسرائيل في اليد الأمريكا .

فأصدر قرار بطرد الخبراء الروس ، الذين كانوا يعملون في مصر ضمن التعاون الاستراتيجي والعسكري ، الذي بدأ في عهد الزعيم جمال عبد الناصر ، دون توجيه الشكر إلى مجهوداتهم في إعادة بناء الجيش المصري.

انقطعت العلاقات تماما بين مصر والاتحاد السوفيتي ، وكان ارسال السادات قوات لدعم نظام القاعدة في أفغانستان ومواجهة القوات السوفياتية عام 1979 ، سبب إضافي لتوقف العلاقات بين الجانبين ، وبعد عام واحد ، قرر السادات مقاطعة دورة موسكو الأولمبية تضامنًا مع أفغانستان.

عادت العلاقات بين الطرفين بعد تولي محمد حسني مبارك الرئاسة المصرية ، عقب اغتيال أنور السادات 6 أكتوبر 1981 ، لكنها لم ترتقي إلى المستوى المطلوب

كونه لم يكن راغبًا في خسارة ”العلاقات الخاصة” مع الولايات المتحدة ، بسبب المعونة الاقتصادية الضخمة التي تمنحها واشنطن للقاهرة منذ عودة العلاقات بين البلدين عام 1974 .

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991، كانت مصر فى مقدمة الدول التى أقامت علاقات دبلوماسية مع روسيا الاتحادية ، وتطورت العلاقات السياسية بين البلدين لكنها لم تكن بالمستوى المطلوب ، بسبب حالة الضياع التي كانت تعاني منه السياسية الخارجية الروسية ، وإعطاءها الأولوية الأكبر لترتيب البيت الداخلي.

فى عام 1997 زار مبارك روسيا ليوقع بيانًا مشتركًا وسبع اتفاقيات تعاون فى مجالات مختلفة ، فضلًا عن اتفاقية تصنيع مشترك للطائرات التى استلمت مصر دفعة منها أواخر 1998.

ومع ترتيب البيت الداخلي الروسي ، وانتهاج سياسة خارجية مستقلة والاقتراب فيها من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، وبعد وصول بوتين إلى السلطة في 14 أغسطس 2000 ، قام بوتين بالاتصال بالرئيس المصري حسني مبارك هاتفيًا ، وهو ما كان أول ” اتصال مباشر ” بينهما ، وفي أبريل 2001 زار – مبارك – موسكو ، ووقع على اتفاق ” طويل الأمد لتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية , في المجالات الصناعية والعلوم والتعاون التقني ” ، بالإضافة إلى توقيع اتفاق ” إعلان مبادئ حول علاقات الصداقة والتعاون بين الطرفين ” .

في القاهرة سبتمبر 2004 ، وقع سيرغي لافروف على ” بروتوكول تعاون استراتيجي وحوار بين وزارتي الخارجية ” .

و شهد العام 2005 زيارة للرئيس الروسي بوتين إلى مصر ،  و هي الأولى من نوعها منذ أربعين عاما ، وجرى فيها التوقيع على بيانٍ  حول ” تعميق العلاقات الودية ” ، و وهو ما أكد على ” الطابع الاستراتيجي ” للعلاقات المصرية الروسية .

وفي نفس العام ، زار بوتين مجلس جامعة الدول العربية في أول زيارة من نوعها من قبل زعيم روسي ، واعتمد المجلس السفير الروسي في مصر مفوضاً ممثلاً في جامعة الدول العربية .

وقع البلدان اتفاقات تعاون ثنائية في مجالات التعليم والعلوم والطاقة ، بما في ذلك الاتفاق الذي وقع في 8 مارس 2005 فيما يتعلق بالتعاون بين مصر وروسيا في صناعات محددة مثل تجارة الطاقة النووية .

وبلغت قيمة  الصادرات المصرية إلى روسيا 77.4 مليون دولار عام 2005 ، بعد أن كانت نحو 2.9 مليون دولار فى عام 1999 .

وفي العام 2009 ، في عهد الرئيس ديمتري ميدفيدف تم التوقيع على اتفاق المشاركة الاستراتيجية بين البلدين .

وتعد السوق الروسي من اكبر الأسواق السياحية الوافدة للأماكن السياحية المصرية ، فقد بلغ عدد السياح الروس في العام 2010 الوافدين إلى مصر  ، 2.8 مليون سائح .

بشكلٍ عام ، شكلت الأزمات التي أحدثها الربيع العربي عام 2011 ، فرصة سانحة لروسيا لتعزيز نفوذها ، ومحاولة ملئ الفراغ الذي تركه التراجع الأمريكي عن المنطقة ، سعيًا منها لإعادة توازن القوى العالمية ، معتمدة في ذلك على تعميق علاقاتها بين الدول المحورية الثلاث ، مصر و إيران و تركيا .

وكان لتوتر علاقاتها مع أوروبا ، نتيجة للتدخل العسكري في أوكرانيا ، والسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم ، سبب رئيسي بالإسراع في تعميق العلاقات مع دول الشرق الأوسط ومن بينها مصر ، فكان لابد من التوغل في شرق وجنوب المتوسط لتطويق أوروبا جنوبًا ، و بالتالي إخراج الدرع الصاروخي من وظيفته الموضوع أساسًا لـِ ”لجمها” . و لتمنح نفسها هامشًا أكبر في التفاوض مع أوروبا ، كونها ستصبح محور رئيس تتقاطع معه المصالح الأوروبية في المنطقة .

وبعد تنحي الرئيس المصري حسني مبارك تحت ضغط الشارع المصري و الدول الغربية ، وانتخاب محمد مرسي ”ذي الخلفية الإخوانية” رئيسًا ، لم تشهد العلاقات بين مصر وروسيا تغيّرات خلال العام الذي أمضاه في سدة الرئاسة ، فزار روسيا مرة واحدة ، وكان يسعى لزيادة التعاون وتعزيز العلاقات مع ما وصفه ”صديق قديم ووفي”.

وبعد الإطاحة بمرسي في يوليو 2013 ، وما رافقه من تدهور في العلاقات مع الولايات المتحدة ، برز بالتأخر في إرسال شحنات الأسلحة لمصر ، وحجب المساعدات العسكرية عنها ، استغل الروس الانزياح الأمريكي لتبدأ العلاقات المصرية الروسية بالتحسن .

ففي 14 نوفمبر 2013 ، زار وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان مصر رسميًا ، والتقيا فيها وزير الدفاع المصري آنذاك عبد المفتاح السيسي ووزير الخارجية نبيل فهمي ، فيما سمي بلقاء “2+2”.

وفي 2014 ، كان فلادمير بوتين أول من شجع عبد الفتاح السيسي للترشح في الانتخابات الرئاسية ، وبعد فوزه في الانتخابات ، أخذت العلاقات الروسية المصرية بالتحسن أكثر فأكثر ، وانعكس ذلك على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية .

وعلى الصعيد السياسي ، وفي ظل اضطراب العلاقات مع الولايات المتحدة ، سعت مصر إلى إعادة توزيع البيض في السلل التي تتيح تحقيق مصالحها داخلياً  وإقليمياً ، وكانت روسيا من خلال التجربة المصرية القديمة والسورية الحديثة ، النافذة التي تستطيع مصر من خلالها أن تحقق مصالحها وتعزيز مواقفها ، بالتزامن مع رغبة روسية بالتوغل في منطقة الشرق الوسط .

فبعد وصول الرئيس السيسي إلى السلطة ، بلغ عدد اللقاءات مع الرئيس الروسي بوتين أكثر من 9 زيارات ، كان لها الفضل في تعزيز شرعية السيسي الدولية .

إلى ذلك تتشارك روسيا ومصر ، رؤية موحدة تقريبًا في الملفات الإقليمية السورية والليبية وحتى اليمنية .

و يتفق كل منهما على خطورة الحركات الإسلامية المتشددة على أمنهما القومي ، وضرورة تعزيز التعاون بينهما في مجال مكافحة الإرهاب . و تسعى كل منهما ، إلى تحقيق تسوية في القضية الفلسطينية ، على أساس القرارات الدولية ذات الصلة ، بعيدًا عن الرؤية الأمريكية في تلك الملفات .

تحسنت العلاقة الاقتصادية بين مصر وروسيا بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة ، فقد أصبحت روسيا ضمن أكبر الشركاء التجاريين لمصر ، وبرز ذلك من خلال نمو  التبادل التجاري بين مصر و روسيا خلال عام 2018 ، مقارنة بالعام 2017 ليبلغ 7.66 مليار دولار ، و ارتفعت الصادرات المصرية إلى روسيا بمعدل 4.1% خلال عام 2018 ما قيمته 526.4 مليون دولار ، وأيضًا على صعيد المشاريع المتفق على تنفيذها بين جانبين ، فقد قدم الجانب الروسي قرضًا لمصر بقيمة 25 مليار دولار لتمويل إنشاء وتشغيل محطة الضبعة النووية بأجلٍ قدره 22 عاماً ، بفائدة 3 بالمئة سنويًا .  إضافة إلى مشروع المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ، و إنشاء منطقة تجارة حرة بين مصر والاتحاد الاقتصادي الأوراسي ، وكذلك صفقة تمويل وتوريد 1300 عربة قطار لتطوير قطاع السكك الحديدية في مصر ، وبحث خطوات التصنيع المشترك لهذه النوعية من العربات ، وعلى الرغم من التقارب السياسي بين الطرفين ، إلا أن العلاقات الاقتصادية ماتزال ضعيفة مقارنة بالعلاقات السياسية .

تضرر القطاع السياحي في مصر ، بعد حادثة سقوط الطائر الروسية شمالي سيناء 2015 ، جراء اعتداء ارهابي ، أدى لوقف روسيا الرحلات السياحية إلى المنتجعات على شواطئ البحر الأحمر في مدينتي شرم الشيخ والغردقة . فتوقف الحركة السياحية بين البلدين في العام 2016 بعد أن بلغ في 2014 – 3.1 مليون – سائح روسي ، ورغم ذلك تسعى السلطات المصرية لإعادة الزخم إلى هذا القطاع ، في ظل وعود روسية ، باستئناف الرحلات المباشرة في 2020.

على الصعيد العسكري ، فبعد تجميد الإدارة الأميركية في 2013 صفقة الطائرات المقاتلة  “أف- 16” ، و مساعدات اقتصادية بقيمة 260 مليون دولار ، اتبعت مصر سياسة تنوع مصادر العتاد العسكري ، مما أتاح لروسيا الفرصة في تعزيز العلاقات مع مصر ، فعقدت منذ العام 2013 عدة صفقات عسكرية ، بلغت قيمتها أكثر من 6.5 مليار دولار ، و تنوعت بين المدرعات والمشاة والدفاع الجوي والقوات الجوية ، كان آخرها صفقة الـ 20 طائرة مقاتلة من طراز سو-35 ، والتي من المتوقع أن يتم تسليمها هذا العام أو العام القادم ، رغم التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية على مصر .

من ناحية أخرى  قامت القوات الروسية والمصرية في سبتمبر 2017 ، بتنفيذ مناورات عسكرية عرفت باسم ”حماة الصداقة” ، والتي تزامنت مع وقف مناورات “النجم الساطع” ، بين مصر والولايات المتحدة بعد أزمات الربيع العربي ، سبقها في وقت لاحق من نفس العام حسب تقرير نشرته وكالة رويترز ونفته كل موسكو والقاهرة ، عن انتشار لبعض وحدات القوات الخاصة الروسية بإحدى القواعد العسكرية في منطقة سيدي براني المتاخمة للحدود الليبية ، فيما تحدثت بعض الأنباء غير الرسمية عن وجود اتفاق روسي مصري لاستئجار قاعدة سيدي براني الجوية واستخدام ميناءها البحري .

وفي نفس العام ، جرى توقيع اتفاق بين البلدين ، يسمح للطائرات العسكرية الروسية باستخدام المجال الجوي والقواعد الجوية المصرية و بالعكس .

وفي نوفمبر 2019 ، استضاف مركز التدريب التكتيكي التابع لقوات الدفاع الجوي المصرية بالقرب من القاهرة تدريبات عسكرية مشتركة ، أطلق عليها اسم “سهم الصداقة 1”.

أما على صعيد مشاريع الغاز الطبيعي ، التي تتطلع إليها روسيا مع الجانب المصري ، في ظل سعيها لإحكام قبضتها على سوق الغاز الطبيعي في أوروبا ، و مع احتمالية أن تتحول مصر في المستقبل القريب إلى أحد أكبر الموردين للغاز الطبيعي ، فقد اشترت شركة النفط الروسية “روس نفط” ، حصة تبلغ 30% في مشروع حقل “ظهر” للغاز ، لتصبح “روس نفط” طرفاً فى مشروع تطوير أكبر حقل للغاز فى البحر المتوسط.

ورغم تسارع تطور هذه العلاقات إلا أنها لا تزال بعيد عن تشكيل تحالف استراتيجي يعزز مكانة البلدين كل في موقعه .

 يقول المثل الروسي ”لا يبنى الجدار بحجر واحد”

و اليوم تسعى روسيا بخطى ثابتة لإعادة بناء مكانتها على الساحة العالمية وهي تدرك تمامًا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي الدعامة الرئيسية لإعادة هذا البناء وتعزيزه .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. تصويب
    زار الراهب والرحال الروسي إيغومين دانييل الأرض المقدسة ومدن في مصر بين عامي (1106-1108م)، وليس عام (1002م) كما ورد في المقال أعلاه! ودوَّنَ الرحال دانييل مشاهداته وانطباعاته الممتعة في الفترة (1108-1113م) بعد عودته إلى بلاده ( كيفسكايا-روس)، في مؤلفه الشهير ( المسيرة). ويعد هذا المؤلف أقدم مدونة مصانة في أدب الرحلات الروسية إلى مصر وفلسطين، وترجم إلى لغات أوروبية عديدة.. وفيه” المسيرة” خصص الرحال دانييل حيزاً كلبيراً لوصف أجناس متنوعة من عمران المدن وتقاليد وأعراف الشعوب التي خالطها ومقدساتها وأساطير العهد القديم..
    يُحفظ، هذا المؤلف الموسوعي الفذ، بنسخته الأصلية في الأرشيف الروسي.
    نظر د. ناظم مجيد الديراوي. مقالات عن العلاقات الروسية- العربية. سانت- بطرسبورغ/2002.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here