باكستان الجديدة بيد “طالبان خان”

د. وائل عواد

لم تكن نتائج الانتخابات الباكستانية  التي أجريت في الخامس والعشرين من الشهر الفائت ،مفاجئة لأحد حيث فاز حزب  لاعب الكريكيت السابق عمران خان بالنسبة الأكبر من المقاعد في الانتخابات البرلمانية وحصل حزبه حزب تحريك الانصاف الباكستاني على 116 مقعدا” من أصل 270 مقعد تنافست عليه الأحزاب السياسية ويحق ل 105 مليون نسمة المشاركة في العملية الانتخابية .وشهدت هذه الانتخابات المثيرة للجدل  انتكاسا” للحزبين الرئيسيين حزب الرابطة الإسلامية و حزب رئيس الوزراء السابق نواز شريف الذي يقبع وابنته في السجن و حزب الشعب الباكستاني الذي حكم البلاد أربع مرات منذ تأسيسه عام 1970 وحصدا 64 و43 مقعدا كل منهما. وتميزت هذه الانتخابات، الأكثر دموية تزامنت مع سلسلة أعمال إرهابية، برفض الناخب الباكستاني التصويت للأصوليين و فشلت الأحزاب الدينية في كسب الناخب الباكستاني وخسرت العديد من مقاعدها وكذلك حزب القوامي للمهاجرين .الفوز لعمران خان كان متوقعا” بعد تدخل الجيش في سير العملية الانتخابية بشكل مباشر وهذا ما أكدت عليه وسائل الإعلام الرئيسية ومعظم الأحزاب السياسية التي طعنت بنزاهة الانتخابات وحّملت الجيش مسؤولية التزوير والتدخل في العملية الديمقراطية لضمان فوز “الطفل المدلل عمران خان”.

يضم البرلمان الباكستاني  342  مقعدا” ويتم التصويت ل 272 مقعد بشكل مباشر ومن يفوز بالاغلبية 172 مقعد يحق له تشكيل الحكومة الجديدة

وبغض النظر عن النتائج والاتهامات المتبادلة يبقى السؤال المطروح هل ستوفر هذه الانتخابات استقرارا” سياسيا” لباكستان التي يبلغ تعداد سكانها قرابة 207 مليون نسمة، سادس أكبر دولة اسلامية  في العالم ؟

من المعروف أن الاستقرار السياسي في باكستان يعتمد بشكل رئيسي على  حكومات الأقاليم والمجالس المحلية والجيش الذي يعتبر حكومة الظل فلم تشهد باكستان بقاء حكومة مدنية في السلطة لدورة انتخابية كاملة بسبب تدخل الجيش  وحكم البلاد  نصف المدة منذ الانفصال عن الهند عام 1947.وشهدت باكستان تقلبات سياسية عديدة وانقلابات عسكرية لكنها الآن في مرحلة صعبة من تاريخها السياسي حيث تواجه تحديات داخلية وخارجية جمة و تعصف في البلاد نزعات انفصالية عرقية وتهدد المنظمات المتشددة كيانها ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية المتردية والتحديات الأمنية  .

من هو عمران خان ؟

عمران خان البالغ 65 سنة  كان يعرف بالشاب الوسيم ذو شخصية كاريزماتية وكان بطلا” مرموقا”  في لعبة الكريكيت المشهورة في جنوب آسيا حيث فازت باكستان بالبطولة عندما كان كابتن الفريق .ومن المعروف عنه أنه ير نساء وحياته مليئة بالمغامرات الجنسية  والعلاقات مع المشاهير وكان أول زواج له عندما كان عمره 42 سنة  من البريطانية جاميما خان وتزوج مرة ثانية الصحفية ريهام خان وهناك العديد من الاشاعات عن  حياته العاطفية وعلاقاته الجنسية والتي تحتاج لبحث آخر.

دخل عمران خان المعترك السياسي عام 1995 وشكل حزب تحريك إنصاف باكستان(حزب العدالة ) و بدأ يتودد للاسلامين الأصوليين وقادة الجيش مما أفقده الكثير من شعبيته وسط الشباب الباكستاني  لكنه كان يدرك أن وصوله لكرسي الحكم يحتاج لدعم الطرفين وتطبيق حلمه ،كما قال، في بناء باكستان الجديدة .كما كانت له تصريحات مقربة لحركة طالبان الافغانية وضرورة البحث عن حل للمشاكل مع أفغانستان وهذا ما منحه لقب “طالبان خان”.تقرب من الصين وانتقد سياسة واشنطن تجاه إسلام آباد وقال ان الولايات المتحدة  تعامل بلاده كخرقة بالية على عتبة المنزل .

الاوضاع الاقتصادية والتحديات

تعاني باكستان من عجز في الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي لا يتجاوز 10 مليار دولار غير كافية لاستيراد حاجيات البلاد لمدة شهر وديون خارجية  تجاوزت 90 مليار دولار أمريكي .وتواجه صعوبات اقتصادية وانخفاض في نسبة النمو الاقتصادي وارتفاع نسبة التضخم والبطالة وارتفاع سعر المحروقات وانخفاض العملة المحلية .كما انخفضت المساعدات المالية الامريكية المشروطة وكذلك الدعم السعودي التي تعاني أصلا” بسبب حربها على اليمن لكنه من غير المتوقع ان يأخذ موقفا” مشابها” لماليزيا ويسحب قوات بلاده من التحالف السعودي ضد اليمن وهذا مرهون بالموقف تجاه النزاع حول اقليم كشمير مع الهند ومدى الدعم المادي السعودي بإسلام آباد .

بدورها دخلت بكين على الخط في فتح ممراقتصادي عبر باكستان وافغانستان وبدات بدعم الاقتصاد الباكستاني مقابل تحقيق مطالبها في فتح ممرات اقتصادية ضمن سياستها ممر واحد حزام واحد .

الموقف الهندي من الشأن الباكستاني

تمر العلاقات الهندية الباكستانية في أسوأ مراحلها منذ عام 2008 واتهام نيودلهي جماعات باكستانية تتخذ من إسلام آباد مقرا” لها بالاعتداءات التي وقعت في مدينة مومباي  .وتدهورت العلاقات بعد تسلم حزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي زمام السلطة في البلاد على الرغم  من التقارب بين رئيسي وزراء البلدين آنذاك ودعوة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نظيره الباكستاني نواز شريف لحضور مراسم تأدية اليمين الدستورية، ازدادت الأوضاع سوءا” مع ارتفاع وتيرة التوتر في إقليم كشمير المتنازع عليه بين الجارتين النوويتين ووقوع مناوشات على طول خط التماس في الإقليم المتنازع عليه وسط اتهامات متبادلة بين الجانبين حول تدخل كل طرف بشؤون الطرف الآخر، رحبت نيودلهي بحذر بنتائج الانتخابات ومع ذلك سارع رئيس الوزراء بتهنئة عمران خان وفوز حزب بأغلبية المقاعد معربا” عن أمله أن تترسخ الديمقراطية في باكستان وأن يعم السلام والتنمية دول الجوار كافة.

ويبقى السؤال هنا هل سيقوم عمران خان المعروف جيدا” في الهند بدعوة رئيس الوزراء الهندي لحضور مراسم تأدية اليمين الدستورية ؟وهل سيقبل مودي الدعوة وهو على عتبة الانتخابات البرلمانية العامة العام المقبل؟ وعلى الرغم من الخلافات حول إقليم كشمير الذي تعتبره باكستان لب الصراع مع الهند، إلا أنه من الواضح ان ملف العلاقات مع الهند  ليس من الأولويات على جدول رئيس الوزراء الباكستاني الجديد بل افغانستان وان كانت نتائج التقارب مع  كابول ستحدد مجرى العلاقات الثنائية الهندية الباكستانية وكذلك الأمر ستحدد سياسة الحكومة الباكستانية الجديدة الاقليمية والعالمية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار رغبة دول الجوار والولايات المتحدة والحكومة الافغانية بفتح باب الحوار مع حركة طالبان.

مما لاشك فيه أن التحديات الجّمة تنتظر رئيس الوزراء الجديد عمران خان حيث من المتوقع ان يؤدي اليمين الدستورية في الحادي عشر من الشهر الجاري قبيل احتفالات باكستان بعيد الاستقلال في 14 من شهر آب الجاري .ومن هذه التحديات ، التقارب مع الهند ، المسألة الافغانية، العلاقات الامريكية الباكستانية ، الاوضاع الامنية والاقتصادية المتردية وغيرها من الملفات الشائكة .والأهم من ذلك  الصراع السياسي الداخلي ومدى تقارب الجيش الباكستاني معه وطريقته في الحكم و انصياعه لأوامر الجيش.

خلاصة القول أن الزعيم الجديد عمران خان نجح في الملاعب الرياضية والآن دخل الملعب السياسي المحفوف بالمخاطر والعراقيل من المتوقع أن ينجح في تشكيل حكومة ائتلافية بدعم من الأحزاب الصغيرة والمستقلين و ربما يرتقي لحجم التحديات التي تنتظره وهذا يعتمد على عوامل عدة  منها طاقمه الوزاري  الذي  سيضم شخصيات رفيعة المستوى  لتطبيق سياسته ورؤيته تجاه باكستان الجديدة وكيفية التعامل مع دول الجوار والقوى العظمى وتحسين سمعة باكستان عالميا” وتحقيق ما امكن من تطلعات الشارع الباكستاني من الخدمات الأساسية ومحاربة الفساد والرشاوى والفقر والجهل والتطرف الديني وشحة المياه.كل ذلك يعتمد على مدى تعاطف الجيش معه من جهة وقدرته على التقارب مع الأحزاب السياسية الرئيسية وحكومات المجالس الإقليمية من جهة ثانية .

الكاتب الصحفي المتخصص بالشأن الآسيوي

www.waielawwad.com

twitter : [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here