ا. د. نسيم الخوري: الوطن الباهت الهامشي الفاقد للونه وطعمه ومستقبله

ا. د. نسيم الخوري

أمثلة ساخنة:

 1- لم يبق سياسي أو إعلامي أو قانوني أو رجل قضاء أو صاحب لسان وسبابة وخلوي في العالم زعيماً أو عادياً وضيعاً إلاّ وتابع أوشارك جهراً أو همساً في التعليق والإجتهاد والتحليل والآراء والسيناريوهات في مقتل الصحافي جمال الخاشقجي. بلغ الأمر الذرى حتى الطمس السحري الناعم المقصود لما علق بالحواس والنفوس والذاكرة من كوارث ومجازر ذابت كأنّها أفلام سينمائية حشت المخيّلة البشريّة بالعنف الذي نخافه ويريحنا ونرميه عند أبواب الصالات مشدوهين لنلتهم ما تيسّر بعجالة نتلمّس سلامتنا، ونخلد إلى النوم بإنتظار فيلم جديد. من يرسم أو يفهم أو يقدّر العلاقات والمسافات التي يفترض إجلالها مثلاً بين السلطات السياسيّة والقضائية والإعلامية وغيرها في ما يسمّى بالمحاكمات الدولية؟

2- ننزل من العالم نحو لبنان متسائلين: في ال2005 إغتيل رفيق الحريري ومنه  يدور لبنان ومعه الكثير من الدول العربيّة والإسلامية والعالم بين التيه والإنقسام والتناقض لتخلط الحقائق بالأسباب وبالنتائج والتداعيات، والإنقسامات المزمنة بين 8 و14 آذار تغيب لتطفو صعوداً فوق قمم هذا الشهر الجميل بحثاً عمّن يحسم أو يقرّر. لست نادماً في المجال عندما قلت : “لا تنتظروا المحكمة الدولية” في 9 أيلول/سبتمبر 2005 ( منشور في مؤلّفي: تفجير الحبر، ص: 171-176).

3- نصعد معاً إلى “الجاهلية” وهو إسم مسقط رأس الوزير السابق وئام وهّاب. طامح إمتهن الصحافة/السياسة. أسّس حزب التوحيد وذاعت صورته في البرامج السياسية الحوارية المثيرة للجدل لجرأته وإلمامه بالأسرار وعفويته وسليقته الجارحة في تناول الأشخاص والملفّات وخصوصاً في فتح ملفّات الفساد في لبنان.

صحيح أن جبل لبنان تجاوز المخاطر الأمنيّة والحرب الأهليّة، كما قيل في الإعلام، بعد محاولة إحضاره بقوة عسكرية مؤلّلة من منزله في ما سمّي ب”غزوة الجاهليّة”، للمثول أمام القضاء الذي إمتثل بدوره لإشارة من سعد الحريري المكلّف بتأليف الحكومة  والذي تناوله وهّاب إعلامياً، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الإستنفار السياسي والإعلامي في لبنان بلغ الذرى إلى درجة عنونة الحدث في صحيفة الأخبار: “حزب الله: أرادوا قتل وهّاب”.

4- أعادت المحكمة توقيف الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة (في7/4/2016) الذي يحاكم بتهم إرهابيّة بعد ثلاثة أشهر من إخلاء سبيله ومحاكمته بالسجن 4 سنوات ونصف لإتّهامات بنقل متفجرات وأعمال إرهابيّة. لكن الإخلاء  لم يرض الشارع اللبناني نظراً لطبيعة “الجرم” الذي يحاكم عليه هذا الوزير. تصاعدت الضغوط الشعبية والسياسية والإعلاميّة وشدّدت العقوبة الصادرة بحقّه، وأعادته المحكمة إلى السجن وما زال.

الأمثلة كثيرة.

ما هي العبر؟

يتشبّث بلبنان مثلّث دائم الخطورة يتحاشر ويتخالط ويتناكف في زواياه المتساوية الأضلاع معظم السلطات بتفرّعاتها وأحزابها وطوائفها:

1- السلطات التشريعية والإجرائية التنفيذية والإدارات والسلطات القانونية والدينية  والتربوية  والنقابيّة حيث ملفّات الفساد مفتوحة على مصراعيها  إلى حدود التهديد اليومي بالإفلاس والسقوط الإقتصادي والمالي.

2- السلطات القضائية التي تجاوزت الملفّات مقدراتها وهي بطبيعتها تميل نحو التكتّم وعدم التوسّع في الإعلان عن الجرائم لعدم إثارة المزيد من الميول والشهية الإجرامية المتفاقمة في المجتمعات.

 3- السلطات الإعلاميّة أو صاحبة الجلالة التي نزلت مؤخّراً عن ظهور الأحصنة أو طلّقت مرتبتها الرابعة، وصارت تعشق المغالاة والنشوة في إظهار الجرائم والتلذّذ بالصور المرعبة والكوابيس، وتسابق سلطات “الماوس” في الزوايا والشقوق بعدما نافستها حريّات التعبير للجماهير. إنّه عصر الخلط الحقيقي بين حرية الشعوب في التعبير وحرية السلطة المنضبطة والضابطة بالقوانين في ممارسة الحكم. غابت برامج “التوك شو” كليّاً لإشراك الجمهور الإعداد والتقديم والمشاركات الحوارية مع تقصّي مضامين وسائل التواصل الإجتماعي، وإبتكار “هاشتاغات” يتبادل الجميع عبرها أفكارهم وآرائهم. ذابت المسافات والفواصل بين العام والخاص وبين الواقعي والإفتراضي وتراجعت هيبة الحكّام وأربك القضاء بجرائم ويصب التفريق بين حرية الإعلامي والسياسي والمواطن العادي في التعبير لأنّ التداخل والخلط بينهما فلت بما يورث الأخطاء والإنفجار.

4- يختلط المحلّي بالإقليمي والدولي، إلى العجز عن الإحاطة والتقنين أوالضبط لإختلاط الخصوصيّات بالعموميات والسلطات بالشعوب والثقافات بالثقافات وتعدّد المعايير بما يجعل الأحكام  مواداً متنوعة جاهزة للتبجيل والتكريم والتعظيم كما للطعن والتبخيس والتقريع في الوقت والمكان عينه.

أتضعف عدالة القضاء مثلاً إن غاب الإعلام؟ وكيف يعالج الحكام حرية التعبيرلدى  الرأي العام المكشوف أمامه العالم مساحات للحرية وهو الميّال بالسليقة والحجج نحو الرفض والتحريض والتشهير يحمي نقسه بتقاذف الحكام التهم والشتائم والقتال؟ أتدفع حريّة الإعلام القضاة للتروّي ومحاكمة أنفسهم  قبل محاكمة الآخرين؟ وكيف نشرّع مقتضيات الحاجة في العلاقات بين أهل السياسة والإعلام والقضاء ومن يحاكم من ؟

تلك هي الأسئلة الحرجة الجديدة في المثلّث الديمقراطي المشوّه.

تبحث عن مفكّرين وعبر وخلاصات في لبنان الباهت اللون والطعم بحكّامه مشعبه على السواء.

بروفيسور وباحث لبناني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here