باهر يعيش: أوسعونا شتما و…فازوا بالأبل

باهر يعيش

    يحكى أنّ أعرابيا كان له إبل ويرعى إبل العشيرة. والإبل لها قيمتها لدى الأعراب منها وبها الخير والعزّة والكرامة. في يوم سرح بها يرعاها. فاجئته عصابة من لصوص غاروا عليه وسرقوا الإبل, ساقوها أمامهم وهو يلهث خلفهم يشتمهم حتى غابوا عن ناظريه. كانت موقعة متوازنة بين الفريقين, فقد شتم حتّى بحّ صوته وقدّ قميصه وسال ماؤه, وفاز اللّصوص بالإبل. عاد إلى ربعه, قبيلته, سُئِل عن الإبل! فروى ما جرى وتفاصيل المعركة العنيفة التي خاضها مختتما قوله “أوسعتهم شتما و…فازوا بالإبل”.

       في عصر ما بعد عصر ذاك الأعرابي, وفي نفس المكان تعرّض نسله لمثل موقفه حين سرحوا بأبل قومهم كلّه, مصدر رزقهم. لمحوا من بعيد عصابة من قطّاعي الطرق بأسها شديد قدمت من وراء الغيب, من وراء التاريخ و الجغرافيا.  تقدّموا من رئيس العصابة يمدحونه ويمجّدون خصاله خوفا ومهابة. منحوه وبدون قتال(جميع) ما بحوزتهم من إبل…أبل قومهم، وتعهّدوا  برفده بكلّ ناقة أو بعير أو حوار من نسلها يملكونه فيما ورائهم أو مما تنبت الأرض…أرضهم، ليتقرّبوا منه أملا أن يحميهم (فيما) لوهوجموا من طرف ما..أي طرف!؟!؟.

    ضحك شيخ العصابة, كبير اللصوص و…قبل الهديّة. بل اعتبرها حقّ له من أولئك الرّعيان ومنّة منه عليهم إن قبلها, أليس هوشيخ العصابة الكبرى!؟ هو الأكبر الأعظم أصلا وفصلا؟! هو وربعه أولى بها منهم. قبل أن يغادر بادر لشتمهم بأقذع الألفاظ, هو يعتقد أنه في شتمهم تحيّة لهم ومنّة كبرى منه عليهم. بل  حسب أنّهم سيحمدونه ويعطونه أكثر, سيتقرّبون منه أكثر يهابونه أكثر ويمنحونه أبل…أكثر وأكثر.

    عاد الأعراب إلى قومهم مرفوعوا الرأس, يكبّرون يهلّلون…ينشدون أناشيد العزّ والفخار على طريقتهم وهم يهجزون:” لقد فزنا ” أوسعونا شتما و…فازوا بالأبل”. رحم الله جدّهم ، قام بشتم اللّصوص على الأقل حين لم يستطع غلبتهم.

. عمّان- الأردن

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. لم أقصد أحدًا بعينه…هو ينطبق على كل من ممارس مثل هذا العمل بالإبل بالمال بالتأييد بالتحريض و…بالسّكوت.

  2. رائعة جداً

    هكذا تعامل حكام الخليج مع ترامب و هكذا كانت ردة فعله

  3. مقال جرئ وجميل ومعبر…فعلا الخليج هو داء العروبة المزمن

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here