اندماج اللاجئين في المانيا.. عوامله وعقباته

د. فوزي ناجي

تعتبر قضية اللاجئين في المانيا جزءا من القضية العامة لتواجد الأجانب في الأراضي الألمانية. هذا التواجد الذي بدأ في خمسينيات القرن الماضي بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية و تدمير المانيا و احتلالها من قبل الحلفاء في ذلك الوقت ( الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفياتي و بريطانيا و فرنسا).خسرت المانيا في تلك الحرب حوالي خمسة عشرة مليونا من مواطنيها الذي كان يبلغ عددهم خمسين مليونا.

من اجل إعادة بناء الدولة الألمانية و نهوض اقتصادها أصبحت الحاجة ملحة لتواجد قوى عمالية اجنبية. لإحضار العمال الأجانب الى المانيا تم عقد اتفاقيات بين الحكومة الألمانية مع كل من حكومات الدول التالية:

إيطاليا عام 1955، تركيا و اليونان و اسبانيا عام 1961، المغرب عام 1963،

البرتغال عام 1964، تونس عام 1966 و يوغوسلافيا عام 1968.

كان عدد الأجانب في المانيا عام 1956 حوالي اربعمائة الف شخص فقط. تزايد هذا العدد حتى وصل الى مليونين عام 1968. و في عام 1972 بلغ عدد القوى العاملة في المانيا سبعة و عشرين مليونا كان من بينهم مليونان و نصف من الأجانب. في 23 نوفمبر/ تشرين ثاني 1973 توقفت الحكومة الألمانية عن السماحللعمال الأجانب بالقدوم الى الأراضي الألمانية بعدما شعرت بعدم الحاجة للمزيد منهم. لقد ساهم تواجد الأجانب في المانيا في تقدمها و تطورها في مختلف المجالات حتى أصبحت اقوى دولة أوروبية و من اقوى دول العالم، و لكنه ساهم أيضا في زيادة الحقد و الكره ضدهم من قبل القوى اليمينية و العنصرية التي لم تتعظ بعد من المآسي و الدمار الناتج عن العنصرية النازية ضد الشعوب المختلفة و ضد الشعب الألماني نفسه.

في العام الماضي وحده لجأ الى المانيا اكثر من مليون شخص و بلغ بذلك عدد الأجانب الإجمالي في المانيا حوالي تسعة ملايين، مما يشكل 11% من المجموع الكلي لسكان المانيا البالغ عددهم واحد وثمانين مليونا.

تزايد عدد السكان الأجانب في المانيا و خصوصا المسلمين منهم رفع من وتيرة الحقد و الكره ضدهم من القوى العنصرية.لقد طالب رئيس وزراء مقاطعة ساكسنستانسلافتيليش بمحاربة منظمة بيجيدا قانونيا لأنها تطالب علنا باستخدام العنف ضد الأجانب و خصوصا المسلمين منهم.اما وزير المالية الاتحاديفولفجانجشويبلةفقد وصف حزب البديل من اجل المانيا  (AfD) بانه يمثل عارا للمجتمع الألماني و يسيء لألمانيا و يحارب النظام الديمقراطي الحر فيها.

لقد احتدم الصراع الداخلي في المانيا ليس من اجل اللاجئين فقط و انما من اجل المانيا و مستقبلها و تقبلها للغير و تقبل الغير لها. لقد اصبح هناك فريقان يمثل الأول الوجه الحضاري الإنساني الألماني الذي يدعو الى نبذ العنف و الكراهية. اما الفريق الثاني فيمثل الوجه الألماني القبيح الذي ينشر الحقد و الكراهية و يستخدم العنف ضد الأجانب و يرتبط بالمنظمات العنصرية و المتطرفة.انتصار الفريق الأول يصب في مصلحة اللاجئ و اندماجه في المجتمع الألماني.

يذكر الفريق الأول الألمان كيف ان ابرز سياسييهم فيلي براندت و الذي اصبح مستشارا لألمانيا و رئيسا للاشتراكية الدولية كان قد اضطر الى اللجوء الى النرويج اثناء الحكم النازي.بينما يذكر الفريق الثاني بحصار فيينا من قبل الأتراك في القرن السابع عشر.

مظاهرة اليمين المتطرف المتمثل في منظمة بيجيدا العنصرية في مدينة في مدينة دريسدن الألمانية يوم السبت الماضي (6 فبراير/ شباط 2016) ضد اللاجئين لم تحقق النجاح الذي كان يطمح اليه منظميها و اشارت الى تراجع اعداد المشاركين المناصرين لبيجيدا. حاولتبيجيدا تنسيق جهود القوى اليمينيةو العنصرية في الدول الأوروبية المختلفة حيث قامت المظاهرات المناهضة للأجانب و للمسلمين بشكل خاص في أربعة عشر مدينة أوروبية تقع في المانيا و فرنسا و هولندا و بولندا و الجمهورية التشيكية.

في مدينة كاليه الفرنسية منع وزير الداخلية الفرنسي مظاهرة لليمين المتطرف ضد الأجانب بسبب الاخلال بالنظام العام، كما صرح بان منع نشاطات جميع المنظمات التي تسبب التوتر و الانقسام و العنف سيستمر ما دام ذلك ضروريا.

تتطلب عملية اندماج اللاجئين في المانيا جهودا كبيرة من قبل اللاجئين انفسهم وكذلك من قبل المجتمع الألماني أيضا، أي ان هناك حقوق وواجبات على كلا الطرفين القيام بها من اجل إنجاح هذه العملية.

اللاجئين:

أولا: تعلم اللغة الألمانية

يعتبر اتقان اللغة الألمانية شرطا أساسيا و ضروريا كوسيلة للتفاهم داخل المجتمع الألماني و للانخراط في سوق العمل.

ثانيا: احترام العادات الألمانية

من الطبيعي ان تختلف الشعوب في عاداتها و تقاليدها في البلدان المختلفة. و كما اننا كعرب و مسلمين لنا عاداتنا و تقاليدنا التي نطالب غيرنا بالالتزام بها و نغضب عند تجاوزها و تخطيها من قبل الأجانب او عند محاولة ان يملوا علينا عادات و تقاليد لا نتقبلها فانه يجب على طالبي اللجوء احترام خصوصيات الدولة المضيفة لهم. هذا الاحترام لا يعني بالضرورة القيام بأعمال مشابهة لا يتقبلها اللاجئ من النواحي الدينية و الأخلاقية و انما يعني عدم التدخل في شؤونهم و الامتناع عن محاولة تغيير طريقة حياتهم و أسلوب معيشتهم.

ثالثا: الالتزام بالأنظمة و القوانين

غالبا ما يأتي اللاجئون الى المانيا سواء كانوا عربا او مسلمين او من أي جنسية أخرى من الدول الفقيرة و التي تسيطر عليها أنظمة ديكتاتورية فاسدة نهبت ثروات البلاد و لا تقيم وزنا لحياة المواطن. اذن فان الديمقراطية كلمة غريبة لم تتعود عليها الشعوب التي ينتمي اليها اللاجئين و لم يتعلموا أسلوب ممارستها بعد.

ان الأنظمة و القوانين الألمانية تلتزم بمواد الدستور الذي وضع احترام الانسان و حمايته و صون كرامته اولويته القصوى. نلاحظ هنا ذكر الانسان في الدستور الألماني و عدم ذكر الانسان الألماني او المسيحي، مما يعني احترام و حماية و صون كرامة أي انسان بغض النظر عن الجنسية او العرق او الدين و يشمل ذلك بالطبع اللاجئين.

ان التزام اللاجئين بالأنظمة و القوانين المتبعة في المانيا يصب في مصلحتهم.

رابعا: احترام النظام الديمقراطي الألماني

يجب ان يلتزم اللاجئ باحترام شيء لا يعرفه. لا شك بان اللاجئ يريد التعرف على النظام الديمقراطي الألماني لأن في ذلك مصلحة له. لكن عملية تعلم الديمقراطية لا تتم بين ليلة و ضحاها.

المؤسسات الألمانية:

يمكن حصر اهم الواجبات الملقاة على كاهل المؤسسات الألمانية الحكومية و منظمات المجتمع المدني من اجل إزالة العقبات التي تعترض طريق اندماج اللاجئين بالمجتمع الألماني بالنقاط التالية:

أولا: محاربة القوى العنصرية و اليمينية المتطرفة في المجتمع الألماني.

ثانيا: الالتزام بالدستور الألماني و عدم الخروج عن مبادئ الديمقراطية من اجل تحقيق مصالح اقتصادية.

ثالثا: المساهمة في نشر المبادئ الإسلامية السمحة داخل المجتمع الألماني و التي لا تتعارض مع مبادئ المسيحية و اليهودية. بل على العكس من ذلك اذ تدعوا الى احترامها و تتشارك معها في الدعوة لنشر مبادئ المحبة و السلام و العدل و المساواة بين الناس كافة.

رابعا: اشراك أصحاب الكفاءة و الخبرة لفهم عادات و تقاليد اللاجئين و معرفة أهدافهم و أسباب تخوفهم من اجل وضع استراتيجية لاندماجهم ترتكز ليس على المتطلبات الألمانية فقط و انما على الفهم الصحيح لعقلية اللاجئ و تأخذ في الاعتبار متطلباته.

*أكاديمي فلسطيني مقيم في المانيا

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here