عبدالوهاب العمراني: اليمن.. والهرولة للمجهول

عبدالوهاب العمراني

المشهد السريالي اليمني غدا أكثر تعقيداً فما كان بالأمس ممكن أصبح أكثر صعوبة وما هو اليمن صعباً قد يكون في الغد مستحيلاً ، فقبل نحو عام كان المشهد اليمني يوحي بأنه محاكاة للحالة الليبية جيشين وعاصمتين وبرلمانين وبنكين ، وشرعية واحدة معترف بها .. بينما اليوم لم يعد هذا صحيحا فلا بنك في عدن ولا بنك يمثل كل اليمن في صنعاء والجيش غدا أربعة جيوش جيش الحوثي والدولة العميقة والجيش الوطني وجيش مارب وجيوش الحراك.

أطل علينا العام الرابع للحرب على خلفية حالة إحباط وقنوط للشارع اليمني لقد تعرض الضمير الجمعي لهزة عنيفة  بانكسار الشخصية اليمنية بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف من سقوط صنعاء المدوي فالهزيمة المعنوية الكبرى الذي تلقاها اليمنيين كانت بسبب ركونهم على التحالف ، فبقاء الحوثي ليس بسبب قوته بل لاختلاف خصومة وخذلان التحالف الذي يثبت يوما بعد يوم بأن الأهداف المفترضة المعلنة تختلف كلياً لما هو على ارض الواقع بداهة لن يستمر الحال في اليمن على هذا النحو سوى لمن يسمون أنفسهم بسلطة الأمر الواقع او غالبية الشعب اليمني المنكوب بحكامه ، فدوام الحال من المُحال .

وفي المقابل فأنه لا مناص من الخروج من هذا الكابوس المؤلم إلى بناء الدولة المدنية التي يتساوى فيها كل اليمنيين. رغم حوثنة مفاصل الدولة على مدى اكثر من ثلاث سنوات.

تستغل ميلشيا الحوثي ضعف الشرعية وتأمر التحالف لتغدغة عواطف الجماهير وهو حق اريد به باطل فبدلا من المطالبة بسوء الخدمات ونقص المشتقات النفطية وحرمانهم من المرتبات وتحت تأثر إعلام الانقلاب القوي مقارنة بإعلام الشرعية فتوظف نقمة المواطن لصب جام غضبه على من أتى تحت لا فتة ومسوغ إعادة الشرعية فقد تهيأت سلطات الحوثي بإجبار طلاب المدارس وعشرات الآلاف من المواطنين للخروج يوم 26 مارس وهو ذكرى بداية عام رابع للحرب العبثية التي لم تستطيع إعادة الشرعية للاماكن المفترض انها محررة . وبدلا من جعل عدن نموذجا يحتذي فإذا هي أسوأ من صنعاء نفسها على الأقل من ناحية ضبط الجانب الأمني أما كل اليمن فقد غدى مرتعا للميلشيات وتنهش فيه قوات التحالف في آن واحد ،  وقبل عام في مثل هذا اليوم خرج جموع غفيرة من الجماهير عندما كان طرفي الانقلاب في حالة تماهي وتوافق قبل ان يعصف الخلاف بينهما لينتهي بتصفية من أدخلهم صنعاء وبتواطئ الدولة العميقة والإقليم .

حتماً سيفيق اليمنيون يوماً بعد يوم على حقيقة مُرَّة بل وحقائق مرة ابعد من تأمر دول الإقليم من أتى بذريعة تحرير اليمن ، وبعد السكرة تكون الصحوة فيفيق اليمنيون يوما ما على وطن محطم ودمار وخراب ونسيج اجتماعي مفكك بعد ان أصبح الجميع يكره الجميع

هاهي ” عاصفة العجز″ تدخل عامها الرابع وسط حالة من التخبط للخندق المناهض للانقلاب ، ولا يفسر صمود الحوثيين في صنعاء وتحذر سلطة الأمر الواقع لقوتهم بل لضعف خصومهم المشتتين ومنها الدولة العميقة التي أوصلت الإمامة للقصر الجمهوري بدبابات الحرس الجمهوري نفسه .!

عندما دعت الشرعية بإخراج قطر من التحالف لا ينبغي ان ننساق في صراع خليجي خليجي فقضيتنا هي الأهم وليس الاصطفاف في خلاف البيت الخليجي ، وكان  يُفترض ان تحسم الحرب خلال أسابيع او حتى أشهر وهاهى نحو تسعة أشهر قليلة منذ بدأ الخلافات الخليجية البينية ، وعليه فقد تنامى الاستياء الشعبي والحنق من هكذا أداء ويفترض على الأقل إعفاء الإمارات في المشاركة فطالما السعودية هي قائدة التحالف وهي العمق الجغرافي لليمن ولاعتبارات وجود ثلاثة ملايين مغترب فأن الإمارات قياسا للدولة القائدة للتحالف ليست رقما مهما والعبرة بما نعيشه اليوم ، وإجمالا لا زال الرئيس هادي يملك أوراق القوة ويستندون لشرعية دعوتهم لاستعادة الشرعية فهل نحن في طريق إعادة الدولة ام أمام يمن متشرذم وبذور صراعات مستقبلية نحو ثلاث سنوات لم تنفذ او تتحقق الأهداف التي على أساسها تدخلت في اليمن فلا والرئيس هادي والحكومة لا تستطيع العودة للمناطق المحررة ولم تصبح عدن نموذج يُقتدى لجذب مزاج اليمنيين للشرعية وكفرهم بالانقلاب سواء في الجنوب او في الشمال فلا يعقل السكوت لسنا ضد الشرعية ولكننا نخشى ان تتآكل وبأن الانقلاب في عدن ومن ثم التشطير يسير على نار هادئة وبالتدريج تماما كما حدث في صنعاء فلم يحدث الانقلاب الحوثي بين عشية وضحاها ولكن بالتدريج مستغلا ضعف الدولة وخلاف الفُرقاء فمنذ أحداث عمران حتى ما سمى بالإعلان الدستوري أستغرق نحو تسعة أشهر وهو الأمر نفسه للحوار الوطني كان لأكثر من تسعة أشهر ، أيام اليمنيين تسير ببطئ ومعاناتهم تزيد فيكفي الكلام المنمق بل ان الوضوح في الطرح والانتقاد يعكس هما وطنيا ومعاناة حقيقية هنا تأمر واضح على اليمن

ومن يوميات الحرب يستنتج بداهة بأنه ثمة محاولة لتفخيخ اليمن بكل عناصر اللإستقرار، وجعل الأمل في عودة الحياة السياسية الطبيعية مستحيلاً. فقد انحرفت الحرب عن هدفها المعلن وكأن استمرارها فقط لتصبح نمط حياة يومية بمدى زمني مفتوح وبلا حدود وليس كأداة لحسم صراع يتعذر حسمه عسكرياً

ولا يعني ان نهاية هذه الحرب بشكلها الحالي بصورة أو بأخرى سيكون نهاية المطاف لآلام اليمنيين .. فربما بعد ان تضع الحرب هذه أوزارها قد تكون إيذانا لمرحلة أخرى من الصراعات البينية طالما من كانوا سببا لوصولنا لهذه المرحلة يتصدرون المشهد السياسي

نكبة اليمن اليوم هي ان الشعب ضحية التنكيل به من قبل الغازي “الوطني” والخارجي ، بين شرعية ينقصها الإرادة والإدارة وتحالف متخاذل شن الحرب تحت لافتة تختلف كليا عن ما يجري اليوم على واقع المشهد السياسي والعسكري

حيرة اليمنيين اليوم تكمن في ان الحرب غدت نمطاً يومياً فلا يرون أملاً في حسم قريب او انفراج سلمي فثمة محاولة لتفخيخ اليمن بكل عناصر اللإستقرار، وجعل الأمل في عودة الحياة السياسية الطبيعية مستحيلاً ، بغرض تهيئة الملعب لنهاية المشهد بتدوير الدولة العميقة برعاية إقليمية.

* كاتب وسفير يمني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here