اليمن وضرورة العودة لدار السلام!

د. عادل محمد العذري

عُرفت اليمن منذ القدم بأصالتها العربية وتاريخها المشرق الوضاء في العالم الإسلامي، وعرف أبنائها بالحكمة والحنكة في التعامل مع القضايا والعودة للحق بعد الضلال تلك سمة من صلب معالم الشخصية اليمنية. فكم   أنجبت هذه الأرض من فاتحين وقادة أبطال وشجعان أصحاب نبل ومواقف ؟! انطلقوا من اديم هذه الأرض الطيبة. نعم الأرض الطيبة التي لم يرد هذا الوصف إلاّ مرة واحدة في القرآن الكريم عندما قال تعالى ” لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ-سبأ-آية-15″. فانتشروا في شعاب الأرض يحمل كل واحد منهم وتدا للقيم التي امنوا بها لغرسها في أقاصي الأرض ومنهم   القائد السمح بن مالك الخولاني خامس ولاة الأندلس من قبل الدولة الأموية الذي حاول ضم فرنسا وقتل في تولوز، وكذلك خلفه القائد عبد الرحمن الخافقي الذي قتل في معركة بلاط الشهداء، وحميد بن معيوف الهمداني الذي غزا جزيرة تكريت اليونانية وغيرهم. كذلك أنجبت مصلحين ورواد وحكماء على الدوام، وبدون انقطاع!  منهم عبد الرازق الصنعاني ومعمر بن راشد وأبي محمد الحسن الهمداني ومحمد بن إبراهيم الوزير المتوفي 1436م والحسين بن أحمد الجلال المتوفي 1673م ومحمد بن إسماعيل الأمير المتوفي سنة 1769م ومحمد بن علي الشوكاني المتوفي عام 1835 م، وكثيراً هي الأعلام التي ما ذكرت وكانت عناوين كبيره في تاريخ هذا الوطن. ومن منطلق ذلك الأيمان ننظر الى مخرجات مفاوضات السويد التي استمرت لمدة أسبوع وتوصل قادة الصراع وأطراف النزاع في اليمن إلى بعض من الاتفاقيات لحل الأزمة في اليمن والعمل على تنفيذ إجراءات لبناء جسور الثقة بين الطرفين بعد سنوات من الحرب والصراع دام أكثر من أربعة أعوام، عاشت معه اليمن وشعبها اسوء مراحل تاريخها الحديث، فقدت معه الكثير من أرواح أبنائها، وهدم جزء كبير من البنى التحتية، وشرد الكثير، وانهدم النسيج الاجتماعي وتدهور الاقتصاد ، كما فتكت الأمراض وانعدام الأمن الغذائي بالشعب واصبح أكثر من ثلثي التعداد السكاني مهدد بالمجاعة لتشهد اليمن اكبر كارثة إنسانية عبرت عنها التقارير للمنظمات العالمية ذات الصلة بحقوق الإنسان. تحدثت وسائل الاعلام عن الحدث وحلل المختصون منهم من تفال ومنهم من تشأم بالاستقراء للاتفاقيات السابقة لهذا الحدث، وقدم المبعوث الاممي مارتن غرفيث تقريره لمجلس الأمن بجلسته الخاصة بالوضع في اليمن. ونعلق على الحدث من وجهة نظرنا بالنقاط التالية:

1.البعد الاعتقادي والسياسي لدي أطراف الصراع.

لابد للحرب من نهاية، تلك حقيقة لا مفر منها. فما هو البعد الروحي الذي ينبغي ان تنطلق منه قادة الصراع في التعامل مع نتائج المفاوضات؟ التمسك بالقيم التالية قال تعالى:( والله يدعوا الى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم – يونس – 25.) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ –المائدة – من آية 1). لقد تعاهد المتفاوضين امام العالم اجمع على المضي قدماً في عملية السلام وإنهاء الحرب في اليمن وسواء كان ذلك باردتهم أو بضغط دولي فهو خطوة في الطريق الصحيح، ينبغي البرهنة بالتنفيذ العملي وانه جزء من إرادتهم لإنقاذ الشعب اليمني من المأساة الحقيقة التي حلة عليه. وان الاتفاقية تمثل أرضية صلبة لوفاق وطني ثابت الأركان وبداية لمصالحة وطنية، وتمثل استجابة لأولوية السلام استجابة لمنطق ديني سليم يستحق الرعاية والاهتمام والتمسك به كخيار لا بديل عنه لمصلحة الشعب اليمنى. ما هو البعد السياسي الذي يجب الايمان به؟ لقد جربت القوة السياسية ثمن الانحراف عن سفينة الوطن بعيداً عن الحوار في حل مشكلة السلطة والنظام السياسي للبلد وتنظيم العلاقة السياسية بين مكونات المجتمع بكل أطيافه. بعيداً عن الأيمان بقضية التعددية والتي تعني في أصلها الإقرار بوجود الرأي الآخر ولا تعنى الاختلاف لمجرد الاختلاف ولا المعارضة لمجرد المعارضة، بقدر ما تعنى التوافق على المصالح العامة مع إرادة الأغلبية بمعنى آخر، بلوغ الأطراف السياسية حدا أدنى من الوفاق حول القضايا الكبرى للمصلحة العليا للوطن. والوصول إلى قناعة في الحياة السياسية بما يمثله خطر احتكار السلطة من جهة وخطر ذلك التفويض على الوطن والشعب وهو ما برهنة عليه الاحداث السياسية سابقاً، وان الاستجابة للمتغيرات هيا من سنن الحياة والفطرة السليمة وقانون التطور للمفاهيم. بغير تلك القناعة السياسية فلن نجني غير الشوك ولن نأكل إلا الحصرم كما يقول المثل.

  1. البعد الإعلامي بعد المفاوضات.

المتتبع للحدث الإعلامي، للتعليق على نتائج المفاوضات، والتصريحات لا تصب في جوهر عملية السلام، تحويل الحدث إلى عملية نصر لكل طرف في العملية الدبلوماسية يقود لمعركة إعلامية لا تخدم قضية السلام وإنهاء الحرب، بل تزيد من استمرار عملية الصراع، وعدم بناء جسور الثقة، وينبغي تركيز الإعلام في كيفية تحقيق الاتفاق على الأرض، وزرع بذور الثقة وتهيئة الرأي المحلي والإقليمي والدولي لبلوغ ذلك الهدف. وتقريب وجهات النظر. وان المرحلة تتطلب الكثير من الشجاعة والتضحية والصبر لتخّلص مما علق في النفوس من شهوة الحقد والانتقام وأثر ذلك على المرحلة القادمة.

  1. الأمم المتحدة ودورها في حل أزمة الحرب في اليمن

      ربما نجحت الأمم المتحدة ‘هذه المرة عن طريق المبعوث الاممي الى اليمن مارتن غريفيث، بعكس المبعوثين السابقين جمال بن عمر وولد الشيخ، في جمع الأطراف والاتفاق حول بعض القضايا، وتبقى المسؤولية الأخلاقية وضميرها الدولي لهذه المنظمة في آلية ومتابعة تنفيذ القرارات، والتوصل بعد ذلك لحل شامل لأنهاء الحرب، وإيجاد تسوية سياسية شاملة لليمن، لتبرهن المنظمة عن دورها الذي وجدت من أجله، وفي الضغط على الأطراف لبلوغ ذلك الهدف. وتجنيب الشعب اليمني ويلات الحرب، وما يترتب عليه من مأساة إنسانية.

  1. مخرجات إستكهولم.

  • ملف الحديدة: طوال فترة الحرب كانت المأساة الإنسانية في اليمن تتجلى بكل صورها، لكن المجتمع الدولي لم يتحرك إزاءها بالضغط، كما تحرك في ملف الحديدة، باعتبارها الميناء التي تصل من خلاله المساعدات الإنسانية، وقال الامين العام للأمم المتحدة  انطونيو غوتيريش، ان طرفي الحرب اتفقا على وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة، واضاف ان الاتفاق شمل نشر قوات محايدة واقامة ممرات انسانية وهوما عبر عنه المبعوث الاممي الى اليمن مارتن غريفيث في مجلس الأمن. مما لا شك فيه، ان تجنيب مدنية الحدية حالة الدمار وزهق النفوس بمنطق القوة وما قد يترتب عليه هو خطوة إيجابيه، بغض النظر من المستفيد من القرار. لكن تبقى إرادة اليمنيين في السلام هي من تصنع المستقبل فيما بعد، مالم سيجد الأطراف فيما بعد ارتهان لواقع خطير في التدخل الخارجي والاشراف الدولي عليها وما يتطلب من وجود قوات دولية محايدة. وستنزلق البلد فيما يتعلق بأهم مصادر للدخل للدولة اليمنية إلى ما لا يحدم عقباه. لقد لعبة الحديدة سابقاً في نهاية الحرب بين السعودية والمملكة المتوكلية في عام 1934م، وما عرف باتفاقية الطائف. فهل تكون الحديدة اليوم محطة إنهاء الصراع بين الأطراف والتوجه للمرحلة القادمة من المفاوضات، في تسوية شاملة سياسياً؟!

  • ملف تبادل الأسرى: يمثل خطوة إيجابية في سبيل تحقيق جسور الثقة بين الأطراف، شرط ان لا يتم اعتقال وأسرى جدد بعد عملية الاتفاق وهو ما ستفصح عنه الأيام القادمة.

  • ملف تعز: وهو الأقل حظاً، رغم البعد الإنساني والسياسي في هذا الجانب، لكن تعز تاريخها تدفع الثمن دوما، تشكيل لجنة للبحث في هذا الملف، ليس تعاطي حقيقياً لما تعرضت له المدينة وهو انعكاس للواقع المؤلم لعدم الاتفاق الحقيقي حول تعز، من طرف الشرعية ممّا يثير العديد من التساؤلات!

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. والله هذا المقال يا دكتور عادل العذري رائع من ناحية إ
    بس من يقرأ هذا المقال يضن ان الحرب داخلية اي يمنية يمنية وليس هناك اي تدخل خارجي ولا يوجد قوات غازية احتلت الجنوب والشرق اليمني ولا حتى حصار ومجازر بحق اليمنيين
    انما مشاجرات احدثت مشكلة يمنية بحتة
    اتقوا الله وتذكروا قوله《 إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان
    عنه مسئولا
    واحترموا عقول الشعوب شوية 《

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here