ايليا ج. مغناير: سورية تفرض أستانة بالقوة وسط الكباش التركي – الروسي

 

حلب ـ ايليا ج. مغناير

للمرة الأولى منذ عام 2012 يتحكم الجيش السوري بطريق دمشق – حلب بقوة النار، ويستعيد تالياً السيطرة على أكثر من 14 قرية ومدينة وتلال حاكمة كانت في قبضة الجماعات المسلحة وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقاً).

وسببت هذه العملية إحتكاكاً نادراً بين الجيشين السوري والتركي، بعدما كانت أنقرة دفعت بجيشها إلى المعركة في أعقاب تقهقر الجماعات المسلحة ليصبح الأصيل في مقدمة المعركة بدل الوكيل. وقد سقط خمسة جنود وضباط أتراك جراء القصف السوري على مطار تفتناز، مركز تجمع القوات التركية – الجهادية. وتم تحرير طريق الـM5 (دمشق – حلب) المتفق على فتحه في أكتوبر 2018، إلا أن الإتفاق لم تنفذه تركيا طيلة هذه المدة ولم تدفعها روسيا في حينه لتنفيذه بالقوة. إلا أن الوقت قد حان لأسباب تتعلق بتصميم سوري على التقدم وتضيق الخناق حول إدلب ولأن الإشتباك الروسي – التركي تمدد إلى خارج حدود سورية ليطول أوكرانيا وليبيا.

وما حصل أن روسيا زودت الجيش السوري بمعدات قتالية حديثة وبكميات كبيرة منها وعلى رأسها دبابات “تي 90” التي مكنته من القتال الليلي والتقدم تحت جناح الظلام إلى المناطق المتاخمة لطريق دمشق – حلب. كما قدمت دعماً جوياً هائلاً يتمثل، ليس فقط بغرفة عمليات تتواجد فيها القيادة الروسية بل بمئات الغارات المنظمة لضرب الجهاديين في المواقع المطلوب تحريرها والإغارة خلف خطوطهم. ومن المفاجئ رؤية الأنفاق العميقة والمتعددة التواصل والترابط في ما بينها تحت المدن والقرى وفي الأمكنة الريفية والتي تضم غرف عمليات متعددة ومستشفى ميداني وطرق للسيارات على عمق يصل في بعضها إلى نحو 20 متراً تحت الأرض، تجنباً لوصول القصف من المدفعية ومن الطيران. وكل تلك المواقع سقطت بيد الجيش السوري بسبب إخلائها السريع. ومن المعلوم، أنه منذ بداية الحرب وتعافي قوة الجيش السوري، فإن عملية محاصرة المتحصنين في المدن قد أنتجت إنسحاب القوة المدافعة لكي لا تقع في الحصار. ولم يعمد الجيش في هجماته في الأعوام الأخيرة، بعد سقوط حلب، سياسة الحصار الخانق لما يولده ذلك من تدخل دول خارجية تحت حجة “الحصار المدني والإنساني”.

ولذلك فهو إتبع في عمليته الأخيرة سياسة ترك منفذ لخروج المسلحين، من مواقعهم. وأظهرت تركيا دعمها المباشر لقوات “هيئة تحرير الشام” ولمجاهدي الأوزبك والإيغور بدخولها المباشر في المعركة وقصف مدفعيتها لمواقع الجيش السوري. إلا أن أنقرة تفتقر لعنصر السلاح الجوي بسبب سيطرة روسيا على الأجواء وإستعداد دمشق لإسقاط الطائرات التركية إذا خرقت أجوائها. لقد حصلت نقطة إنعطاف إستراتيجية في سورية بدءاً من تحرير معرة النعمان إلى سراقب وتلة العيس وصولاً إلى السيطرة على الراشدين 4 ليرفع العلم السوري على طريق حلب – دمشق.

والمعضلة الموجودة اليوم، أن تركيا لن تستطيع المحافظة على موقعها لأن إستقرار سورية من أولويات الجيش وحكومته وأيضاً من أولويات روسيا التي من مصلحتها القومية والإستراتيجية النجاح في تأمين إستقرار بلاد دخلتها لوقف الحرب فيها. كذلك لدى روسيا مصالح إستراتيجية ترتبط بقاعدتها البحرية على المتوسط. ولدىها أيضاً مصلحة في القضاء النهائي على “القاعدة” وحلفائها الذين يتمتعون بالإيديولوجية والأهداف نفسها – وإن إختلفت الأولويات – خصوصاً القضاء على الإيغور والأوزبك الذين لا بلد لهم يلجأون إليه وتالياً يختارون القتال حتى الموت في سورية. وقد كشرت تركيا عن أنيابها عند إعلانها أنها لا تعترف بسيادة روسيا على جزيرة القرم وبأنها ستقدم مساعدات عسكرية بقيمة 33 مليون دولار إلى كييف.

لكن جلّ ما تستطيع فعله تركيا هو السعي إلى الإعتراف بدورها في ليبيا حيث تنسج علاقات متينة مع حكومة فايز السراج في طرابلس. أما في سورية فتعلم أن دورها سينتهي عاجلاً أم آجلاً، وأن تحرير مدينة إدلب ليس على أجندة العملية الحالية ولكنها مسألة وقت فقط. خسرت أميركا نفسها داخل شمال شرقي سورية بأخذها مناطق نفطية والإستيلاء عليها فقط، وتالياً، أصبحت الأولوية لإخراج تركيا من سورية قبل أميركا، لترك القوات الأميركية إلى المرحلة المقبلة. وتعلم أنقرة إن إخراجها وحلفاءها – كما تصفهم هي – من إدلب يعني أن عفرين ستكون على اللائحة المقبلة للتحرير. وتالياً فهي تحاول الحصول على مكتسبات لضمان نفوذها في المنطقة، ولذلك، فقد جرت أربعة لقاءات على أعلى المستويات الأمنية بين السوريين والأتراك لبدء الحديث عن “إتفاق أضنة” جديد ومعدل وتنظيم العلاقة بينهما، فيما تلعب روسيا وإيران دوراً مهماً لتقريب وجهات النظر. لقد اشترت تركيا منظومة “اس 400″، ووصل الروبوت الروسي “تركيش ستريم” إلى تركيا، وتقدم أنقرة تسهيلات مهمة لحلف الناتو التي هي جزء منه، وتالياً فهي لا تستطيع الإحتفاظ بالجهاديين إلى الأبد ولا تستطيع البقاء في سورية إلى ما لا نهاية.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. شكرا على التقرير الرائع لكنهم هؤلاء ليس به جهاديين الارهابيون كفر فجر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here