بديعة زيدان :فاروق وادي .. حكاية السرير الوطن والوطن السرير!

كتبت بديعة زيدان:

حينما يكون السرير وطناً فإنه بلا شك يصبح مصدراً للعشق، ويبيت غيابه مساحة لاجتياح الاشتياق للذوات العاشقة، وهو في ذات الوقت يمسي مطاطي المساحة، ينكمش وينكمش، بعد أن كان متعملقاً، خاصة في الحالة الفلسطينية، بحيث ينتهي الوطن “السرير”، أو السرير “الوطن”، في سيريلانكا، متأرجحاً ما بين غرق محتمل وأكثر احتمالاً.

في “سرير المشتاق” رواية فاروق وادي الجديدة الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، تبدو حكايات السرير بدلالاته المتعددة كمضجع ونعش وتعبير عن وفاء وطمأنينة بل وحبس أيضاً، وإن تعددت التأويلات، حكاية فلسطين ما بين أكثر من شتات، وأكثر من حرب وثورة كانت مستمرة، ترحل فيرحل سريرها معها، وما بين انكماش ما بعد “أوسلو”، الذي أحال السرير “الوطن”، بكل الفنتازيات والروايات الأسطورية والحقيقية حوله، إلى مصير أقرب إلى التهالك في سيريلانكا، وكأنه كما البلاد، دخل في مرحلة موت سريري أو يكاد، فلم يعد السرير بزهوه، ونشوته، مشتهى للمشتاقين، حيث بهت لونه، وانكمش فعلاً، وبات وطناً مُستلباً.

صاحب الرواية السيرية، أو شخصيته المحورية “غسان”، اكتشف السرير للمرة الأولى في غرفة “عطا” الشاب الفلسطيني المقيم في بيروت، الذي تهجره مخطوبته بعد أن تكتشف تحوّل عشقه إلى السرير إلى حالة جسدية “مرضية” و”مهينة” بالنسبة لها، قبل أن يترك هو سريره في المكان فارّاً، إثر اكتشاف زوج معشوقته الجديدة لعلاقتهما، وقد يكون في ذلك إحالة ما إلى النكبة، حيث اضطر آلاف الفلسطينيين إلى الهجرة من الوطن، حفاظاً على حيواتهم، بعد جرائم العصابات الصهيونية في العام 1948.

“لمحتُ السرير خطفاً، للمرة الأولى، من الباب الموارب لغرفة عطا، الذي لم ألتقِ به طوال حياتي إلا مرّة واحدة، وبسرعة خاطفة، لم تتكرر، فلم يتح لي لقاءه ثانية، من دون أن يبدر من جهتي حرص على ذلك، ولا من جهته أيضاً.. داهمني ذلك السحر الخشبي الأبيض الناصع وأنا أقطع المسافة القصيرة في بيت صديقي آدم، في بيروت، بين الصالة والحمام. زعزعني المشهد عندما تجلّى لي السرير بأبّهته الملكية التي تشهر وقارها الصارخ، وبياضها الأكثر نصوعا من الحليب. تجلّى بطوله وعرضه غير العاديّين”.

وبالعودة إلى ما حيك حول السرير من حكايات تتأرجح ما بين واقع ومخيال روائي، فإن مالكه الأول متري سابا، وهنا إشارة إلى العائلة التي تتوزع في بلاد الشام، ومن بينها فلسطين، والذي كلّما باع السرير عاد إليه لسبب أو لآخر، ليبيعه مجدداً بأضعاف ثمنه، هو الذي حطّ في قصر سابا، الذي اشتراه جدّه من أحد السياسيين البارزين في بيروت، آنذاك، بينما بات الحفيد في وضع مالي صعب، لدرجة عرض السرير المتكرر للبيع.

في حقبة سابا الجد، وما قبل شرائه للقصر من ذاك السياسي، كان السرير مضجعاً لزعماء عرب عدةّ، وهو السرير الذي فيه “سرّ كبير مغلق”، و”إذا ما تمكنت من بناء علاقة حميمة معه، فإنك تستطيع تطويعه” .. “لا تجزع من حجمه، ولا تفكر كثيراً في ضخامته، فأنت إن ملكت مفاتيح قلبه يمنحك جسده بلا تمنّع، مثل امرأة عاشقة منجذبة لذكرها بلا رادع أو كابح. وربما يستطيع إنسان أن يطويه في حقيبته، ويسافر به إلى أبعد بقاع الأرض!”.

وفي الحديث عن مآلات السرير وحكاياته، يذكر الراوي أو الروائي في هذه الحالة، أن سرّ

انجذاب الكلّ إليه لا يزال غامضاً، فهو يبدو من الخارج عاديّاً، فلا مسامير فيه ولا براغٍ، ولا حفرٌ يزيّنه، لكن رائحة ما تنبعث منه تجعل منه مساحة للعشق، ومصدراً لإثارة الشهوة، كما هو شاهد على تاريخ فدائيين، أو هكذا أراده الكاتب، “بكل أحلامه وأوهامه، بإنجازاته وإحباطاته، فاستقى السرير وقائعه من تجارب تستنطق السنوات الأولى لزمن المقاومة، بما رافقها بالمقابل من تنام لآليّات القمع ومصادرة الحريات والتضييق الأسطوري، وصولاً إلى معايشة الحرب الأهلية اللبنانية”، متأرجحاً ما بين حرب وحبّ وحنين المشتاق، إلى الوطن ربّما، إلى زمن المقاومة ربّما، وإلى ذاته ورفاقه كما كانوا في ماضٍ لن يعود ربّما.

ويبدو أن التباس حالة السرير انعكست في شكل التباسات متعددة ومعقدة على الصعيد النفسي للمحيطين به، وخاصة بدر وزوجته نهاية، ملاّك السرير لمرحلة ما، وكذلك الخليّة التي شكلوها، وكانوا خمسة غيرهما، سجنوا فتفرقوا، و”تخلخلت حياتهم واهتزت علاقاتهم بالآخرين، فالسجن باعثٌ على الارتياب”، و”القطيعة تقطع، والاحتجاب عن العين وراء جدار السجن، يجعل الحبيب محتجباً عن القلب. وتلك كلّها أوضاع كفيلة بتبديد كلّ شيء .. كل شيء، وبعثرته في فضاء مجهول”.. وهنا تظهر التباسات تأويلات المعاني الكبيرة كـ”الوطنية”، و”الخيانة”، و”التحرير”، وغيرها.

ويبقى “غسان” الراوي المحوري في “سرير المشتاق”، يبحث عن السرير وسرّه طوال الوقت، على اختلاف الأزمنة والأمكنة .. “(…) غير أن الشيء الذي لفتني متأخراً، فصرت أتأمله عبر العدسات المكبّرة أكثر مما أتأمل جسد الصبيّة الحسناء، هو السرير .. السرير الأبيض الذي كانت تستلقي عليه الفتاة. فقد كنت أوقن، بلا شك، أنه كان هو السرير. السرير نفسه .. ولا سرير آخر غيره. وظلّ السؤال يلحّ عليّ: ما الذي جاء بالسرير إلى هنا؟ وأي مصادفة هي التي

ألقتْه على بعد خطوات من مرمى البصر؟ فقررتُ بيني وبين نفسي أن أطرق بيت الجيران: أبناء العم .. أجتاز كل العقبات .. أعمل المستحيل، من أجل الوصول إلى السرير، علّه يفضي إلى ما هو أبعد من ذلك .. إلى ما يتوق له القلب، فإن تأكدت من ذلك، فسوف أخوض معاركي المصيرية من أجل استعادة السرير، وبكل الوسائل .. المشروعة وغير المشروعة”.

وهنا، وكان الحديث عن سرير الفتاة اليهودية اللبنانية جارتهم في بيروت، يبدو وكأن الصراع على السرير صراع مصيري، مع عدم غوصه في صراع الهويات الدينية، وإن كان يمكن استقراء إشارة أو أكثر إلى تجيير الصهيونية، ومن بعدها دولة الاحتلال، لهذه الهويات، لصالح تبرير إقامة دولتها على أنقاض حيوات الفلسطينيين ومنازلهم وأراضيهم وذكرياتهم.

وفي خضم حديثه عن النضالات، والانشقاقات، والخيانات المتعددة واقعياً وتأويلاً، وعن معاناة الفدائي الفلسطيني حيثما استقر به المقام، يبدو فاروق وادي وكأنه يبكي الوطن “السرير” بلغة شاعرية رقراقة وعميقة، وبسرد مشوق ومغناطيسي كالعادة، وهو يقول: “كان السرير نفسه، الذي تحسسته ذات نهار بات ينأى كثيراً عن أيامنا، وهو السرير الذي جذبتني إليه رائحة الغابات الكامنة فيه، ذات يوم بعيد .. هو الذي حطّ المقام به في “بير حسن” فـ”شاتيلا”، ليعرج عبره في الحديث، ولو باقتضاب عن “تل الزعتر”، و”الدامور” الذي حطّ به السرير أيضاً، قبل أن ينتقل إلى غرفة الخادمة السيريلانكية كاستوري، ومنها إلى بلادها بعد صفقة مع “سيّدها” بشحنه رفقتها مقابل التنازل عن مستحقاتها المالية.

إنه السرير الذي كان يرعب سيّدتها وترى بياضه سواداً، ولعلها تبعات الحرب الأهلية هنا، في تحول النظرة إلى الفدائي الفلسطيني الذي كان ولا يزال يبحث عن حلمه بالوطن، رغم كل الظروف الصعبة .. “أقسم مرّة أخرى، أنني قد رأيت السرير نفسه، وهو يركب الأمواج الهائلة، يصارع اليمّ، يتحدى الأنواء والأعاصير، يقاوم الزلازل والبراكين المتفجّرة في أعماق المحيط الشاسع (…) لم يكن غارقاً إذا، بل كان يواجه التيّار العاتي الذي يحمله إلى حيث شاء الشوق وشاء الحنين (…) كان يعرف طريقه إلى أرض وطنه”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here