ايليا ج. مغناير: بعد الإنفجار تعود الحياة إلى طبيعتها ويتعايش العالم مع الـ COVID -19

ايليا ج. مغناير:

لن تنأى أي دولة عن إنتشار الفيروس بانتظار مرحلة الإنفجار، أي “الذروة” التي تمثّل أعلى مستوى الإصابات والوفيات بالـCOVID -19 المعروف بالفيروس التاجي أو “كورونا”، لتبدأ بعدها مرحلة الإنزلاق نحو أعداد أقلّ من الإصابات. وهو الوقت الكافي الذي سيتيح لقادة الدول إتخاذ القرارات اللازمة للطلب من المجتمعات إستعادة الحياة الطبيعية حتى ولو بقي الفيروس موجوداً معنا لأشهر عدة قبل إيجاد العلاج المُناسِب. وستبقى معايير الإجراءات الإحترازية موجودة والإبتعاد الإجتماعي، وخصوصاً لكبار السن والأشخاص ذوي الأمراض الأكثر تأثّراً.

ومع ذلك، سيحتاج الاقتصاد لمعجزة لإستعادة نشاطه على الرغم من خسائره الهائلة في العالم أجمع. وفي 10 مارس الماضي، زار الرئيس الصيني شي جين بينغ مدينة ووهان ليعلن إستعادة السيطرة وقال: “تم تحقيق النجاح وإستقرار الوضع”.

لم يقُل أبداً إنه قضى على الفيروس. وتقبّلت الصين أعداد الضحايا وجهّزت نفسها للمستقبل لتصبح قادرة على التعامل مع حالات جديدة من دون الإصابة بالذعر. وهذا ما سيقرّرة القادة الأوروبيون في شهر مايو (للمصانع المهمة التي تدفع عجلة الإقتصاد) وشهر يونيو المقبل (للشركات الأخرى). وسيعتمد هذا القرار على بلوغ كل دولة مرحلة الذروة وهبوطها إلى مستوى عشرات من الضحايا بدل الآلاف الحالية. ليس بمقدور الحكومات تَحَمُّل ضرر التبعات على الإقتصاد، وبالتالي سيتعيّن الطلب من الناس معاودة أعمالهم لتعود الطاقة الإنتاجية. ولن يستطيع السكان التعايش مع أسبوعيْن من الحجر الصحي الذي يتجدّد كل أسبوعيْن لتزداد الأشهر الطويلة حتى إيجاد الدواء للفيروس. وترتفع الخسائر الإقتصادية لتسجّل فقداناً في الدخل للأسر والأفراد بما يراوح بين 860 مليار دولار و 3.4 تريليون دولار عالمياً. وتُقدَّر خسائر شركات السفر بين 30 إلى 60 مليار دولار. أما التجارة والخدمات وتبادُل السلع فقد تخطت عتبة 320 مليار دولار في الربع الأول من السنة.

ويعتمد العديد من الأفراد على دخلٍ يومي، وهناك العديد ممن لديهم مدخرات قليلة جداً أو لا مدخرات أبداً، وقد فاجأتْهم أزمة الفيروس ليُسَرّوا بالعودة إلى أعمالهم والتعايش مع الـCOVID -19. وهذا يعود لسبب واضح: لن يكون هناك دواء قبل نهاية 2020 على أفضل تقدير. وتالياً لا جدوى من إبقاء الحجر الصحي طويلاً لأن العلماء أجمعوا على أن 85 في المئة من المصابين لا يدركون إصابتهم أو تظهر عليهم أعراض طفيفة ولديهم مناعة تخوّلهم العودة إلى أعمالهم بأمان لإعادة عجلة الإنتاج. وبعد انحسار موجة “التسونامي” سيصبح النظام الصحي أكثر فعالية في كل دولة وسيتمكّن من التعامل مع الإصابات القادمة. وقد إستفاد النظام الصحي في كل دولة ليُدْرِك القادة والمسؤولون ضرورة تحضيره لما يخبئه المستقبل.

وسيُطلب من كبار السنّ والمصابين بالسمنة وأمراض القلب والإلتهاب الرئوي والذين يتمتّعون بجهاز مناعة ضعيف التقليل من تحرّكاتهم وإستقبال عوائلهم بعد أخْذ الإحتياطات الازمة. وسيتم تطوير الدراسة عن بُعد والعمل من المنزل لشركات عدة لأن العالم ليس بمنأى عن فيروسات مستقبلية ولأن فرض الحجر الصحي في كل فيروس جديد سيضرب الإقتصاد العالمي ضربةً لا قيام منها. وقد تقبّل الناس فقدان أحبائهم من الفيروس من دون أن يتواجدوا معهم لخوفهم على حياتهم الشخصية. وفشل النظام الصحي حتى في أرقى المجتمعات الغربية وأغناها. حتى أن رئيس أميركا دونالد ترامب يعتبر أنه “قام بعمل جيد إذا توفي 200 ألف شخص من الـCOVID -19.

وبمجرّد إنحسار العاصفة سيرغب المجتمع بمحاسبة قادته الذين فشلوا في التحضير لمواجهة أزمة طبية مماثلة وخصوصاً أنه تبيّن عجز الدول عن الحصول على إختبارات كافية أو أجهزة تنفس أو غرف عناية فائقة أو أسرّة في المستشفيات أو مراكز إختبار تعمل لمواجهة الفيروسات بسرعة لحماية البشر. لقد تم تقبّل هذا العجز الطبي أثناء مرحلة الذعر، ولكن حين تنتهي هذه المرحلة سيتعيّن على قادة الدول شرح لماذا تُنْفَق المليارات لشراء الأسلحة وإرسال قوات إلى الخارج للحرب في وقت فشلت هذه الدول بتحصين النظام الصحي والإقتصادي حيال أزماتٍ مماثلة.

أما أوروبا فهي لن تنقسم كما هي الحال أثناء أزمة “كورونا”، إلا أن هذه المرحلة قد تسبّبت بأضرار جانبية. وتعلّمت الدول، مثل إيطاليا، أن روسيا والصين ليسا بأعداء. وقد سارعت هذه الدول، بما فيها كوبا، لمساعدة روما على الرغم من أن إيطاليا تفرض عقوبات على موسكو.

وفشلت أميركا، الدولة العظمى، في القيام بدورها في أوقات الذروة لتساعد القارة الأوروبية العجوز إلا في وقت متأخر. وكذلك إنتظرت فرنسا وألمانيا أسابيع قبل تقديم المساعدة لإيطاليا التي تُركت وحدها في عين العاصفة. خرجت الصين وروسيا منتصرتيْن. فقد شوهد بعض الإيطاليين يستبدلون العلم الأوروبي بالعلم الصيني. ولا تقدّم الصين نفسها كبديل للهيمنة الأميركية ولكن كشريك إستراتيجي.

وفازت روسيا بقلوب الإيطاليين لإرسالها 100 عالِم فيروسات وأطنان من الأدوية والكمامات من دون أن تطلب من روما رفْع العقوبات عنها. في مقابل ذلك، لم تساعد أميركا القارة الأوروبية في الأسابيع الأولى وفرضت عقوبات جديدة على إيران وسط ذروة إنتشار الوباء، وعرضت مكافأة قدرها 15 مليون دولار لمَن يساعد بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهدّدت بالحرب على القوات الأمنية العراقية. وأثبتت الإدارة الأميركية عدم قدرتها على التعاطف تجاه الإنسان عندما ينتشر فيروس لا يميّز بين الدول والبشر. لن يتوافر ترياق للـ COVID -19 قريباً.

ولا شك في أن الحكومات تعلّمت درساً لمقاربةٍ مختلفة تجاه النظام الصحي في المستقبل. وستتغيّر التحالفات الدولية ولن تكون الهيمنة الأميركية مثلما كانت قبل الفيروس، لأن ما قبل الـ COVID -19 ليس كما بعده. وسيبقى “كورونا” بيننا لنتعايش معه وهو ينتظر بصمت لأشهر طويلة وسنوات مقبلة إذا تعدّلت تركيبتُه.

(الراي الكويتية)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here