امجد الاغا: كيف ستتعامل سورية مع التحولات الاستراتيجية الروسية والامريكية في ملفها؟

امجد الاغا

قلائل هم الذين يعرفون تفاصيل الخطة الروسية التركية حيال شمال شرق سوريا، كما هم قلائل الذين يعرفون ماهية الخطط الأمريكية والسيناريوهات المُعدة مُسبقاً، للتعامل مع المستجدات الطارئة سياسياً وعسكرياً في هذه المنطقة. لكن في مقابل ذلك، يبدو أن هناك فواعل كثيرة صاغت هذه المستجدات، وفرضتها حتى باتت بحكم الأمر الوقع.

في هذه الجُزئية، من يعتقد بأن تركيا سقطت في معادلة الأهداف السياسية فهو واهم. لأن التفاهمات السورية الروسية التركية تفرض نوعاً خاصاً من التعاطي السياسي وكذا الأمني والعسكري، وهذا ما أكده مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيف حين قال: الحوار بين تركيا و سوريا متواصل بشكل دائم ويتم عبر وزارات الدفاع والخارجية وأجهزة الاستخبارات.

تركيا من الاستحالة بمكان أن تتحرك منفردة، دونما ضوء أخضر أمريكي، وحُكماً روسي، ليس انطلاقاً من قدرة واشنطن وموسكو على تفهم هواجس تركيا حيال الكرد وتهديداتهم، وإنما انطلاقاً من ضرورات الشراكات الاستراتيجية، فواشنطن وموسكو كلتاهما أعلنتا ضمنياً شراكتهما في التحركات التركية شمال شرق سورية. واشنطن من خلال افساح المجال لتركيا عبر انسحاب تكتيكي، وموسكو عبر استخدام حق النقض بالاشتراك مع واشنطن لمنع إدانة العدوان التركي على سوريا في مجلس الأمن، لكن مع اختلافات جوهرية في المضمون والأهداف، بين موسكو وواشنطن حيال الملف السوري.

قبل اسابيع قليلة عُقدت في أنقرة قمت ثلاثية روسية تركية إيرانية، هذه القمة كانت مُختلفة عما سبقها من قمم، خاصة إذا ما تم الربط بينها وبين طبيعة المناخ السياسي والعسكري في شرق سوريا، إضافة إلى أن هذه القمة شكلت جواز سفر لعبور تركي نحو شرق الفرات، هذه التفاهمات بالقطع كانت دمشق طرفاً فاعلاً و مؤثراً فيها.

نتيجة لذلك، ينبغي التأني والتعمق في دراسة المعطيات الحالية التي تؤطر شمال شرق سورية، تحديداً جُزئية المنطقة الأمنة والعدوان التركي وابعاده الاستراتيجية بعيدة المدى، فالتداخلات الأمريكية الروسية التركية، قد تُعيد تركيب المشهد الناظم للتحولات.

خاصة أن هناك محاولات عدة من قبل الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الملف السوري، لإعادة ترتيب كافة الأوراق، والتوصل إلى تفاهمات جديدة.

فالتفاهمات السياسية شيء، وتطبيقها واقعاً شيء أخر، ومرتبط بُجملة واسعة من التناقضات والتحديات، لا سيما أن واشنطن ورغم التصريحات من أعلى الهرم السياسي في واشنطن لجهة الانسحاب من سوريا، إلا أنها تبقى تصريحات سياسية رغم محدودية الانسحابات التي حدثت خلال الساعات الماضية، وتبقى لواشنطن قدرتها على التأثير في سياق الحل السوري، وكذا تركيا التي لا تزال تملك أوراق وازنة ومؤثرة بالمعنى السياسي.

في المقابل، الدولة السورية وحلفاؤها لديهم أيضاً استراتيجيات قد تُفقد واشنطن وأنقرة وعيهم السياسي.

وعليه. فإن جُملة المُعطيات السابقة أسست لمشهد اليوم في شمال شرقي سوريا، هذه المُعطيات افضت إلى الانتشار الواسع والاستراتيجي للجيش السوري في شرق سوريا. هذا الانتشار العسكري سيكون داعماً للخط السياسي المؤسس لمعادلات الحل النهائي، كما أن مروحة الإنتصارات السورية ستتسع وفق مقتضيات المرحلة الحالية.

في النتيجة. تركيا مُعتدية، والولايات المُتحدة في طور البحث عن معادلات استراتيجية جديدة، روسيا وايران حليفان استراتيجيان للدولة السورية، وهذه المعادلة ثابتة سياسياً وعسكرياً. الأيام القادمة ستشهد تطورات استراتيجية هامة، وكلها مرتبطة بتوقيت دمشق.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here