ا. حسن حمدان: سبب الدين الأمريكي وإرتفاعه مع الحديث عن الإنهيار السياسي

 

 

ا. حسن حمدان

لقد كثر الحديث عن الدين الأمريكي  وأثره  على الكيان السياسي الأمريكي ومن ثم أثره الكيان على الهيمنة  الأمريكية والدور العالمي لها في ظل ارتفاع المديونية مقارنة بالدخل القومي.

بداية تعود مشكلة الدين الأمريكي إلى (إتفاقيات بريتون وودز عام 1944م حيث نجحت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض وجهة نظرها بقيادة ممثلها الاقتصادي هينري وايت، حيث طرحت الولايات المتحدة الامريكية الدولار كعملة احتياطية مربوطة بالذهب، بحيث يلتزم الفدرالي الامريكي بتحويل الدولارات لذهب لأيَّ بنك مركزي في أيَّ وقت؛ بحكم تفوق الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً على جميع الدول خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية)، وتمت هذه الإتفاقية بنسبة تحويل 35 دولار للأوقية الواحدة آنذاك ولكن هذه الإتفاقيات لم تضع ضوابطاً وحدوداً إضافية على الولايات المتحدة في مجال إصدار وطباعة الدولار.

ولم تنشأ مؤسسة رقابية دولية مستقلة للإشراف على الولايات المتحدة في هذه الصلاحية الخطيرة جداً، بل تركت الأمر للولايات المتحدة في خديعة وسرقة ليس بعدها خديعة، ويبدو أن من وراء هذه الإتفاقية تعمد لإدراكه على المدى الطويل ما تعني تلك الضوابط والقيود، وظهر هذا الأمر جلياً بعد حرب حرب فيتنام؛ حيث خاضت الولايات المتّحدة حرب فيتنام من العام 1956م – 1975م، واحتاجت الولايات المتّحدة إلى المزيد من الدولارات لتغطية تكاليف الحرب، ولكن الدولارات الموجودة لا تكفي، لأن الذهب الموجود في الولايات المتحدة (بل والعالم) لم يعد كافيًا ليغطّي الدولار  الأمريكي ولم  يعد بالإمكان طباعة المزيد من الدولارات، وبالتالي قامت الولايات المتّحدة بتجاوز الحد الأعلى المسموح من الدولارات المطبوعة، وقامت بطبع دولارات غير مغطاة بالذهب دون أن تُعلِم أحدًا بذلك ومن دون مشاكل حتى ظهرت حقيقة الأزمة عندما طالب الرئيس الفرنسي تشارل ديغول عام 1971م بتحويل الدولارات الأمريكية الموجودة لدى البنك المركزي الفرنسي إلى ذهب (طالب بتحويل 191 مليون دولار إلى ما يقابلها من الذهب، وكان سعر الأونصة 35 دولار عملًا باتفاقية  فقامت الولايات المتحدة بأكبر سرقة عالمية على مرأى ومسمع من العالم حيث قام  الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بإصدار بيان السرقة  في عام 1973م يلغي فيه التزام الولايات المتّحدة بتحويل الدولارات الأمريكية إلى ذهب، عُرفت لاحقًا باسم  أو صدمة نيكسون، هذا أصل وسبب الدين الأمريكي أما سبب ارتفاعه فيعود إلى أسباب كثيرة جداً وعلى رأسها وهو نمو النفقات العامة في الموازنة الإتحادية مقارنة مع نسبة الإيرادات الممولة بشكل رئيسي من الضرائب، ونمو هذا الفارق مع الزمن خاصة تلك النفقات العسكرية والاقتصادية ذات الدوافع السياسية والاستعمارية مع التذكير بتبني المحافظين الجدد منذ عهد ريغان لمدرسة شيكاغو، وسياسية التيسير الكمي، والتي اعتمدها البنك الفيدرالي سنة 1987م والتي تعني التوسع النقدي بلا حدود ولا ضوابط، مُشكلاً عاملاً رئيسياً لارتفاع الدين نتيجة النفقات العسكرية والإقتصادية مع أضعاف الدور التمويلي للضرائب وخاصة الضرائب المباشرة على الأرباح تحت ذريعة تشجيع رؤوس الأموال على الإستثمار.

وهنا نأتي للذكر على أبرز محطات النفقات العسكرية والتي أدت إلى إرتفاع سقف الدين الأمريكي إلى أرقام قياسية نذكرها مجمله :

– ثقافة الاستهلاك للشعب الأمريكي والذي يعيش على مقدرات الآخرين وليس مقدراته.

 – حرب فيتنام.

 – ارتباط النفط عالميا بالدولار (البترودولار) اعطى القدرة لامريكا لطبع المزيد من الدولار؟ مما ساهم في ارتفاع الدين بشكل كبير

– الحرب الباردة بكل آثارها العسكرية.

– التخفيضات الضريبية في عام 2001م و 2003م في عهد الرئيس جورج بوش حيث بلغت 1.6 تريليون دولار.

– تكاليف الفائدة على الديون.

– الحروب في العراق وأفغانستان؛ فضلاً عن المغامرات العسكرية هنا وهناك، والقواعد العسكرية والانتشار العسكري والقيام بدور الشرطي.

– المشاركة الدولية في المؤسسات الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة؛ فمثلاً اعترف ترامب أن حجم مشاركة أمريكا في منظمة الصحة العالمية 450 مليون دولار مقارنه مع الصين 40 مليون دولار وخاصة المؤسسات والأحلاف العسكرية كحلف الأطلسي.

– حزمة التحفيز الإقتصادية في عهد أوباما 800 مليار دولار.

– التخفيضات الضريبية عام 2010م والتي كانت حلاً وسطاً بين أوباما والجمهوريين، وذلك بخفض الضرائب المفروضة على الرواتب بمقدار 400 مليار دولار.

– خلق المنافع الطبية للدواء خلال عام 2003م بمقدار 300 مليار دولار.

– إنقاذ الصناعة المالية في عام 2008م بمقدار 200 مليار دولار.

 الخلاصة: إن إرتفاع الدين العام على النحو الذي نشهده حالياً ومقاربته للدخل القومي وبهذه المعدلات المرتفعة كما نرى ظاهرة ليست جديدة على الإقتصاد الأمريكي، وهذه  ليست المرة الأولى التي ترتفع فيها نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتتجاوز حاجز الـ90 في المائة، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 52.4 في المائة عام 1940م إلى 121.7 في المائة عام 1946م، لتأخذ النسبة في التراجع بشكل مستمر تقريباً حتى بلغت 32.5 في المائة عام 1981م؛ أي أن الاقتصاد الأمريكي استطاع التعامل مع هذا المستوى الضخم من الدين إلى الناتج، وعادت الأمور إلى نصابها مرة أخرى. وهذه النقطة تجعلنا نقف ملياً عند الحديث عن  قدرة الإقتصاد الأمريكي على التعايش مع نسبة دين عالية خاصة وأن الديون الأمريكية تختلف عن غيرها من حيث أن الدين العام الأمريكي سواء الإجمالي أو المملوك بواسطة الجمهور كله مقوم بالدولار؛ أي بعملة تلك الدولة، وهذه هي الخاصية الأساسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة دون غيرها من الدول. وهذا يعني ببساطة أن إحتمال توقف الولايات المتحدة عن خدمة دينها العام هو صفر في المائة؛ لأنه على أسوأ الفروض إذا ضاقت السبل بالحكومة الأمريكية حيال خدمة دينها العام فإنها يمكنها ببساطة أن تتحمل قدراً من معدلات التضخم المرتفع في سبيل استيفاء مدفوعات خدمة الدين العام من خلال طباعة الدولار، ومن ثم تخفيض قيمة الدولار وبالتالي تخفيض قيمة الدين العام من ناحية أخرى ليصبح الدين العام بقرار سياسي أقل من هذه الأرقام المهولة.

بمعنى آخر الدولار يشكل حجر الزاوية في النظام النقدي العالمي، وهو الأكبر في المعاملات المالية والاحتياطية وهذه الميزة هي تسديد الديون عن طريق طباعة المزيد من الدولار وهذه ميزة لا تتوفر لغيرها من الدول، هذا جانب وجانب آخر يتجنب الكثيرون الحديث فيه خلال حديثهم عن فقاعة الدين الأمريكي، وهو قياس حجم الدين مقارنة بالدخل القومي فقط، وهذه نظرة قاصرة وليست صحيحة، بل يجب قراءة مسألة الدين من خلال معادلة الدين الصحيحة وهي معادلة  بسيطة مغيبة عند أصحاب الحديث عن فقاعة الدين والإنهيار، والتي هي معدل  فرق الأرقام بين ما على الولايات المتحدة من ديون مقارنة بما لها من ديون على دول العالم، إضافة لمعرفة حجم الأصول الأمريكية والتي تقدر بمبالغ خيالية سواء أكانت أصول المعادن منها: الضرائب، ونفط الصخر الزيتي الأراضي، وبقية المعادن والثروات البحرية والأرضية،  والحديث يطول حول مقوات الأصول الأمريكية، فضلا عن المدخلات غير الثابتة نتيجة البلطجة الأمريكية في دفع الاتاوات وتحمل الأعباء عنها، وتقليل النزيف في النفقات بتحميل الآخرين عبء هذا الأمر، وهذا الآن واضح جلي في سياسية ترامب، وبعد معرفة هذه الأرقام نستطيع بعدها قراءة حقيقة الدين مقارنة بما لها وبما تملك من أصول جبارة، ليصار بعدها الحديث عن فقاعة الدين وأثره على الكيان السياسي الأمريكي بين الحقيقة والخيال، والتمني بزوال الكيان السياسي نتيجة الدين فقط بعيداًعن وضعه الوضع الحقيقي بما له وعليه لأن قراءة الواقع والتحليل لا تكون  بالأماني، وحتى لا يفهم هذا  المقال تقليلاً من حجم الدين والأزمات الأمريكية فنقول: إن الأزمات والديون مشكلة لا شك فيها ولا ينبغي التقليل من شأنها، وهي معضلة استدعت من الدولة العميقة وضع إستراتيجيات وسياسات من أجل هذه المعضلة ولا شك، وهذا ما تقوم به إدارة ترامب حالياً ولهذا نرى كيف تتعامل إدارة ترامب مع أسباب ارتفاع الدين بشكل واضح في التقليل من النفقات بشكل كبير واعادة النظر في الالتزامات الأمريكية والنفقات الدولية والبلطجة، وإعادة الشركات وضرب الملاذات الضريبية وفرض الضرائب على الأمريكيين خارج البلاد والحرب التجارية، ولكن الأمر الذي يراد ذكره هنا أن الدين الأمريكي لن يكون سبباً وحيداً  للانهيار السياسي للكيان الأمريكي، وأن الولايات المتحدة قادرة – إن أحسنت – وضع الاستراتيجيات الصحيحة على التعامل مع سقف دين عال من خلال إدارة سياسية حكيمة وليس مثل إدارة ترامب، وإن حقق للاقتصاد الأمريكي بعض الأموال من خلال حروبه، فالمسألة ليست جني أموال فقط بل المسألة توفر عقلية سياسية وليس عقلية التاجر الشجع والنذل، بل من خلال عقلية سياسية كتلك التي كانت في بداية النهضة الأمريكية، فمسألة تضخيم الدين لدرجة الانهيار الأمريكي هو حديث بعيد جداً عن الواقع السياسي للولايات المتحدة وعدم معرفة لحقيقة الإقتصاد الأمريكي، والله أعلم.

.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

7 تعليقات

  1. بارك الله فيك، أضاءاتك وضحت لنا أمورا أجهلها، بينت كم هيمنة الدولار على العالم و كم هو عبارة عن وهم كبير متسلط و متجبر و ناهب للخيرات ، و لن يستطيع الوقوف أمامه من ارتبط به، و لكن الأمل معقود على المسلمين بحكم امتلاكهم لمبدأ الإسلام الرباتي، الذي يعالج المشاكل الاقتصادية كلها و من ضمنها مشكلة النقد، بعدل إلهي.

  2. انهيار اي دولة يجب ان تكون مصاحب ارتفاع دولة اخرى ولا يوجد نظام بديل عن النظام الرأسمالي غير نظام الاسلام الذي جرب وكانت له امتياز على كل المستويات ان كان اقتصادي وان كان سياسي وان كان اجتماعي فالواجب على الامة ان تنبذ ما سواه فتقيم حكما راشدا قد ان اوانه. فالعالم كله يرزح تحت ظلم الرأسمالية الذي اسام العالم سوء العذاب. فالى العمل لايجاد النظام الاسلامي الذي يصلح الدنيا والاخرة لكم يا عباد الله.

  3. جزاك الله خيرا يا أخي على هذه المعلومات الواعية، نعم انهيار أمريكا هو انهيار فكري ونسأل الله أن يكون سقوطها بذلك قريبا

  4. بوركت إستاذ حمدان شرح مطول ومفصل هذه المحاضرة سمعتها مباشرة في مجمع النقابات المهنية منذ سنوات

  5. أنرتنا أنارك الله. شكرا
    الدّولار دمار ما دام. قِيل لفرعون : من فرعنك علينا يا فرعون ؟ أجابهم : أنتم !
    و حتى لا أظلم، رحم الله الصّدام و القذّافي، حاولا و دفعا حياتهما. و رجاؤنا أوفر مع الصّين لو اتّحدت مع روسيا و إيران و الهند و فنزويلة و و بقيّة الأحرار !

  6. بعد التحية اسالك ما هي حظوظ نجاح محاولات الصين وغيرها التعامل في التجارة بين الدول بغير عملة الدولار

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here