ا. د. محسن القزويني: تجربة العراقيين مع فيروس كورونا

 

ا. د. محسن القزويني

فيروس كورونا المستجد: حطم كبرياء الدول الكبرى ..أحال عواصم العالم إلى مدن مهجورة .. وأطاح بزعماء كبار وجعلهم أسرى في بيوتهم.

وأفشل عمل أكبر البوارج الحربية، وأفرغ القواعد العسكرية من الجنود والضباط.

فيروس كورونا في تصاعد عالمياً كموجة بحر كعاصفة رملية اجتاحت العالم بأسره.

أرقام تتصاعد.. عدد الموتى بالعشرات ثم بالمئات … ثم …عدد المصابين بالعشرات … ثم بالمئات … ثم بالآلاف ثم بعشرات الآلاف  ثم … وخلال فترة قياسية لا تزيد عن عدة أسابيع زاد عدد المصابين عن المليون والنصف وفاق عدد الموتى عن الثمانين الفا.

الا بلدٌ واحد توقع خبراء الصحة العالمية أن يكون الثالث بعد الصين وإيران وهوالعراق.

العراق .. البلد الذي يحد إيران التي أصبحت البؤرة الرئيسية لكورونا بعد الصين.

العراق الخارج لتوه من أشرس أربعة حروب كان آخرها حرب داعش.

العراق الذي يفتقر لكل شيء، حكومته تصريف أعمال، ونظامه صحي متعثر ومشافي تفتقر لكل شيء واقتصاد منهار بسبب تراجع أسعار النفط.

إضافة إلى كل ذلك زيارات مليونية واحدة بعد أخرى..

زيارة اول من رجب إلى كربلاء ..

زيارة النصف من رجب إلى كربلاء ..

زيارة الثالث عشر من رجب إلى النجف ..

زيارة الخامس والعشرين من رجب إلى الكاظمية ..

زيارة النصف من شعبان إلى كربلاء مرة أخرى..

هذه الزيارات التي تقول لفيروس كورونا تعال تفضل فنحن على استعداد للموت.

كل هذا !!!

وعدد الإصابات لتوه بلغ الألف

وعدد الوفيات لتوه بلغ الستين.

حتى ان دوائر الصحة العالمية بدأت تشكك في هذه النتائج، وفي الخبر ان أمريكا طالبت منظمة الصحة العالمية باجراء تحقيق حول هذه الأرقام غير المتوقعة وفي كل يوم نسمع تعليق من أدهم إسماعيل ممثل منظمة الصحة العالمية وهو يؤكد بأن الأرقام التي تعلنها خلية الأزمة العراقية صحيحة.

فما السر في هذا الاستثناء العراقي!!

طبعاً خبراء الصحة لايستطيعون تفسير ذلك..

فهم عاجزون عن تفسير لماذا لم تحصل ولا إصابة واحدة في زيارة الامام الكاظم في الخامس والعشرين من رجب كما ذكر ذلك مدير صحة الكرخ في لقاء تلفزيوني حيث أعلن وعلى رؤوس الأشهاد.. لم تحصل ولا إصابة واحدة في الزيارة الشعبانية على رغم كسر الحظر من قبل الآلاف من الزوار.

وكان البعض من المخالفين يرصد الأرقام علها ترتفع مع هذه الزيارة ليرمي بما لديه من سهام ضد الزيارة.

لكن لم يحدث ما توقعه خبراء الصحة ولم تحدث أية إصابة في الكاظمية ولا من الذين زاروا الامام موسى بن جعفر عليه السلام.

فما السر إذاً في علاقة العراق مع الكورونا.

السر يكمن في ثلاثة أمور:

الامر الأول التزام الشعب العراقي بقواعد السلامة الصحية امتثالا لفتوى مراجعه العظام الذين أوجبوا عليه الانصياع لتعليمات الخبراء والأطباء فامتثلوا لهذه التعليمات كامتثالهم للصلاة والعبادات،

فشعب العراق معروف في انتمائه لمراجع التقليد الذين كانوا دائما الخط المدافع الأول والحصن الحصين للشعب العراقي خلال تاريخه المديد، كان آخرها موقف المرجعية وفتوى السيد السيستاني التي أنقذت العراق من داعش.

وفتواه الأخيرة التي أوجب على الشعب العراقي تطبيق قواعد الصحة العالمية لمواجهة فيروس كورونا.

الأمر الثاني الذي يكمن خلف سر العراق مع كورونا هو الطاقم الطبي الذي أعلن الجهاد ضد هذا الفيروس وقاتله بضراوة كما قاتل العراقيون فيروس داعش.

لم يترك هذا الطاقم ساحة المواجهة والبعض منهم ظل في المشفى لأكثر من أسبوع بلا نوم ولا راحة كمقاتل في خندقه يعالج مرضاه ويقدم له كل ما يملك حتى يتعافى.

الأمر الثالث: وراء هذا السر هو تعاطف العراقيين وتعاونهم فيما بينهم الذي لا نظير له فالجار يُقسّم ما لديه مع جاره، لقد استنفر الشعب بكامله ليقدم المساعدة لأخيه ولابن بلده حتى أصبحت (السلة الغذائية) العنوان الأكبر لحديث الشارع العراقي.

لقد ملأت السلة العراقية ما عجزت عنه الحكومة وسدت كل الفراغات الموجودة في هذا البلد ولم يكن بمقدور أية دولة في العالم أن تتكفل طعام المحتاجين من اليتامى والأرامل الذين لايعدهم عد في بلد النكبات والحروب كالعراق.

فبينما كانت بقية الشعوب تزحف نحو المولات لتشفط كل ما فيها من مواد غذائية كان العراقي يحمل كيساً مملوءا بما يحتاجه أخوه ليضعه أمام بيت فقير لا يعرف صاحبه ولا حتى ينتظر خروجه من بيته بل يكتفي بطرق الباب اعلاناً عن وصول المساعدة.

هل وجدتم هذا الكرم في مكان آخر من العالم ربما هناك مشاهد كثيرة من هذا القبيل هنا وهناك في بلدان الخير سجلتها عدسات التلفاز العالمية.

لكن في العراق شيء آخر.

 الكرم في العراق أصبح ظاهرة .. وليس أبياتا شعرية.

والرحمة في العراق أصبحت حقيقة لا كلاما معسولا.

فالراحمون يرحمهم الرحمان

ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

 

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. * هذه هي حقيقة كل من عاش في العراق *

    لقد عانى العراق من مآسي كبيرة ومروعة
    ولكنه تغلب عليها بجهود الطيبين الغيارى
    ..
    والطينة التي جبلت بماء دجلة والفرات
    جعلت من كل من عاش وترعرع بأحضانها
    مفخرة للإنسان الذي رضع المحبة للآخر
    .
    ومن يحب وطنه يمكن له أن يكون معطاءً
    .
    ولله الحمد والشكر على فضله ونعمته
    .
    عاشت فلسطين حرة عربية
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here