براء الطه: أيران النووية مراحل تطور البرنامج النووي الإيراني

براء الطه

(1 ـ 5)

  • البرنامج الأيراني في عهد الشاه :

كان هاجس تحويل إيران إلى قوة إقليمية عظمى، هو الدافع الرئيسي وراء السعي الإيراني لامتلاك القدرات النووية.

تؤكد عدة مصادر، أن من بين التوصيات التي قدمت للشاه بعد الاطاحة بحكومة مصدق في أغسطس/ آب 1953، لتثبيت حكمه (يرجح أن السفارة الأمريكية كانت قد قدمتها)، أن عليه لعب دور بارز في الشؤون الدولية على مستوى الشرق الأوسط والمستوى الدولي، لأنه قد ثبت -كما تقول التوصية- أن كثيراً من رؤساء الدول الصغرى،  استفادوا كثيراً من الصورة التي خلقوها لأنفسهم في الخارج .

عدة عوامل أساسية تضاف إلى الدعم والرعاية الأمريكية و الإسرائيلية لنظام الشاه، ساعدته على تحقيق هذه الرؤية.

فما تملكه إيران من خصائص متعددة، أتاح لها أن تلعب هذا الدور.

كدولة قديمة، بحضارة راسخة، و محيط اقليمي مستجد، وموقع استراتيجي متميز، كان منذ القدم معبراً برياً بين الشرق الأوسط و أراضي وسط آسيا، و الحاجز الطبيعي لروسيا عن المياه الدافئة.

و لتموضعها المشرف والمشكل لمضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من ثلث الانتاج العالمي للنفط.

و ارتفاعها الهضبي الذي جعل منها أحد أهم نقاط الارتكاز المشرفة على الصين.

يضاف إلى ذلك اقتصاد قوي، معتمد على أكثر من نصف انتاج الشرق الأوسط من النفط، (في النصف الثاني من القرن الماضي) تدعمه قوة بشرية بلغت اكثر من 35 مليون نسمة (في حين بلغ على سبيل المثال عدد مواطني المملكة العربية السعودية حوالي 4 مليون نسمة في مطلع السبعينيات).

ما يميز فترة حكم الشاه أنه استفاد من كل الفرص التي أحدثتها الظروف الإقليمية والدولية لتعزيز الدور الإيراني، لا سيما أن التغيير الدائم و المفاجئ كان السمة الأبرز لفترة مثلت مخاض لولادة عالم جديد.

مستفيداً من الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وفائض القوة المتراكم جراء انتصارات داخلية على معارضيه ، استطاع الشاه محمد رضا بهلوي بنهاية خمسينيات القرن الماضي ، إطلاق البرنامج النووي الإيراني تحت رعاية برنامج ايزنهاور الذي عرف لاحقاً بـِ “الذرة من أجل السلام”.

وعلى أساس هذا البرنامج، وقعت إيران عام 1957 مع الولايات المتحدة اتفاقية التعاون النووي في المجالات السلمية والمدنية مدتها عشر سنوات (مالبث أن تم تمديدها لعشر سنوات أخرى في آذار/مارس 1969).

وحصلت إيران بموجبها على مساعدات نووية فنية ومفاعل نووي صغير سعته 5 ميغا واط للأبحاث النووية والذي بدأ تشغليه عام 1967 ، مع التزام الولايات المتحدة بامداد إيران بالوقود النووي لتشغيله.

وبلغت العلاقات بين الطرفين بمكان جعل من إيران خياراً مطروحاً لنشر رؤوس حربية نووية أمريكية، موجهة ضد الاتحاد السوفياتي، و كانت هذه الفكرة قد طرحت من جانب هيئة الأركان المشتركة الأمريكية فبراير/شباط 1961، ألا أن وزارة الخارجية الأمريكية اعترضت بشدة على هذا الاقتراح، خوفا من انعكاساته المحتملة على المواجهة مع موسكو.

وشهد العام 1958 انضمام إيران للوكالة الدولية للطاقة النووية.

ولم يقتصر التعاون النووي مع الولايات المتحدة فحسب، بل تعداه ليشمل كلاً من فرنسا وألمانيا الغربية وفي وقتٍ لاحق مع دول مثل الأرجنتين والهند والدنمارك وجنوب افريقيا .

بشتى المجلات، من تأهيل الكوادر إلى إعداد البنية النووية التحتية، بناء المفاعلات النووية، شراء حصص بمناجم استخراج اليورانيوم، تخزين النفايات النووية، والتعاون في مجالات الأبحاث النووية.

وشهد العام 1968 انضمام إيران إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، لتصادق عليها بعد عامين وتحديداً في فبراير/ شباط 1970.

وحمل عقد السبعينيات من القرن الماضي فرص مواتية لإيران لزيادة دورها الإقليمي في المنطقة،

فهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، وما ترتب عليه من تبنيها لعقيدة جديدة، تجلت في إعلان مبدأ نيكسون، الذي يحتم على الدول الحليفة للولايات المتحدة، الاعتماد على نفسها لحماية مصالحها وأمنها القومي، مع اقتصار دور الولايات المتحدة على تقديم الدعم السياسي والمساعدات العسكرية.

 إضافة إلى الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج، وما نتج عنه من فراغ، ملأته إيران.

وكذلك الأثر الإيجابي الكبير الذي أوجدته حرب تشرين الأول/ اكتوبر 1973، التي وقعت بين مصر وسوريا من جهة و الاحتلال الاسرائيلي من جهة أخرى، على الاقتصاد الإيراني، جراء الارتفاع الحاد باسعار النفط، والذي كان للشاه دور بارز فيه، ولا سيما أن انتاج إيران النفطي في العام 1971 بلغ ما نسبته 10٪؜ من الانتاج العالمي.

جميع هذه ظروف، ساعدت إيران على أن تلعب دور أكبر في المنطقة، (بلغ الدور الإيراني من القوة أن جعلها تتدخل في الانتخابات الأمريكية، حيث أرسلت تبرعات للبيت الأبيض مباشرة، للمساعدة في حملة إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، وصار لها لوبي كبير في الولايات المتحدة) وبالتالي أعطت للشاه دافعاً لتطوير القدرات الإيرانية على جميع الأصعدة ليس أقلها برنامجها النووي .

وفي 1974 أُعلن عن تأسيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية التي تتبع للقصر الإمبراطوري مباشرةً، لتكون مسؤولة عن تنفيذ رؤية الشاه (التي تعد أحد أغلى المشاريع التي قام بها)، المتمثلة بوضع خطة زمنية لمدة عشرين عام، يكون بموجبها البرنامج النووي الإيراني، قادراً على انتاج نحو 23 ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية النووية، وكان هذا الرقم بطبيعة الحال، يتطلب بناء ما لايقل عن 20 محطة نووية، تغطي كافة الأراضي الإيرانية، بتكلفة تصل إلى 30 مليار دولار، لتكون جاهزة للعمل في منتصف التسعينيات من القرن العشرين.

ومن الجدير ذكره أنه كان لدى منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، أكثر من 1500 موظف (بناءً على أوامر الشاه، كانوا الموظفين الحكوميين الأعلى أجراً في إيران).

كما كان الشاه قد رتب لتدريب خبراء نوويين إيرانيين حول العالم (بما في ذلك منحة بقيمة 20 مليون دولار في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) وجرى في هذا العام، تطبيق اتفاقية الضمانات النووية الملحقة، مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويبدو أن الزخم الذي أعطي للبرنامج النووي السلمي، والظروف الدولية المصاحبة أدت بالشاه إلى التفكير باستثمار هذا البرنامج على الصعيد العسكري ولو بعد حين، ففي حزيران/ يونيو من العام نفسه وبعد التجربة النووية الهندية، صرح الشاه لصحيفة لوموند الفرنسية بأن “إيران سيكون لديها أسلحة نووية دون شك، وفي وقتٍ أقرب مما يعتقد العالم” ورغم أنه عاد إلى التراجع عن هذا التصريح إلا أن تراجعه كان مشروط، حيث قال : “إن إيران ليس لديها النية لامتلاك أسلحة نووية، ولكن إذا قامت دولة صغيرة بامتلاك مثل هذه الأسلحة فإن إيران ستعيد النظر بسياستها”.

وما يؤكد هذا السعي أن إيران حاولت عقد صفقة لشراء مع الجانب الفرنسي لشراء عدد من الغواصات النووي من فرنسا في يناير / كانون الثاني 1975 لكنها لم تتم.

ووفقاً لأحد التقارير التي رفعت عنها السرية عام 2010، والخاصة بإدارتي كل من الرئيسين فورد و كارتر، وبما يخص رؤية الشاه للبرنامج النووي، أفادت وزارة الخارجية الأمريكية “أن قدرة الشاه لتوليد الكهرباء القائمة على الطاقة النووية والتي تبلغ 23 ألف ميغاوات، تجاوزت بكثير جميع توقعات احتياجات الطاقة المحلية لإيران” لذلك خلص التقرير، إلى أن دوافع إيران “لم تكن واضحة تمامًا” ويبدو أنها مدفوعة على الأقل جزئيًا بالرغبة في تطوير أسلحة نووية.

وكان القلق مركزاً بشكل خاص من أن “إنتاج البلوتونيوم السنوي من برنامج الطاقة النووية الإيراني المخطط له، سيعادل 600-700 رأس حربي” أثارت العلاقات النووية الإيرانية المتنوعة مع مختلف الدول، والتي كانت تهدف إلى توزيع البيض على عدة سلال، حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة الاتفاقيات الموقعة مع الهند وفرنسا، ما دفعها إلى التفاوض مع الشاه والتوصل إلى اتفاق يقضي بإلغاء كل المعاهدات القائمة

بين إيران والدول الأخرى، على أن تقوم الولايات المتحدة، بتزويد إيران بثماني مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية، وتم التوقيع على شراء هذه المفاعلات رسمياً بين البلدين في 10 تموز/يوليو 1978، وكان الاتفاق شامًلا وينص على تزويد إيران بكل ما يحتاجه المفاعل بما فيه الوقود النووي وكيفية تطويره ومواده الأساسية، ضمن ضوابط ثنائية خاصة “مثل التخلي عن خطط لمصانع معالجة البلوتونيوم” بالإضافة إلى” الضمانات الدولية المعتادة.

وفي 22 أكتوبر تشرين الأول 1978 ونتيجة للاضطرابات و التظاهرات المناوئة للشاه التي عصفت بإيران، اتخذت حكومة جعفر إمامي، قراراً يقضي بإيقاف وإلغاء برنامج إيران النووي، في إطار  جملة من القرارات العشوائية، سعت لاسترضاء الشارع الإيراني ومحاولة تهدئته، على اعتبار أن هذا البرنامج يعتبر تبذير لموارد البلد الاقتصادية، ولا حاجة له بسبب وجود موارد النفط والغاز .

وأدى سقوط الشاه وخروجه من إيران في كانون الثاني / يناير 1979، إلى مصادرة مبلغ قدره 8 مليار دولار، كانت جزءاً من سعر المفاعلات المتعاقد عليها مع الولايات المتحدة.

وحتى هذا التاريخ، كان قد استثمر ما قيمته حوالي 6 مليار دولار في بناء المنشآت النووية، كما شهدت انجاز أكثر من 75٪؜ من أحد مفاعلي بوشهر النوويين (ولم يكن ينقصه غير القلب الحرج فقط)، بينما كان المفاعل الآخر، قد أنجز منه أكثر من 45٪؜ ، والتي كانت شركة سيمنز الألمانية، قد وقعت مع إيران عقد انشائهما.

وفي دارخوين التابعة لإقليم خوزستان، كانت قد بدأت التحضيرات الهندسية على الأرض، لبناء محطتين نوويتين، بقدرة تصل إلى 900 ميغاواط لصالح شركة فرام أتوم الفرنسية.

وخلال هذه الفترة تم أيضاً، الحصول على مفاعل أبحاث بالماء الخفيف، بقدرة 5 ميغاواط في طهران، ومفاعل يعمل بالنيوترون بقدرة 27 ميغاواط في أصفهان، كما تم إقامة مركز للأبحاث النووية في منطقة أمير آباد.

بالإضافة إلى أربعة أجهزة تعمل بالليزر لتخصيب اليورانيوم عام 1978.

ويمكن القول أن البرنامج النووي الإيراني، اتخذ في فترة حكم الشاه مسارين متوازيين تمثلا بوضع أسس البنية الأساسية والتنظيمية النووية الإيرانية، بالإضافة لفتح باب التعاون مع مختلف الدول للحصول على المعرفة النووية المتطورة.

والأهم أنه كان نابعاً من رغبة الشاه في أن يكون لإيران دور قوي في منطقة تعد “مركز الجاذبية في العالم” على حد تعبيره.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here