بانة عبدالله ماضي: فيروز … بين صخب الحب.. وقهر وكالة الغوث

 

 

بانة عبدالله ماضي

أعطت  الفلسفة واللغات والأديان والعلوم الكثير من التعريفات للاستدلال على ماهية ذلك الكائن الذي تطلق عليه صفة إنسان، أما بالنسبة لي فأنا فعليّا لا أتخذ أيّا منها مرجعا في تعريفي للإنسان، إنني ببساطة أرى أن الإنسان ما هو إلا كائن هشّ ضعيف مهما ادّعى القوة وامتلك السلاح، يمشي على اثنتين طوال حياته باحثا عن ملجأ، في فرحه لاجئا راجيا من يشاركه الفرح، في حزنه باحثا قاصدا صدرا يبكي عليه. حتى في اللاشعور تراه في أمسّ الحاجة لملجأ يتقبل تأمّله وصمته. والأرجح عقلا أو لنقل الأوفر حظا في هذه الدنيا من اتّخذ ملجأ من أي شيء سوى إنسان آخر كأعمال أدبية لكاتب معيّن دون سواه، أو أعمال فنية يلجأ ناظرا متفحّصا ألوانها ومعانيها، أو إلى أبيات شاعر شغوف، أو إلى موسيقى عازف مبدع، أو في أغاني مطرب ذي إحساس رفيع، أو حتى إلى مطعم يقدم من الأطباق أشهاها؛ فهذه الملاجئ لا تخون إطلاقا، ثابتة موجودة وحاضرة لا تتأثر بأهوال الزمان والمكان وتقلبات السياسة في الشرق الأوسط وأحوال الطقس وسعر االدولار وموسم الزيتون وسعرالطحين والسكر. إنّ وجودها الدائم هذا هو ما يجعل منها ملجأ؛ فأهم سمات الملجأ قربه الدائم في أي وقت أو طارئ؛ فالإنسان لا يستطيع توقع متى سيعصف به الحنين مثلا فيحتاج إلى ملجأ ولا متى سيطرق الحبُّ بابه ولا متى سيعتريه الغضب أو السّخط أو الوطنيّة أو السعادة أو الحزن.

لذلك لم أجد منذ طفولتي ملجأ أكثرأمنا من صوت فيروز؛ فصوتها ليس ملائكيا فحسب ليعطيني الشعور بالهدوء والاسترخاء فقط، هذا الحكم على صوتها لا يخلو من ظلم وإجحاف في حقها، فيروز ليست ملاكا دائما، فيروز ثائرة ساخرة، فيروز محاربة من أجل المبدأ والحب، فيروز رسخت عادات وتقاليد وأزاحت أخرى. هي من انتصرت بالحب كثيرا وانهزمت به أكثر، ومن الظلم أيضا أن نخص ساعات الصباح بصوتها؛ لأن من يدعي ذلك لم يسمعها قط في منتصف الليل على أضواء الشموع وكوب شاي ساخن مُنَكَّهٍ بنكهات شاميّة معطّرة تدغدغ روائحُها مشاعرَنا فتعيد ترتيبَ الذاكرة والمشهد، إنّه لم يسمعها في عتمة الليل وصمته خلال قيادة السيارة تحت إنارات الشوارع في البلدة القديمة وهي تغني لـ”عصفورة الشجن” أو “قولي أحبك” أو “أمس انتهينا”. فكيف لا تكون فيروز الملجأ والمأوى.

في أول مرة لمست فيها أناملي الصغيرة مفاتيح الأورج منذ اثنين وعشرين عاما دندنت بطفولة بريئة فرحة “ليلة عيد” و”تلج تلج”، وعندما كبرت أصابعي قليلا وضعتها على البيانو وعزفت غير مدركة لعمق الكلمة ووقع اللغة  ” فزعانة يا قلبي إكبر بهالغربة وما تعرفني بلادي “، وعند المراهقة ضربت أوتار الجيتار وغنيت “أنا لو في زورك بعينيي … وعمرا ما تمشي العربية”، وفي الرقص مع الأصدقاء “سهر الليالي” و”حنا السكران” و “عيون عليا”، وكبر الأصدقاء وأخذتهم سبل الحياة كلّ إلى عالمه  فبقي المقعد الخشبي في باحة المدرسة فارغا، أراه فأحنُّ ولسان حالي يردد “كل صحابي كبروا وتغير اللي كان … صاروا العمر الماضي … صاروا دهب النسيان”. وفي تأملي لوجه والدي أغني “يا قمر الحلوين يا زهر بتشرين يا دهب الغالي” ، ولِحُنُوّ قلب أمي أقول ” أمي يا ملاكي يا حبي الباقي الى الأبد”.

حبّي الساذج الأول أهديته فيروز، وحبي الناضج الحقيقي أهديته صورة لفيروز، وفي تعلّقي بالحبيب صرخت بأعلى صوتي “حلّفتك يا حبيبي …لا تنسى يا حبيبي” ، وعندما أردت أن أعبّر عن ثقتي خرجت كلماتي بنغمات فيروزية “عندي ثقة فيك وبكفّي”.  في التعبير عن الاهتمام لم أكن أريد سوى أن “يسألني كيف الحال” لأن الحبّ الحقيقيّ لا يطلب المستحيل  ” لا توديلي الزهر تلال … وبالشوق تجرح مَوّال”. من ثم يظن الحبيب أن هذا الحبّ ليس سوى حقّ مُكتَسب فتراه يتعامل بصِبيانيَّة لتَنتَفِض فيروزمُعترِضة  “ضاق خلقي يا صبي ……شو ما بتفهم عربي”، وتتناقل فتيات الحيّ الشائعات لتسمع ما لايسرّها فترّد ُمسْتهْزِئة من حبّهما وتقول ” إزا كاين حلو صَفّى مش حلو…إلك مني وعَليّي عيدُه من أَوّلو”، لتعود في آخر كوبليه ضاربةً جميع كلمات الأغنية وكلَّ تهديداتِها عرْض الحائط  قائلة “شو بيصير لو تِنْوي تِرْميلَكْ كلمة حلوة ؟ كلّ اللّي حْمِلتُه منّك بِرْجَع اتْحَمّله”؛ ففيروز تريد أن تخبرنا أنها هي الأخرى مثلنا تماما عندما نقع في الحبّ؛ فالحبّ هو أساسُ التناقضات وبالحب فقط  ترى أعقل وأقوى الناس في قِمّة الضعف وتراهم  يتصرّفون مناقضين أنفسهم ومتنازلين عن الكثير الكثير بشكل عفويّ ولامنطقي أحيانا، ذلك فقط لأنه “في ناس كتير لكن بيصير ما في غيره”.

 ثم تبرد مشاعرها فاقدة حماسها فتتنهد غير مبالية “مش فارقة معاي”، وفي انتظار اللقاء وترقّبه بعد طول غياب تجلس متخيلة لحظة التلاقي فهي من فرحتها ” رح تزين الريح وتخلي الشمس مراية” وعند الفراق ثانية تراها تبتكر حيلا طفولية لإقناع الحبيب بعدم المغادرة فتقول له “عنا الحلا كله … وعنا القمر بالدار” وكأنه لا حلا ولاقمر إلاّ في دارها، ومن ثمّ تتّخذ من الطقس والظلام ذريعة تبرّر بها خوفها عليه ” بيتك بعيد وليل .. ما بخليك ترجع .. أحق الناس نحنا فيك”، ولكنها آسفة تفشل فالعناد الشرقيّ أصيل في رجالنا. وتأتي أقرب الصديقات متعجبة من فرط الحب والتعلق فترد عليها “بيسمعني كلام … وبْيُغْمرني بالسلام … وعَصَوْته بِغْفى وبْغيب” ومن ثم تُفلسِف نظرتها لمكانة الحبيب في وجدانها وتقول “إنت مش حدا ولا إنت العدا”. ولكن ما إن انقلب الحال وتَبَدّل الحبيب وتلوّن حتى أتت بِواحدة من أجمل ما غنت واصفة تقلُّبَ الأحوال وتبدّل عادات الحبيب، واختلاف حبهما بين الأمس واليوم؛  فتغني مُتَهكّمة ” كان غير شكل الزيتون..كان غير شكل الصابون..كان غير شكل الليمون..كان غير شكل اليانسون….حتى عيونك يا حبيبي، كان عندك غير عيون” ، وتتحسر على  مشاعر بَهتت ولهفة راحت “مش سامع غِنّيّةْ راحو ؟!” فهي مستهجنة جدا من طعن الحبيب لقُدسيّة الحبّ وخصوصيّة المحبوب “كان يبقى الحب جنون … يخلص بحرف النون … ومش كلّ إنسانة تُمْرق وتْصير تْمون” لتأتي بعدها قوّة المرأة الشرقيّة الواثقة من تَفرُّدِها “وإزا هَلّأ حبّك غيّر … رَيتُهْ عمره ما يكون”. فهي ليست بساذجة لتُخدَع بالكلام المعسول كغيرها من النساء. إنّها لَتتبيّنُ الصّدقَ من الكذب في الأقوال، فما أكثرَ الثّرْثارينَ في الحبّ “لشو تقنعني بغرامك فِيّي … ما الكِزب مِتْل الشّمس بِتْشوفوا من الفَيّة”؛ ولأن القوة بالطبع لا تتعارض مع الشوق فلا معنى لادّعاء كبرياء كاذب؛ لذلك ” رغم الحاصل من زمان، وعزة نفسي كإنسان … اشتقتلك” ثم تأتي ساخرة من تَمَنُّع الشّرقِيّ عن الاعْتراف بمشاعرهِ صراحةً فتنتقدة بحدْس العاشِقة الذي لايكذب  ” اشتقتلك اشتقتلي … بعرف مش رح بِتْقِلّي … طيب أنا عَمْ قِلّكْ اشتقتلك..اشتقتلك”  ليتَجلّى من بعدِها ذلك الصراع الأزليُّ ما بين القلب والعقل في قولها “وبعرف إنّه ما بْيسوى .. وْشي يمْنَعني من جُوّه .. وشي تاني حِسُّه أقوى..اشتقتلك”؛ ولأنّ كِبرياءَ الرجل يحولُ دونَ تَذوّق حلاوة الحبّ تراها هاربةً منه راجيةً قِسْطا من النوم فتأرقُ عيناها ويتهدّجُ صوتُها، وباسْتحْياءٍ غاضبٍ تعترف “من عِزّ النوم بِتِسْرِقْني” وتُكْمِلُ مبرّرةً هذا الأرق بـ “لما على حالي سكّرت الباب … لقيتك بيني وبين حالي”، و”وجّكْ ما كان يْفارِقني”  فتَنْهمر الدّموع لأوّلِ مرّة من عيونِ تلك المرأةِ القويةِ مُعَبّرةً بذلك عن خَيْبتِها من الحبيب، فبعد أن وعدَها بحبّه لها “بحبك حتى نجوم الليل نجمة ونجمة توقع” أيقَنَت أنَّ الناسَ غالبا ما يُجيدونَ الكلام في الحبّ.. ولا شيء سوى الكلام  “ما تاري الكلام بِيضَلّوا كلام، وكل شي بيخلص حتّى الأحلام”، ثم تذهب للنوم مُواسِيةً النّفسِ بأنّه على الأقلّ “نحنا والقمر جيران”، وبالنهاية  “في أمل أوقات بيطلع من ملل”.

في صباح اليوم التالي تستيقظ  فيروز بِعُنْفوان المرأة الواثقة من أدواتها، تغسل وجهها وتضع عينيها بعيني الشمس كأنّ شيئا لم يكن، وتُعلن تَبَنّيها حُبّا أعظم …حبّ الوطن؛ فَتُطلّ مُغَنّيةً  “بتخلص الدّنيي وما في غيرك يا وطني” ومن ثَمّ تُغني قضيّة أمّة العرب، قضية فلسطين، مُوحّدَةً قِبْلةَ العرب قاطِبةً وتقول “لأجلك يا مدينة الصّلاة أُصَلّي”  فتلامس هويّتي الفلسطينيةَ الجريحةَ، وتُكَرّس ذكرى وطني ووجودَه ومأساةَ البُعد والشّتات مؤكدةً “أنا لا أنساكِ فلسطين … ويَشدّ يَشدّ بي البُعْد” لتتَغنى بالأمانِ في مَنفاها “أردنُّ أرض العزْمِ أغنيةَ الظّبا… نبَتْ السّيوفُ وحدُّ سيفكَ ما نبا”. ولا تنفكّ تغني لكلّ قُطْر عربي بالشّغَفِ ذاتِه ممّا يُشعرُكَ بأنّ سايكس- بيكو تتلاشى مهزومةً أمام ناظريك، فتراكَ تتحمّس وترسل من قلبك “سلامٌ لبيروت … وقُبَلٌ للبَحرِ والبيوت”، وبحماسكَ نفسِهِ ترفعُ هامَتكَ شامِخا مُدنْدِنا “شامُ ما المَجْد أنتِ المجدُ لم يَغِبِ” وبمزيد من الأَنَفَةِ ” بغدادُ والشعراءُ والصورُ … ذَهبُ الزّمانِ وضَوْعُهُ العَطِرُ” ومُتغنيّةً بخُضْرةِ الأرضِ وزُرْقةِ البحر “تونس الشقيقة يا وردةَ البلدان” وإجْلالا للحضارةِ، وحبّا في الفنّ والجَمال” مِصر عادت شَمْسُكِ الذّهب”.

وأخيرا، أُقِرّ أنّ تعريفي للملجأ والحب ما هو إلا تعريف شخصيٌّ جدا يحتمِل من الصواب ما يحتمل من الخطأ، لكن لا شكّ أنّ كوني لاجئة فلسطينية أحمل اسمي رقما أمام المجتمع الدولي جعل مني إنسانةً مُفْرطةَ الحساسيّة تجاهَ الهُويّة والذكريات.أضُمُّ صوتي للمستضْعفين المُهَمّشينَ الذين لا يأبَهُ لأنينِهم أحد، إنّ انتمائي لشعب ما زال يعاني إلى يومنا هذا من ألم الشّتات غرس في وجداني وجعا يحرّكني على الدوام باحثةً عن شيء من سلام، عن يدين تغمراني في ألمي وفرحي وتكفكفان دموعي، عن روح تحتوي شكواي وتمردي، عن قلب يمدّني بالحبّ والحنان؛ فبعد سبعةِ عقود من فقدان الأرض، وبعد أن امتلكت بيت الحجرعِوضًا عن الخيمة، والتدفئة المركزية عِوضًا عن المِعطف الصّوفيّ والحطب، وبعد أن اشتريت السمك “شخصيّا” ليس زَيْتَهُ فحسب، وجَنيْتُ المال لاقْتِناءِ ما يُعجبني (أنا) بدلا من الانتظارِ الطويلِ القاسي في طوابيرِ اللاجئيبن أمام مكاتب وكالة الغوث لتمنحني فقط ما يعجبُها (هي)، بعد ذلك كلّه لا زلت أبحث عن ملجأ في كلّ مَرّة يخونني فيها الإنسان أو الزمان.

شكرا فيروز..شكرا لصوتك..فقد كان صوتك وطنا لِمن لا وطنَ له، وأرضا لمن لا أرضَ له…ولا فُسْحَة في القلب لمَنْ كرّس المَنفى بِتجاهُل وعدِه أن يكون وطنا ….والعزاء لي بربّ الأوطان جميعا أناجيه فأقول “لو كلّن نِسيوني … وحدكْ ما بْتنساني”.

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. One of the most beautiful, incredibly expressive piece I’ve ever read. You’ve taken me through a journey with your words, and you managed to word feelings that words fall in front of. Great job, Bana! I can’t wait to read more of what you have to offer us.

  2. اه ماذا فعلتي بي؟؟؟؟
    شريط الحياة برفقه فيروز مر من امام عيني كنا نستيقظ ع صوت اذاعه دمشق و برنامج مرحبا يا صباح و موسيقا بقطفلك بس و كبرنا و اذكر اول كاسيت اهديته لحبيبه المراهقه خدني يا حبيبي ع بيت مالو بواب و ايام الجامعه كانت فيروز معنا برحلات و رقص للصبايا و لمعت عيونهن ع اغنيه امي نامت ع بكير و استمر عند قدوم ابنتي يارا و انا اخاول ان اغفيها ع يلا تنام ريما
    و انا مزهو بها اسميتها ع اسم اغنيه لفيروز

  3. اعدتينا لاغاني فيروز الجميلة.. الرائعة بكلماتها ولحنها وصوتها.. احساسكي جميل وتعبيركي حنون ومؤثر ..اعجبني جدا المقال.. وكأنه رواية قصيرة تختصر العلاقة بين المحبين.. محبين الروح ومحبين البيوت وعاشقين الاوطان…

  4. مااعظم من ذلك قرات ولا على غيره صبرت فلك الله ياحرة التعبير و ياعاشقة الفكر و التفسير لك منى اجمل التوقير يا سفيرة التحرير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here