باختصار.. “الصفقة” ليست خطة سلام

المتوكل طه

يبدو أن العُقد التوراتيّة والشطحات اليهومسيحيّة قد وجدت لذاتها مرتعاً خصيباً في مسكب البيت الأبيض، الذي راح يغزل بتلات الخرافات التوراتية والترجمة السياسية للنصوص الحاخامية ، صفقةً، قلّ نظيرها من حيث:

  • أن هذه الصفقة تؤكد على الحق المزعوم والوَهْم المصنوع لليهود في كل أرض فلسطين التاريخية، ما يعني أنها تفتح الأبواب على مصاريعها لتوفير كل الآليات لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين “الشعب الفلسطيني” ما ينذر بترانسفير مُفزع، ستقترفه قواتُ الاحتلال ، إذا ما توفّر المناخ المواتي له. ولعل”يهودية الدولة” هي التعبير الأدقّ لجوهر الترانسفير وإدعاء اليهود لملكية فلسطين .إذ أن هذا المصطلح يعني أن الأرض “لهم” ، وبالتالي فإن الحق “كان معهم” عندما اقترفوا المجازر لِ”تطهيرها” من السكان “الطارئين” ! ثم إن هذا يعني حقهم في “تنظيف” الأرض وتفريغها مِن ما بقي منهم، عداك عن أنها تغسل أيدي العصابات الصهيونية من دم الأبرياء، وأن لا حق مستقبلي أو حاضر لأي أحدٍ من الأغيار “الغوييم” غير اليهود.

  • أن هذه الصفقة لا تتمتع بأي مواصفة تذكر من مواصفات أي حل سياسي، فهي موقف شخصي عقديّ إعتباطي، اكتسب أهمية ما، فقط، لأنه صدر عن رئيس الإدارة الأمريكية. وهذا يعني عدم جواز أو قبول أو حتى التفكير بالتعاطي مع هذه الصفقة لأنها تفتقد إلى كل شئ بالمطلق. فضلاً عن أنها تهشّم أحكام القوانين والمعاهدات وأسس النظام الدولي والتوافقات الإقليمية والدولية لحلّ الصراع ، وتنحاز بشكل أعمى كلياً لطرف دون آخر ،وتجعل هذا الطرف فوق المساءلة والقانون ، ولا تلقي بالاً للقرارات الدولية والتعهّدات التي طالما ترددت في البيت الأبيض نفسه.

  • أن هذه الصفقة تكشف عن سطوة الإدارة الأمريكية في العالم وتبرز قدرتها الفظّة والفاشية على تحطيم كل البناءات التي تنهض عليها العلاقات الدولية والقوانين التي تصون الحقوق. كما نرى خفوت صوت العالم، إمّا المتطامن خوفاً أو طمعاً من أمريكا، أو العاجز عن مواجهتها، ما يعني أن الضعفاء في هذا العالَم والمذبوحين منهم على مقاصل الكارتيلّات الأمريكية ..سيظل دمهم يجري بين أقدام أصحاب المصالح أو الطامعين أو الخائفين أو العاجزين. وأمام كل ذلك يتقدّم سؤال حارق من جديد، أمام الشعب الفلسطيني؛ ماذا سنفعل وقد دَهَمَتنا هذه الصفقة المتوقعة؟

  لا  أدّعي أنني أمتلك الإجابة على هذا السؤال ، غير أني أتفق مع القائلين على أهمية وسرعة وضرورة إنجاز الوحدة الوطنية الفعلية والحقيقية بعيداً عن المناكفات الخائبة ، وإعادة النظر في المؤسسات لتصبح قادرة على حمل أثقال المرحلة، وإعادة بناء وتفعيل وإنهاض منظمة التحرير ، بما يكفل عودة دور النُخب الفلسطينية من فصائل ومنظمات شعبية وإعلام وثقافة … إلخ ، على قاعدة الرؤية والاستراتيجية الجامعة . كما أن المواقف الفلسطينية والعربية والإسلامية الرافضة للصفقة، لا تعني شيئاً سوى الإجهاش باللغة المحنّطة والمكرورة ..ما لم تكن مشفوعة بتحويل تلك المواقف إلى سياسات ملموسة، تشكّل سدّاً مانعاً أمام طوفان الصفقة، وتعزّز الحضور الفلسطيني الفاعل والقادر على التصدّي والمرابطة والتمسك بالأهداف والتطلعات.

ولا يجوز لأحد أن يَسِم هذه الصفقة أو يعرّفها بأنها “خطة سلام”، لأن مَنْ يقرأ بنودها يكتشف بأنها وصفة للحرب وتعميق للكراهية وعتبة لمواصلة الصراع، وتغليب لطرفٍ معتدٍ، واختلال للموازين ..لهذا ،أيضاً، لا ينبغي لأيّ كان أن يقوم بتسويق هذه الصفقة الملعونة، لأن الصفققات تتم بين طرفين أو أكثر، فأين الفلسطينيون؟ إن هذه الصفقة تلغي الوجود الفلسطيني من أساسه، وتبدّد حقوقة التاريخية، وتعرّضه للفناء، وتجعله أمّا تحت نير الاحتلال وإجراءاته أو في فراغ الشتات المدوّي.

ونرى أن ترامب ونتنياهو قد تغيّا كل منهما شيئاً آخر من هذه الصفقة؛ وهو إنقاذ مصيره  وإعادة انتخابه، ولم يكن في بالِهما، حسب توقيت إعلان الصفقة، سوى ذلك، بإعتباره، أيضاً يؤكد على ما يؤمنان به من سياسيات تستهدف إلغاء الطرف الأساس وهو الشعب الفلسطيني، ويكرّس الوجود الغاصِب للصهيونية على الأرض، وينفي أي إمكانيه لتحقيق الحدّ الأدنى من المطالب الفلسطينية المشروعه .

أما المستوطنون، الذين ابتهجوا بخطوة ترامب هذه، فإنهم أعلنوا عن مساعيهم لجعل أعدادهم تبلغ المليون في مستوطنات الضفة، كما أعلنوا أيضاً أنهم لن يقبلوا بالصفقة لأنها تُبقي على “الغوييم” بين أحشائهم ..لهذا، فهم يلحفون على ضرورة وسرعة خلع الفلسطينيين وطردهم من بيوتهم وحقولهم، بالحرق والهدم والترهيب والتجويع.. اعتقاداً منهم أن هذه هي “الأرض الموعودة” التي لا ينبغي أن يكون عليها سواهم ! باعتبارهم ورثة الوعد الرّباني ! وأن “الغوييم” يجب أن يشدّوا الرحال في الأصقاع بعيداً في المتاهات، وأمّا الذين يبقى منهم على هذه الأرض فمصيرهم عبيداً أو سقّائي ماء أو موتى تحت التراب .

إن هذا المنطق الفاشيّ الاستيطاني المستند إلى نصوص”الحِيرم” التوراتي الدمويّ، هو المناخ المناسب لتفجير الصراع المتفجّر أصلاً، أو بعثه بحدّة وعنف، بكل ما يحمله من تداعيات وضجيجٍ للكراهية والعداء والفوضى .

إن سبعة ملايين فلسطيني راسخون في أرض فلسطين التاريخية، لا يمكن لقوّة بشرية، كائنة ما كانت، أن تقتلعهم ، ثانيةً، من جذورهم، ولن يخرجوا من دورهم وبيّاراتهم ومحلاتهم وأرحام أمّهاتهم ، وإن نظام الأبرتهايد العنصري الإسرائيلي الذي يُمارس بأعتى الأشكال وأكثرها تطوراً  على الشعب الفلسطيني، هو الوصفة الثانية الكافية لجعل الصراع دائماً ومؤبداً بين أصحاب الأرض الشرعيين وبين الطارئين المحتلّين الغاصبين . وإن سبعة ملايين آخرين من اللاجئين، يحملون فلسطين في قلوبهم وعقولهم وأجنّات بطون زوجاتهم ، إلى أن يعودوا كاملين إلى أرضهم الأولى.

 إن الأدبيات التي أصّلت مدارك رئيس وزراء دولة الاحتلال، وجعلته ينتج كتابه الذي يعرّي مواقفه الحاخاميّة “مكان تحت الشمس” هي ذاتها الأدبيات التي كوّنت فكر دونالد ترامب اليمينيّ المتعجرف المتغوّل الموهوم، وهي أدبيات ترجع إلى ما اجترحه الأبيض المُستعمِر حينما اجتاح بلاد الهنود الحُمر، وأعمل فيهم إبادةً وتطهيراً، بمنتهى الساديّة والعربدة، وحقّق لنفسه كياناً نهض على أكثر من تسعين مليون جمجمة بريئة ! لكنه يظلّ كياناً غاصِباً  قاتلاً   وطارئاً، ولن يبلغ من العراقة والشرعية والأصالة ما بلغته أحدث زيتونة تتربّع على عرشها الأبديّ في جبال فلسطين، ولن يبلغ ما بلغه بيتٌ في مدينة أو تلّة فلسطينية، انوجد منذ آدم أو ربما قبل أن يهبط من جنّة السماء إلى جنّة الأرض فلسطين .

لقد مرّ على بلادنا غير استعمار واحتلال، لكن حضورنا المتواصل ودمنا المتدفّق قد مسح كلَّ ما كان لهم من ظلال وأوهام، وعادت البلاد طاهرة تليق بأهلها وشواهدها . وأحسب أن الاحتلال الأخير هذا، سيؤول إلى الزوال والعدم، كما آل مَنْ كانوا قَبْله من القتلة الغاصبين ! هذا هو منطق الأشياء والطبيعة والتاريخ، وما علينا إلاّ أن نكون عوامل تساعد على التعجيل لإنفاذ هذه الحتميّة التي تتجلّى في الأحلام والثياب والأغاني التي لا تموت . لهذا أتمنّى أن يقوم الإسرائيليون باختصار الزمن علينا وعليهم، بمعنى أن يدركوا أن أيّ احتلال سينتهي لا محالة ! فلماذا لا يوفّروا دمنا ودمهم ووقتنا ووقتهم وأوجاعنا ومآسينا .. ويعلموا أن وَهْمَهم لن يفضي إلاّ إلى تيهٍ جديد، سيذهبون إليه، إذا لم ينصتوا لصوت الحق والعدالة والمنطق السّويّ ! وإذا ما سأل سائلهم، سنقول له : أعطِنا احتلالاً واحداً، عبر كل التواريخ، ظلّ وتواصل وانتصر ، أو لم يكن لعنةً تتصادى في فَم الزمان ؟!

كاتب وشاعر فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لقد تم وضع علم فلسطين على واجهة بناية
    المطعم التركي قرب ساحة التحرير في بغداد
    وقد كتب عليه ” نرفض صفقة ترامب ”

    هذا هو حال العراق وشعبه مناصراً لفلسطين
    ورافضاً لكافة صفقات الذل والعار المطروحة
    .
    عاشت فلسطين حرة عربية
    والخزي والعار للمحتل
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here