براء الطه: التوسع الناعم.. العلاقة التركية -الروسية و أبعادها الإستراتيجية

براء الطه

تدرك موسكو القيمة الأمنية الجيواقتصادية و الجيوسياسية  لتركيا فهي حارس بوابة الدردنيل التي من خلالها يمكن خنق روسيا ، والممر الوحيد لروسيا إلى المياه الدافئة وممر بري للصادرات الروسية ولا سيما الغاز .

يعود تاريخ العلاقة بينهما إلى أكثر من خمسة قرون غلب طابع التنافس والحروب على معظمها .

و بالرغم من إرث النزاع والمواجهة والتنافس على النفوذ منذ قرون، شكلت الظروف الاقتصادية والمتغيرات السياسية التي شهدتها الدولتان في بداية القرن الحالي فرصةً لإعادة النظر في طبيعة علاقاتهما السابقة. فبوصفهما دولتين كبيرتين متجاورتين، وتتبنيان إستراتيجية جديدة لاستعادة الدور الفاعل على الساحة الدولية وإحياء المكانة التاريخية، فقد تطلب صعودهما، وبخاصة الاقتصادي، ضرورة تعزيز التعاون بينهما بسبب وفرة المصالح المتبادلة و تنوعها وتجاوز القضايا الخلافية بينهما (ولعل السلوك التركي تجاه المسألة الشيشانية، والسلوك الروسي تجاه مسألة حزب العمال الكردستاني PKK بشكل خاص كان يشكّلان الأسباب الرئيسة لاختلاف الطرفين في المسائل الواقعة في القفقاس وآسيا الوسطى)

ففي أكتوبر / تشرين الأول عام 2000 ، زار رئيس مجلس الوزراء الروسي  ميخائيل كاسيانوف ، تركيا ووقع عدداً من الاتفاقيات وتعهد بتزويد تركيا بكميات أكبر من الغاز الطبيعي .

كذلك عملت موسكو على توسيع مجالات التعاون مع تركيا كعقود التسليح والقضايا المتعلقة بمكافحة الإرهاب والتجارة .

أيضًا في 2001 قام وزير الخارجية الروسي آنذاك ، إيغور إيفانوف ، بزيارة رسمية لتركيا أعطت ، بحسب الحكومة التركية ” حافزاً جديداً للعلاقات التركية الروسية .  واتفق الطرفان على إضافة خاصية متعددة الأبعاد لعلاقاتهما بتوسيع التعاون الثنائي إلى منطقة أوراسيا أو ما اصطلح على تسميته بالحديقة الخلفية لروسيا وأصبحت أنابيب البلو ستريم واحدة من عدة أساسات محورية للتعاون الروسي التركي ، وبدأت الإمدادات التجارية للغاز بالتدفق في الأنابيب بدءا من فبراير / شباط 2003 وساعد التراجع في العلاقات التركية الأمريكية بوتين في مساعيه للوصول لأنقرة

عام 2004 ، زار بوتين أنقرة وهي أول زيارة الرئيس روسي منذ 32 سنة . تم خلالها توقيع عدداً من الاتفاقيات بين البلدي وحققت التجارة بين البلدين نموًا  بنسبة 60 % في نفس العام ، مقارنة بالنصف الأول من العام 2003. وفي 2005 قام أردوغان بالزيارة الرسمية الأولى في ذلك العام لموسكو في العاشر من يناير / كانون الثاني ، في زيارة أشارت إلى تحسن إضافي في العلاقة  , وتبعتها زيارات عديدة . وفي العام نفسه أكد أردوغان على رغبته في رفع التبادل التجاري مع روسيا من 10 إلى 25 مليار دولار سنويا.

وسجلت 10 لقاءات لرئيسي البلدين بين عامي 2004 , 2009 . لتصبح روسيا في 2009 أكبر شريك تجاري لتركيا

يعود التحسن في العلاقة بين البلدين بسبب المواقف الإيجابية المتبادلة بين القيادتين التركية والروسية ،

فقد سجل لتركيا التعامل بحكمة في ملفين أساسيين

الأول : عندما رفضت السلطات التركية إعطاء إذن للسفن الحربية الأميركية ” النقل مساعدات إلى جورجيا أثناء الأزمة الروسية – الجورجية في آب 2008 ، رغم امتعاض تركيا من ردة الفعل الروسية عبر الهجمات العسكرية القاسية على جورجيا ، واعتبار تركيا الامر سعياً روسياً لفرض معادلة جديدة في منطقة القوقاز ووسط آسيا ، تنتج نظاماً دولياً جديدة

أما الثاني : فهو توقيع أنقرة اتفاقية مع موسكو تسمح بموجبها بمد خط لنقل الغاز الروسي « السيل الجنوبي » عبر أراضيها ومياهها الإقليمية في البحر الأسود ، إلى وسط وجنوب أوروبا ، في 2009 / 8 / 16 ، وذلك في مواجهة خط « نابوكو » الذي تقيمه دول أوروبية مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية ، عبر الأراضي التركية أيضاً وهو ما عُدّ انتصارا روسياً في حرب النفط والغاز مع الولايات المتحدة وأوروبا.

و في حزيران / مايو 2010 قام الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف بزيارة تركيا والتى أسفرت عن توقيع 17 اتفاقية ،منها اتفاقيات التعاون في مجال الطاقة و بناء محطة كهرذرية .كما تم التوقيع أيضا على اتفاقية التعاون حول بناء وتشغيل محطة كهروذرية في موقع اككويو قرب مدينة ميرسين التركية. وأكدت الاتفاقيات الموقعة في ديسمبر2012 على استمرار هذا المشروع الذي تبلغ تكلفته نحو20 مليار دولار, والذي سيساهم في خلق نواة جيل من العلماء والفنيين الاتراك في مجال الطاقة النووية بعد أن أرسلت تركيا أكثر من مئتي طالب إلى روسيا لتلقى التعليم في هذا المجال منذ عام2011. في مجال الفضاء، فقد تم إطلاق أول قمر صناعي تركي –Türksat4A للاتصالات على متن صاروخ روسي فى فبراير 2014. و كذلك إطلاق القمر الثاني 4B-Türksat في عام 2015

ومع بدء الربيع العربي الذي تحول إعصارًا دمر المنطقة

تصاعدت التقارب والتعاون في العلاقة التركية الروسية وتم تجاوز الخلافات بينهما (التي وقعت بعد عدة مواقف سببتها الأحداث السورية كحادثة إسقاط الطائرة الروسية ) وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في تركيا والموقف الإيجابي الذي أبدته القيادة الروسية في وقوفها ضد هذه المحاولة ، وفتور وتراجع العلاقات الغربية التركية وخاصة الأمريكية بسبب عدة ملفات يأتي في مقدمتها الملف السوري وزيادة الدعم المقدّم إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ، والوقوف الأمريكي مع محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا و عدم الوصول إلى نتيجة في الطلب التركي المقدَّم إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة فتح الله غولن المتهم الرئيس في عملية الانقلاب .

ليشكّل الانفصال والافتراق القوّتَين الطاغيتين في العلاقات الغربية التركية وخاصة الأمريكية في السنوات الأخيرة.

استغل الروس بشكل مذهل هذا الفتور واستطاعوا اللعب على التناقضات ، لسحب الورقة التركية من الغرب ،

وساعدت الساحة السورية كثيرا في هذا الأمر .

فالعمليات العسكرية التركية على الأراضي السورية يحكمها الاتفاق مع موسكو وحلفائها .

و ما صفقة الصواريخ الروسية S400 و الرد الأمريكي بإلغاء مشاركة تركيا في برنامج طائرات إف 35 ألأمريكية  إلا تأكيدًا على الافتراق في العلاقة مع الغرب والتقارب مع روسيا والتي جرى تسليمها بتاريخ 12 يوليو تموز الفائت وهو  ذات التوقيت الذي وقّعت فيه تركيا والولايات المتحدة اتفاقية حول المساعدة”. حققت من خلالها روسيا تقدمًا في الصراع مع الولايات المتحدة التي ترى في الصفقة التركية خرقاً استراتيجياً تحققه روسيا، ونقطة تفوّق تدخل روسيا في المنظومة العسكرية للولايات المتحدة، بموجبها قد تتمكّن روسيا وعبر هذه المنظومة الصاروخية من قراءة كافة معطيات الطائرات الأميركية، ورَصْد تحرّكاتها وتعقّبها .

شكلت تركيا شريكا اقتصاديا استراتيجيا لروسيا في ضوء العقوبات التي فرضها الغرب عليها اثر الأزمة الاوكرانية

كذلك كانت أكثر من 80% من واردات أوروبا الغازية من روسيا تعبر عبر الأراضي الأوكرانية، وهو ما كان يضيف بعد استراتيجي وجيوسياسي لكييف، بسبب قدرتها التفاوضية مع جيرانها، لكن بعد مشروع السيل التركي  لم يعد لها تأثير على المصالح الروسية

وهو ما يعني جيوسياسيا ابعاد تركيا عن أن تكون طرف في اي عقوبات يفرضها الغرب على روسيا

كما ان ربط تركيا بشبكة علاقات مع روسيا في المجالات ستراتيجية كالفضاء والطاقة ( حتى النووية منها) والاقتصاد والسياحة وتنشيط دور رجال الاعمال في مختلف مجالات التعاون المشترك يخلق اعتماداً تركياً على روسيا يصعب التفريط به مستقبلا وهو ما قد يخلق نخبة اقتصادية – تجارية تمثل جماعة ضاغطة في داخل النظام التركي الذي يعطي هامش واسع للديمقراطية يلعب رجال الاعمال دوراً مهماً فيه .

وعلى الصعيد الأمني هناك تخوف روسي من انتقال الإرهاب إلى أراضيها بخاصة أن حوالي 15% من سكانها مسلمين، ويمكن أن يتأثر عدد منهم بتنظيرات وسلوكيات التنظيمات الإسلامية المتطرفة وينخرطوا في حملة إرهابية في روسيا. روسيا مهتمة بالقضاء على منابع الإرهاب وتمويله، ومعنية بالتعاون مع مختلف الدول لمواجهته. وفي هذا الأمر، هي بحاجة إلى تركيا لما لها من تأثير على دول آسيا الوسطى التي يمكن أن يأتي الإرهاب من طرفها.

كذلك يشكل التمدد العسكري لحلف الناتو  ومحاولاته المستمرة لضم المزيد من دول أوروبا الشرقية الحزام الأمني لروسيا لإحكام الطوق العسكري والأمني حولها لشلها عسكريا واقتصاديا.

لذلك تحاول روسيا  تعزيز جدارها الأمني بتعزيز قدراتها في البحر الأسود وبحر قزوين وشرق البحر المتوسط ، وفي حال نجاح التأثير الروسي على تركيا  فسيكون ذلك مفتاح مهم  للحصانة الأمنية الروسية. فروسيا معنية بإقناع تركيا بعدم المشاركة في الدرع الصاروخية، وتركيا تدرك أن مشاركتها سيجعل منها هدفا عسكريا لروسيا.

من الصعب على روسيا إقناع تركيا بمحاولة الابتعاد عن السياسات الأمريكية العسكرية والأمنية، لكن من الممكن أن تقنعها ببعض المماطلة وهذا يكفي روسيا حاليًا

إذا فمن خلال هذا التقارب استطاعت روسيا تحقيق عدة أهداف على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية وعززت بشكل وآخر النفوذ الروسي في المنطقة

من خلال تخفيف القيود التي تفرضها الجغرافيا والحصار الغربي .

 كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here