اورنيلا سكر: القدس مفتاح السلام!

 

اورنيلا سكر

إن عرض ترامب –نتانياهو حول ما يعرف بصفقة القرن يضع المنطقة العربية امام استحقاق مفصليّ وتحدٍّ خطير يهدد أمن دول مرتبطة بالصراع الاسرائيلي-العربي ومصير كياناتها . والسؤال الجدير ذكره، هو هل ثورة جيل الميلينيوم أو الألفية الثالثة، حيث أن الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية والثورات والاحتجاجات العربية ولم يعرف حكم الاستبداد ولم يهتم بالمرجعيات الدينية ولا بالسلطات الحاكمة. هل باتت العروبة بالنسبة له هوية تلبي طموحه أم أصبحت من الماضي؟ أو هل هي ذريعة للقطيعة الثقافية مع العالم؟ أم أنها لا تزال تصلح للتأسيس للمستقبل؟ وماذا فعلت القيادات العربية على مرّ قرن من الزمن من اجل مواجهة هذا التهديد الوجودي والحضاري والانساني والاخلاقي؟

 

إن جوهر الانسان الذي قالت به فلسفة التنوير الاوروبي، لا وجود له. فالسائد هو هو عنف مكرر ومستنسخ يتشابه ويتطابق مع كل شروط القمع. في القدس وفي عهود الحكم الاسلامي المديد كان إقرار بحق اليهود بكنيسهم وحقوق سائر الاقليات وحماية مقدساتهم وحرية العبادة حتى في ظل قوة الاسلام الضاربة، كان يحترم دار الحرب وحرمة المقدسات. ولا ننسى قصة صلاح الدين مع ريكاردوس قلب الاسد، حين كان الاخير مريضا فجلب له طبيبا اضافة الى انه سمح للصلبيين بان يحملوا الذهب ويذهبوا به الى مرفأ صور ومن ثم الى اوروبا. حيث يذكر امين معلوف جيدا هذا المثال، انه هو من عمل بشكل غير مقصود على تمويل الحملة الصليبية الثالثة من شدة انسانيته واخلاقيته عبر السماح لهم بالعبور الى اوروبا والامر نفسه، مذكور مع المؤرخة كارول هيلينبراند في بحثها حول “اسطورة صلاح الدين في الغرب” إضافة الى موقف المؤرخين الاوروبيين منه المشابه. وبالتالي، إن لغة الاذلال والاستعباد والتطهير والعنصرية والاستعلاء لم يعرفها سوى النظام الصهيوني الممعن في ابادة الشعب الفلسطيني. وهذا ما جاء بشكل واضح في بنود صفقة القرن. لكن، السؤال الذي يطرح نفسه ماذا فعل العرب على مدى مئة عام من صراعهم الوجودي مع العدو (1916-2020)، لتحقيق وجودهم وتحصيل كرامتهم وشرفهم وكبريائهم العنيد؟؟ . غير أن مبدأ القوة وليس العدالة هو الفاصل والقاضي في تحقيق العدالة والانصاف وبلورة هوية الشعوب ورسم مصائرها. في حين، أن هذه الثقافة التطهيرية والابرتايد العنصري للمقدسات الاسلامية-المسيحية من صهاينة اسرائيل تتنافى وحوار الأديان وتفاعلها في مهدها الأول فلسطين. فلا حاجة لصفقة القرن لتكريس يهودية الدولة. إن فكرة شعب الله المختار تبرهن عن مقدار الانحراف الذي مورس في روح الشريعة السماوية ونصها. فكان الغضب الالهي جزاء وعقابا. (سورة النساء 46) (سورة العمران: 112 ” وضربت عليهم الذلة اين ما ،،)، ومارسوا كل اعمال ابيهم الشيطان (سفر التكوين(17:9)، فلم يرحمهم الرب لانهم اولاد زنى(هوشع2:4)(سفر الملوك الثاني 24:10) فواجهوا جيمع الويلات من سبي وشتات وغيره من المعاناة وفي انجيل يوحنا(3:9)، غضب الرب عليهم قائلاً: لا تبرروا لنفسكم بالنبوة لابراهيم ولا تفتكروا ان تقولوا في نفسكم لنا ابراهيم ابا لانني اقول لكم : ان الله قادر ان يقيم من هذه الحجارة اولادا لابراهيم.

كما يوجد هناك واقعة مفادها أن في عام 1973، وقعت حادثة جرت فيها امطار غزيرة، أدّت الى انهيار مبنى يملكه يهودا في المدينة وكان سكان مسلمون يفكرون بمصادرة قطعة الارض واستخدامها منفذا الى مسجد مجاور فدار جدال بين مسؤولين وفقهاء تطور الى جدل مع السلطان المملوكي (قايتباي) في القاهرة وعلى اساسه رفض السلطان منح المسلمين الارض بتدميرالكنيس اليهودي. فقد كان تاريخ الاسلام وصاية على المقدسات وتم حترام هوية الاخرين وعبادتهم بالاضافة الى أن موازين القوى في تلك الفترة كانت أرجح للمسلمين. وعلى الرغم من ذلك، لم يصدر عنهم اي شكل من اشكال الاذلال والتحقير الممنهج الذي يفرض اليوم على العرب وطبعا هذا لا يلغي الفشل والانتكاسة الداخلية والذاتية عندهم. لكن هذه مجرد مقاربة في علاقة المسيحية الاسلامية-اليهودية في التاريخ الاسلامي ردا على اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل.

 

من هنا نفهم يهودية الاصل حنّا ارندت حين قالت:” لا ينفصل الفعل العنيف عن الوسائل التي يستخدمها والغايات التي يقصدها. فالبربرية تزيدها وسائل التقدم الانساني، لذا ربما علينا ان ننظر الى المسالة من مقاربة العصر ان العنف بات مفهوما متطورا لا يمكن حصره بديانة او ثقافة او جماعة،بل في نمطية حياة وتقنية باتت مولدة للعنف والارهاب بفعل نوازع عديدة، ابرزها الجعرافيا السياسية للمشرق. ولو أن بعض المستشرقين ولاسباب سياسية قاموا بتسييس موضوع القدس. مثل أولئك الذين زرعوا حملة تشكيك في اهمية القدس في الاسلام حيث يدعي المؤرخ الاسرائيلي ايمانويل سيفان، في مقالة له نشرها عام 1967 بعنوان طبيعة قدسية القدس في الاسلام في القرنين العاشر والثالث عشر وفي كتابه الاسلام والحملة الصليبية مفادها انه لم يكن للقدس اهمية في الاسلام قبل مجيء الصليبيين واحتلالهم هذه المدينة. ثم بدأ المسلمون، لاسباب سياسية، بترويج أدبيات فضائل القدس للتعبير عن مشاعرهم الدينية تجاهها لكن الكتب التي الفت قبل الحملات الصليبية كشفت زيف هذه الادعاءات الباطلة.

 

في الختام، هناك مشكلة حضارية يجب الاعتراف بها. والاهم من ذلك، الاعتراف أولا، أن العرب ليسوا خير أمة اخرجت للناس فهم يتحملون جزءا كبيرا في وصول الوجود العربي الى هذا الافلاس والاستباحة اللااخلاقية والحضارية في قرن ال21، بسبب النظام السياسي التقليدي والابوي والتداخل المتشرذم في العلاقات العربية والاستبداد وسمسرة الانظمة العربية بمصائر شعوبها بدلا من ايجاد واقع جديد يحقق وجودا فاعلا، ويكافئ الشعب العربي ويحقق كرامة الانسان في بلاد العرب ويحسن استشراف المستقبل وبناءه بأدبيات الحب والمحبة والانسانية والتسامح وتحقيق السلام بين الاشقاء العرب وتكريس المصالح المشتركة وترسيخ الامن القومي العربي عبر سياسات نهضوية شاملة كاملة متكاملة بعيدا عن الاستغلال والانبطاح في الولاء للغرب بهدف تحقيق السيادة والاستقلال الذاتي.

 

صحافية وبخاصة متخصصة في نقد العقل العربي الإسلامي من منظور علم الاستشراق ومديرة موقع أجيال قرن ال٢١ 

 

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. YES OUR CYBERNETICS … SYSTEM BROUGHT US THIS HUMILIATION……. AND WE ARE AGAINST MAFIA ZIONISM …WHICH IT IS AGAINST JUDAISM TOO …. WHICH IT IS AGAINST PAN HUMANITY ……نشكر جميع الشعوب العربيه والإسلامية. علي قول الحق.
    فهي عنصر حياتنا. ونضالنا. ونايف علي جميع. الحكومات العربيه التي. تفضل العيش الذليل مقابل البقا علي كرسي الخيانه والعمالة
    نناشد الشعوب الابيه بقلع. كل القواعد الاستعمارية التي تشكل مصدر دمارنا. وتخلفنا…وسلب. خيرات بلادنا. فلترحل فلترحل. فليس هناك داعي بوجودها سوي المذلة..
    نعم شعوبنا. هي عباره عن أسرتنا جميعا. لهذا الوطن..
    فلن نركع. ما دام لنا عقل حكيم مفكر. وقلب طاهر شريف عفيف. يحب المواطن والوطن معا
    كل الشكر والامتنان للشعوب. وخزي وعار للانظمه العميلة الخسيسه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here