باهر يعيش: في القدس … فتاة إسمها (سما)

المهندس باهر يعيش

  كنت وما زلت شغوفا بالمرور في حواري وأزقّة القدس وفي طرقاتها حيث تتحلّق محال أهلها القدس من التّجار. من يبيعون ما اشتهرت به القدس من حلوى وغذاء ومواد تراثيّة سياحيّة للسائحين من كلّ ملّة ودين. كان الأقصى وكنيسة القيامة  وطريق الآلام مقصد الجميع حتّى من كان بلا ملّة. كنت أقف مشدوها أمام مبان من حجر من الجنّة رفعها أهل القدس بأيديهم بملاط من أسمنت عزائمهم وعشقهم لبناء تضجّ روح أحجاره بالكلام بالحكاوى, بسِيَر من مرّ من أمامها كبارًا تركوا أثرا حوافر خيلهم وصدى الدّعاء والعلم والأدب، أم صغارا كأنّهم لم يمروا، فالصغار لا يتركون أثرا.

   كانت البائعات القرويات من قدس وما حولها و(ما زلن)يتمترسن على مداخل وأبواب بيت المقدس من عامود ورحمة و أقباط يعرضن كلّ ما هو أخضر من نبات الأرض وبجانبهن البائعين الجائلين بحطّاتهم بيض حمر سود خضر..لا يهمّ, يعرضون التراثيات من تحف من أصداف  من سِبَحٍ تسبح تستغفر إله الجميع، جميع الخلق ، ومأكولات مقدسيّة التراثية ساندويتشات الفلافل والكعك السّميط المسمسم بيض وزعتر ودقّة مع…معروضات قديمة جديدة من صنوف النّضال والصّمود والتّمترس في كلّ زاوية وتكيّة وعند كلّ منعطف . كانت الفتيات وما زلن تزهين بلبساهنّ الفلسطيني التراثي مطرّز بألوان رباعيّه لأشعة أربع انطلقت من شموس الجنّة. ألأبيض بلون نيّاتهنّ كالبفت، الأحمر بلون دماء الشهداء قُدّمت مهرا على مدى التاريخ لأحلى أغلى أعزّ أجمل العرائس منذ وطئت آدم وحوّاه أرضهن. والأسود رمز القوّ العزّة ورجولة رجالهنّ وبأسهم ،و…حداد على فقدان أقارب عمومة وخؤولة تركوهنّ وحيدات في مقابل التّنين. كثيرة أعداد التنّينات التي حطّت في مزارعهنّ معابدهنّ مدارسن وقاعات العبادة. منها من نُحِر, ومنها من نحر ذاته ومنها من قُهر عاد إلى جحره ومنها عنيد…ينتظر ولا مناص…سيلحق بمن سبقوه, والأخضر… لون الزيتون والنعناع و الهندبة والميرميّة…رمز السّلام. يحببن السّلام, ففيه  يزهر الزيتون  يكلّل رؤوس الجبال والخلق. في عهد السّلام يخضوضر كلّ شيء وتزهر النّفوس يزيد الحرث والغرس من شجر وبشر…لولا القهر لولا…الإحتلال.

    (سما)إحدى الفتيات اللائي كنّ يسوّقن يعرضن بضائعهنّ من على بلاط أبواب القدس ومن على أبراج أسوارها عاليا ليراه الخلق في مغربنا ومشرقنا ليغذّوا الخطا نحو البيت والقبّة وأبواب  العامود والأسباط والمغاربة. عروس لا أجمل في جيدها تشع النّجوم ومن أنفاسها يكسب الزّعتر نكهته ورائحته. كانوا يستجيبون لها…طورا للتقدس وأطوار كثيرة للنجدة. كان الأقدمون في دمائهم  نار ونور تسوقهم ركبانا وعلى أرجلهم للتقديس والجهاد, بات الأحدثون من أحفادهم إلّا قاطني المرج والأرض لا يعبأون بتقديس أو جهاد. لدغهم التّنين وهم في أمكنتهم فشلّ حركتهم وما تبقى من نخوة في ضمائرهم. ذهب الجميع من حول القدس, أضحت باتت…بلا معتصماه بلا صلاح الدين بلا عمر. ذهب الجميع…رحلوا عن الصخرة والقبّة فبكى…البراق وأنّ. لكنهم لا يحتاجون, فالفتى الحصان منهم بألف ألف حصان, والصّبيّة الفرس عن ألف ألف فرس.

    بقيت الصّبايا يحملن يلدن كلّ يوم صبيان وبنات من كلّ ألوان العلم, أرادة لا تبور وعزم كالحديد بل أشد, فالحديد يطوّع عندما يحمونه يصدأ يفلّ بعاديات الزّمن لكن إرادة أهل القدس وأخواتها بين النهر والبحر  من نابلس وبيت لحم ويافا والناصرة، من معدن لم يرد مثله في التاريخ. معدن صمّم خلق فقط من أجلهم يحمل أسمائهم وسيماهم: صامد عالي الصوت  و الإرادة.هي القدس…مدينة السلام, هكذا خلقها الله, لكن جلّ بني البشر أساؤوا الفهم حاولوا تزويج الفتاة(سما) بإله الحرب, لم يفلحوا و…ما زالت تنتظر: فارسا عربيا من صلبها  فارع الطول والإرادة, مغوارا من ربع أبطال مضوا أو أبطال سيأتون. هي لن تقبل بأقلّ من عودة المئآاذن والكنائس عربية..مهر لها. مع الكثير من الزّيتون ولا بأس بالياسمين والنرجس وصحبة من شجر الصّفصاف والسرو والبلّوط وأساور وقلائد من زهب وفضّة وزمرّد: فلسطينية  سورية مصرية أردنيّة مغاربية أو من ذرى نجد …لا فارق هناك، فللصبيّة أحلام الصّبايا. هي القدس…هي(سما)….تذكرونها!؟.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. نعم كل صبايا بأسماء البلاد العربية..وأحلامهم
    الوردية الحروب..دمرت كل شيء جميل بهم
    مقال رائع أستاذ باهر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here