ا. د. ذياب عيوش: “سقطة القرن”.. والتحديات المنتظرة  

ا. د. ذياب عيوش

منذ أن أعلنت وسائل الاعلام العربية والدولية عن ما سُمي ” صفقة القرن ” ، لا تزال وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تقدم لنا ما تجود به أقلام الكتاب والمفكرين حولها ، وكأن هذه ” الصفقة” قدر محتوم من رئيس مأزوم، وأن على الجميع قبولها والايمان بحتميتها و الاستفادة من معطياتها المزعومة طوعا أو كراهية. أقلية من المفكرين فقط هم الذين شككوا بامكانية تطبيقها على أرض الواقع ورأوا أن من الممكن احباطها أو دفنها في مهدها، مما يعكس تباين الرأي بين  من يؤمنون بحق القوة ويذعنون للقوي والطامع والمتآمر أوالخائن، سواء كان قريبا أو بعيدا، وبين من يؤمنون بقوة الحق وقدرة الشعوب على تقرير مصيرها بعيدا عن الاملاءات والمؤامرات والخيانات.وهذا التباين في الرؤية يعكس بشكل واضح مدى التباين بين أصحاب الرؤية الواثقة وبين أصحاب الرؤية العاجزة. والتاريخ يشهد كيف كان مصير الشعوب المؤمنة بحقوقها الواثقة من قدرتها على الحفاظ عليها ، ومصير الشعوب غير المؤمنة بحقوقها أو المتهاونة في الذود عنها وحمايتها.

ومما يلفت الانتباه أن الكثيرين تفننوا في وصف “الصفقة” المذكورة، فمنهم من وصفها كما وردت من المصدر، ومنهم من وصفها بأنها ” صفعة القرن” ، ومنهم من وصفها بأنها ” طبخة القرن” ومنهم من سماها “صفقة ترامب”،ومنهم من حار في وصفها لكثرة مساوئها واستكبار صانعيها ومروّجيها.وحقيقة الأمر ، أن ما جرى هو أخطر من صفعة، وأخطر من صفقة، وأسوأ من طبخة،لأن مثل هذه التسميات يمكن أن يفهمها الناس بطريقة تبسّط الحقيقة.ولهذا أسميها ، ابتداء، بمعنى أدق وهو “سقطة القرن”.وهذا يعني أن مطلقها الأول ، وهو الرئيس ترامب، زلّ الطريق وانحرف عن الصواب، فأسقطه ذلك من منزلة رئيس ما يفترض الكثيرون أنها أقوى دول العالم عسكريا واقتصاديا الى “رئيس مسخرة ”  لدى الحكومات والشعوب واأصحاب الفكر الحر والقادة السياسيين المرموقين. ولهذا وجدناه يتخبط ويترنح يمنة ويسرة بعيدا عن الحنكة السياسية المطلوبة، وبعيدا عن اللياقة التي يتطلّبها موقعه السياسي وهو يقرر أن القدس العربية والاسلامية عاصمة (اسرائيل) ولا يدرك مدى خطورة هذا القرار اللامسئول تماما كعدم ادراكه لهزائمه أمام من بطحوه على حلبة المصارعة وأشبعوه ضربا قبل أن يقتنع أنه لا قدرة له على مواجهة خصومه في النهاية.

لم يدرك رئيس الولايات المتحدة الحالي حكمة من سبقوه من حكام أمريكا، الذين وان راودت كثيرا منهم أنفسُهُم ومصالحهم باتخاذ قرار مماثل عن القدس لصالح سلطات الاحتلال الاسرائيلي تحت ضغوط الصهيونية العالمية عليهم ، حين رفضوا الضغوط ولم يتهوّروا باتخاذ قرار مماثل، ولم يدرك هذا الرئيس أن القدس خط أحمر، وأن جميع الدول التي اعترفت بدولة (اسرائيل) وكانت الأقرب اليها كانت وما تزال تعتبر تل أبيب وليس القدس عاصمة لدولة الاحتلال، ولهذا أسست سفاراتها فيها على هذا الأساس حتى يوم مجيئه الى السلطة ،وذلك ادراكا من تلك الدول أن القدس هي العاصمة السياسية والروحية الأبدية لدولة فلسطين طال الزمان أم قصر.وأعتقد أن عزلته السياسية في مجلس الأمن، وعزلته الاقتصادية الممثلة بفرض عقوبات مضادة على بلده موجهة من الاتحاد الأوروبي، وكندا، واليابان، والصين الشعبية مؤخرا الاّ أمثلة على سقطات أخرى ستحدد مصير استمراريته في الرئاسة ونجاحه فيها نتيجة لاستكباره وسوء تدبيره وغياب الكفاءة السياسية اللازمة لمنصبه رغم ابتزازه أغنياء العرب دون غيرهم و”حلبهم” مئات المليارات من الدولارات طوعا أم كرها، ورغم انقياده المُذل لصهاينة امريكيين متعصبين ضد العروبة والاسلام.

وبعيدا عن مواقف المطبّعين والخائفين والمتآمرين من العرب حكاما ومحكومين، تدلنا المؤشرات أن هناك تحديات كبيرة منتظرة تحول دون نجاح هذه “السقطة” وتشل امكانية تجسيدها على أرض الواقع  نظرا لخطورتها وابتعاد عرابيها من العرب والأمريكان واليهود عن جادة الصواب ، والتحيّز الأعمى للرئيس ترامب ومساعديه السياسيين للصهيونية .

ويمكن القول، أن أول هذه التحديات وأقواها على الاطلاق هي الموقف الفلسطيني الموحد الرافض لقرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال والرافض ” لسقطة القرن” جملة وتفصيلا، والمتمسّك بعروبة القدس وبحق العودة للاجئين الفلسطينيين. فالشعب الفلسطيني الذي أروت دماء أبنائه تراب فلسطين، وتحمّل عناء مئات الألوف من المعتقلين والجرحى والمبعدين كرها عن وطنهم وديارهم العربية الفلسطينية هو فقط صاحب الولاية على أرضه دون غيره، ولن يجرؤ أحد على قبول” سقطة القرن” أوالابتعاد عن هذا الموقف لأن خطرها سيطال كل فلسطيني وفلسطينية أينما كانوا.وعلى الرغم من غياب التوافق بين الفصائل الوطنية والاسلامية على قضايا معينة الا أنهم متفقون كافّة على رفض الصفقة ورفض عزل القدس عن هويتها العربية والاسلامية بكل ما أوتوا من قوة وامكانات حالية ومستقبلية.

أما التحدي الثاني والجدير بالاحترام فهو موقف الاتحاد الأوروبي، ومجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، من قضية القدس والرافض بقوة استفراد أمريكا واسرائيل بتقرير مصيرها ومصير المناطق العربية المحتلة خلافا للقرارات الدولية والاجماع الدولي . ولعل تصويت أربعة عشر دولة في مجلس الأمن الدولي ضد قرار ترامب مؤشر على هذا التحدي الكبير.

ويأتي التحدي الثالث من قوى وازنة ويُحسب حسابها في الميزان الدولي عندما أعلنت مواقفها المبدئية من مسألتي القدس والمناطق المحتلة وحق  اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى وطنهم وممتلكاتهم وفق القرار الأممي رقم 194، ومنها روسيا، والصين الشعبية، وايران، وتركيا، وكوبا، وفنزويلا، والسويد وغيرها من دول الممانعة العربية مثل العراق وسوريا والجزائر . فهذه الدول وغيرها من الدول العربية والاسلامية والصديقة تشكّل بمواقفها العادلة من القضية الفلسطينية تحديا يصعب على المتآمرين علينا اختراقه.

أما التحدي الرابع فيتمثّل بمدى القدرة على اسقاط المراهنة على تمرير قرارات ترامب والصهيونية الدولية من خلال محاصرة الفلسطينيين وتجويعهم في غزة هاشم والمناطق الفلسطينية المحتلة و في الشتات. فقد أثبتت النظريات السوسيولوجية بيمينها ويسارها أن المحاصرة والتجويع سببان للثورة والتمرّد على الواقع وليس العكس. ولعل أكبر مثل نسوقه في هذا السياق هو ذلك الصمود الأسطوري لأهلنا في قطاع غزة ومواجهتهم للحصار الظالم وعدم صرف رواتبهم أو تخفيضها، ووقوع الاعتداءات المتكررة عليهم برا، وبحرا، وجوا ، واعتبارهم ارهابيين من قبل المطبعين العرب الذين يعملون في الظلام ضد أبناء أمتهم لصالح الأعداء حبا أو كرها.

وهناك تحد خامس وهو أن قوى المقاومة الاسلامية والوطنية الفلسطينية لم تستسلم رغم ما تعرضت له من محرقة بعد أخرى وخاصة في القطاع الحبيب الذي أظهر مقاومة منقطعة النظير في التصدي للعدوان المتكرر منذ بداية الاحتلال ، وعمل على تجذير القضية الفلسطينية وحق العودة الذي نسيه الكثيرون ممن أعمنهم المناصب أو المكتسبات غير المشروعة أو المناصب التي احتلوها في ظل غياب تكافؤ الفرص. لقد نظّمت قوى المقاومة مسيرات العودة المشتركة نحو حدود الأرض المحتلة عام ثمانة وأربعين مع قطاع غزة وأبدعت في استخدام وسائل مبتكرة في مجال المقاومة السلمية ، ولم يثنها استشهاد وجرح الألاف من شعبنا هناك عن المضي قدما وعدم التراجع رغم خذلان الأقربين. واذا أخذنا بعين الاعتبار أن للمقاومة أنصار وداعمين داخل الوطن وخارجه على مستوى أشخاص وتنظيمات ودول وازنة، أدركنا كم تملك قوى الرفض الفلسطينية والعربية والدولية الحرة من امكانات لتحدي سقطة القرن ودفنها في مهدها.

ونختم بالقول أن من أعظم التحديات الأخرى التي تواجه “سقطة القرن” هي التفاف قوى المقاومة العربية والاسلامية حول القدس والقضية الفلسطينية ككل ووقوفها في السر والعلن الى جانب الرافضين لخطط ترامب المتعلقة بالقدس وفلسطين وجاهزيتها المتصاعدة لتحديها ومواجهتها كأولوية نضالية.بل ان قوى المقاومة والممانعة تبدو اليوم أكثر وعيا بالمؤامرات الأمريكية في عهد ترامب بشكل خاص ورعونة مستشاريه ومساعديه في التعدّي على الأمن القومي العربي ابتداء من تعديه على القدس عاصمة دولة فلسطين، وما خروج الملايين في أقطار عربية واسلامية الى الشوارع في يوم القدس العالمي، وما مسيرات البطولة والتضحية في قطاع غزة الصامد المرابط سوى أمثلة على ذلك. ومع أن ما نشرته بعض وكالات الأنباء في هذا اليوم الموافق 28 حزيران 2018 من أخبار صاعقة ومقلقة عن عقد ما سمته “قمة سرية تجمع الموساد وقادة مخابرات عربية ” قد يكون صحيحا ولكن الارادة الرسمية والشعبية العربية والفلسطينية ، بوجه خاص، كفيلة بتفويت الفرصة على التآمرين و المتنازلين والمطبّعين على حساب الحقوق الوطنية والقومية العربية ومنعهم من تنفيذ مآربهم.وسيرى القاصي والداني كيف يدافع الفلسطيني عن أرضه وكرامته وحقوقه ولو كره المتآمرون.طوبى لمن يعملون على اسقاط ” سقطة القرن” ، والخزي والعار لمن يتبنونها وينبطحون للاملاءات الأمريكية اليمينية الظالمة.

أكاديمي ومفكّر فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال شامل كلام في الصميم ورؤية وتحليل منطقي وموقف وطني واضح على الجميع تبنيه…..
    تحياتنا دكتور.
    أخوكم/احمد القسام

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here