ايليا ج. مغناير: هل تقسيم لبنان مطروح الآن على الطاولة؟

ايليا ج. مغناير

بعد إنتهاء الحرب الأهلية عام 1975 وتوقيع إتفاق الطائف، الذي يُعد أسوأ الإتفاقات، سلمت البلاد إلى “أمراء” الحرب الأهلية الذين يحكمون ومعهم “أولادهم”. ومنذ ذلك الوقت سرقت البلاد وخيراتها وإحتمى هؤلاء خلف طوائفهم في ظل نظام طائفي بعيد عن الديموقراطية ويقدم الإنتماء الخارجي على الإنتماء الوطني. وليس أدل على ذلك من كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته أخيراً لبيروت، فهو قال لأولئك المجتمعين في قصر الصنوبر: “ليس من إختصاص رئيس فرنسا كتابة تاريخكم. إكتبوه بأنفسكم”.

ورفض ماكرون إجراء إنتخابات نيابية مبكرة وطلب من “أمراء الحرب” أن “يتحدوا في حكومة موحدة”. وهذا يعني مواصلة الدعم الدولي للسياسيين المسؤولين عن الأزمة اللبنانية والسرقات على مدى العهود الماضية. ولم يكن عابراً نزول الناس إلى الشارع بعد رحيل ماكرون مما أشار للبعض أن الحرب الأهلية لم تعد وراء لبنان… فهل يمكن تقسيم البلاد؟ وماذا ستكون ردة فعل اللاعبين الأقوياء؟ وإلى أين بعد إستقالة الحكومة يوم الاثنين الماضي؟ إستقالت الحكومة بعدما حان رحيلها، وهي التي ترأسها حسان دياب، الأكاديمي السني الذي لم يكن يوماً زعيماً سياسياً ولا حزبياً.

وقد منع من إجراء تغييرات حقيقية لمحاربة الفساد وإجتمع كل “أمراء الحرب” لإسقاطه بمن فيهم رئيس مجلس النواب نبيه بري المفترض أن يكون حليفه، هو الذي رفض الوزراء المحسوبين عليه إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المتهم بإدارته السيئة للهندسات المالية. وقبل أيام من إستقالته قال دياب أنه يعطي السياسيين شهرين ليتفقوا على خطواتهم. إلا أنه يبدو أنه لم يشاور الأطراف الراعية لحكومته حين دعا لإجراء إنتخابات نيابية مبكرة وهذا ما رفضه السياسيون الأقوياء مما أدى إلى خروج دياب من الحكم.

ومن المؤكد أن المسيحيين والسنة الذين يتمتعون بتمثيل وازن هم أكثر المتضريين من الإنتخابات المبكرة لأن سعد الحريري وجبران باسيل سيفقدان مقاعد نيابية يمتلكانها اليوم بعد خسارتهما الدعم في الشارع. أما الثنائي الشيعي والطرف الدرزي فلا يتوقع أي تغيير يذكر في مقاعدهم النيابية.

ويطالب المجتمع الدولي بوحدة السياسيين – الذين حاربوا اليوم حكومة دياب – ليتجنب لبنان المشادات الداخلية ويتحمل رؤساء الكتل المسؤولية سوياً. وقد عرض لبنان إستعداده لحلحلة النزاع البحري مع إسرائيل فيما يتعلق بالبلوك 8 و 9 لتشجيع المجتمع الدولي على دعم بيروت بعد إرضاء أميركا من خلال رضى إسرائيل. ومع ذلك فقد إقتصر الدعم الدولي على مساعدات طبية وغذائية إقتصرت على 300 مليون دولار دون أي مساهمة لحل الأزمة المالية العميقة التي تهدد الإستقرار في لبنان.

وكانت حكومة دياب واجهت تحديات لم تعرفها حكومة من قبل: فحاربها الجميع بمن فيهم من كان يفترض أن يكون حليفاً لها، إضافة إلى محاربة فريق 14 آذار لها، وسط عجز مالي خلفته الحكومات الماضية بقيمة 110 مليار دولار، تم منعها من عزل حاكم المصرف المركزي أو السيطرة على ما يفعله، ودهمتها جائحة الكورونا، ومن ثم إنفجر في وجهها مرفأ بيروت وما خلفه من دمار المباني السكنية المحيطة به، مما منع تلك الحكومة من تقديم إنجازات خلال 6 أشهر من حكمها.

ومع تقديم الحكومة إستقالتها، لن يكون من السهل تشكيل أخرى جديدة فاعلة وسيبقى دياب مصرفاً للأعمال وسينتظر العالم من “أمراء الحرب” تشكيل الحكومة العتيدة من المتهمين بالفساد: “لقد تلقيتم جميعاً أموالاً وأنا أعلم ذلك” قال الرئيس ماكرون عندما إجتمع برؤساء الكتل النيابية في بيروت. وقد برزت محاولة ضغط أوحت بالسعي لدفع المجلس النيابي نحو الإستقالة. إلا أن إستقالة بعض النواب تستدعي إنتخابات فرعية ولا يحل المجلس نفسه إلا بإستقالة النصف زائد واحد وجل ما يمكن ان تؤدي إليه الإستقالات هو الطعن بميثاقيته أو تعطيله. الوضع الحكومي الآن وخياراته يعتمد على النائب ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري الذي يرأس أكبر كتلة سنية (من 20 نائباً). فهل يقرر الإستقالة ويأخذ موقفاً متشدداً ومتشنجاً من “حزب الله”؟ أو يتجنب التصادم السياسي مع الشيعة الذين أصبحوا أصدقائه الوحيدين في مجلس النواب بعد خلافه مع سمير جعجع ووليد جنبلاط وجبران باسيل؟

من الواضح أنه سيصعب تشكيل حكومة جديدة، والإتفاق على قانون إنتخابي سيكون أصعب بكثير وستستمر الأوضاع الإقتصادية في لبنان متدهورة بعد أن فقدت العملة الوطنية 80 في المئة من قيمتها وسط تلاشي الثقة بالمصارف والسياسيين. إلا أن الخطر الإقتصادي ليس الوحيد فالشعارات الطائفية التي تعالت خلال الإحتجاجات الأخيرة تعطي بعض المؤشرات للبعض بأن شبح المواجهة الطائفية في لبنان لم يرحل بعد. وتقول مصادر مطلعة أن “جعجع قال في لقاءاته الخاصة أنه يمتلك 5000 عنصر (خمسة آلاف) بكامل جهوزيتهم. وبعد فترة قال أنه لديه 12000 عنصر (اثنا عشر الف) وهم على إستعداد عند الحاجة. وقد كشف المحتجون عن اهدافهم عندما رفعوا شعار “العاصمة منزوعة السلاح” وهو طلب يناسب إسرائيل وأميركا مما يدل أن تحقيقه يتطلب المواجهة الأهلية مثلما حصل عام 1975.

إلا أن هذا لن يُسمح به أبداً. فمحور المقاومة لم يعد يقتصر على “حزب الله” فقط فهو يعتمد على حلفاء مستعدين وموجودين في السلسلة الشرقية لمنع تفكك لبنان: وأن أي محاولة ستضع كلمة النهاية لإتفاق الطائف وتقلب الطاولة فوق رأس الجميع”. يعتقد ماكرون أن الضغط الإقتصادي والعقوبات القصوى لم تضر بـ”حزب الله” بل بالسكان اللبنانيين ومن بينهم حلفاء فرنسا وأميركا، وتالياً فأن لبنان يتجه نحو إيران والصين وروسيا كلما زادت أميركا من ضغوطها. هذا عدا عن اللاجئين الذين سيتدفقون إلى أوروبا.

ما يؤشر إلى فشل الضغوطات على إيران وسورية وحزب الله فهؤلاء لن يخضعوا ولن يخضع لبنان رغم الإختلاف الداخلي. بل لقد دفعت التصرفات الأميركية لإبعاد أوروبا نفسها عن أميركا لتبتعد عن الهيمنة الأميركية. “مشكلة لبنان هي وجود دول كثيرة حوله” (أي لديهم نفوذ فيه). هذا ما قاله ماكرون وهو يصف واقع اللبنانيين الذين إبتعدوا عن الولاء لبلدهم وحيث ظل شبح التقسيم يحوم دون كلل.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here