اليز اغازريان: متر ونصف: في فن تقدير المسافات

 

 

اليز اغازريان

 

مرّ نصف عام على وفاة والدي. في مناسبات متنوعة تتردد بعض مقولاته في مخيلتي وأراها بمنظور آخر.

 

في الأسابيع الأخيرة فكرت كثيراً بجملة كان يرددها بين الحين والآخر: “علمتني العلاقات العامة أهمية تقدير المسافات” ثم كان يضيف بعد هذه الجملة تماماً كلمة “Altitude” باللغة الإنجليزية، محركاً أصابعه، المطبوعة بعلامات ورائحة تبغ الغليون الأسود، بحركة درامية من الأسفل إلى الأعلى وبالعكس. كان يروي لنا كيف كان يتعامل مع دينامية المسافات والتراتبية خلال مسيرته في التعليم الجماعي وإدارة العلاقات العامة في جامعة بيرزيت في فلسطين بين الثمانينات وبدايات الألفية وفي مجال التعريب والترجمة.

 

كان والدي يحب الجدل والسجال ويصف طلبته المفضّلين بأنهم من تحدوه يوماً ما. كنت كطالبة في علم الاجتماع أتوقف عند هذه الجملة المتعلقة بتقدير المسافات معربة عن عدم موافقتي لتلك الهرمية والتراتبية، ثائرة على المنظومة التي تركّب تلك الأدوار وبأن المسافة ذاتها نسبية في الواقع.

 

في الآونة الأخيرة أعود إلى تلك المقولة وأراها بمنظور آخر، أفقياً هذه المرة. نعم. تقدير المسافات الأفقية والمساحات الفاصلة هو عنصر جوهري في الحياة الاجتماعية. إن قرار مدى اقترابنا وابتعادنا عمن حولنا هو عامل حاسم في علاقتنا مع أنفسنا ومع الآخرين. إن أي سؤال نطرحه على الآخرين أو الوقت الذي نمضيه معهم أو حتى المعلومات التي نشاركها معهم هو جزء من تلك الدينامية.

 

من ذلك أنني التحقت في إحدى المرات بدورة في مجال التواصل الاجتماعي في أمستردام. في أحد التمارين طلبت المتدربة من بعض المشاركين الثبات في أماكنهم دون حركة. وطلبت من مجموعة أخرى المشي باتجاه المتدربين الثابتين في مكانهم واتباع حدسهم لتقدير المسافة التي تريح الطرف الثابت في مكانه والتوقف عندها. منهم من قرر مشى خطوة أو ثلاث خطوات ومنهم من مشى عشر خطوات وأصبح قريباً جداً لدرجة ملامسة الطرف الآخر. بعد ذلك طلبت من المتدربين الثابتين في أماكنهم التعبير عن مشاعرهم واستجاباتهم الناتجة عن خطوات مجموعة المشاة. كانت المفاجأة أن بعضهم شعر بالاختناق من مجرد خطوة أو خطوتين باتجاههم أو حتى من مسافة ستة أمتار وشعروا بأنها تدخل مفرط في مساحتهم، بينما شعر غيرهم بأن مساحة ربع متر تفصلهم عن غيرهم لا تكفي وبأنهم بحاجة للمزيد من الاقتراب. أعادت المدربة التدريب، هذه المرة طالبة من كل متدربة عالقة في مكانها توجيه المتدربين المتجهين نحوها حول عدد الخطوات أو الأمتار الفاصلة التي تريحها في تلك اللحظة.

 

كان الاستنتاج البديهي بأن الطرف الذي يبادر بالاقتراب أو التفاعل ينبغي أن يتأكد أولاً إن كانت هذه المسافة ترضي الطرف الآخر في تلك اللحظة وبشكل عام. ذلك جزء جوهري لنيله الاحترام من قبل الطرف الآخر. وأن على من يتعرض للاقتراب أن يصغي لنفسه ويحافظ على المساحة والحدود التي يحتاجها، ويعبّر عن ذلك وإلا شعر بالإرهاق والاستنزاف والنفور من الطرف الآخر على المدى الطويل. نشعر أحياناً بأننا نود أن نقضي عدة ساعات في هدوء وخلوة ومساحة مع الذات، وفي أحيان أخرى نفضّل التواصل مع غيرنا. هناك معلومات وتفاصيل يومية لا نحب مشاركتها مع غيرنا وإن ضغط علينا غيرنا بالافصاح بها لشعرنا بالضيق والتوتر، وأحياناً أخرى نشعر بحاجة للألفة والمؤانسة.

 

إن سوء حسبان هذه المعادلة يمكن أن يؤدي إلى الإساءة والحشرية ويصل إلى علاقات تتمثل بالسيطرة والتحرش ويتعارض مع المهنية والسيادة والحرية الشخصية، وخاصة في إطار العمل. على سبيل المثال حين يعلّق مدير أو مديرة على وزن الموظفين الزائد أو الناقص في ساعات العمل، أو حين يتم طرح أسئلة متعلقة بتفاصيل معينة في حياتهم الشخصية واليومية في سياق غير مناسب. يرتبط بذلك أيضاً تقدير متى ينبغي أن تغادر حفلة أو تجمعاً ما بطريقة تكسبك الاحترام من قبل الطرف الثاني ما يتطلب الفطنة والملاحظة والإصغاء والتواصل الإيجابي. من ذلك أيضاً فرض مساعدتك لغيرك دون أن يكون ذلك ما يحتاجونه في تلك اللحظة، بنوع من الرعاية المتمثلة بسيطرة خانقة لا تحترم استقلاليتهم وتقريرهم لمصيرهم. ينطبق ذلك أيضاً على بعض الباحثين الذين لا يحترمون التوقيت المناسب لمقابلة المبحوثين، أو حتى بعض الأشخاص الحشريين من ثقافات أخرى الذين يبادرون منذ أول لقائك بسؤالك أسئلة عاطفية وشخصية وجسدية ودينية ينضوي تحتها تصنيفك والحكم على مرجعياتك بطريقة تتمثل بالبجاحة والجهل. إن الحكمة في تقدير المسافة المناسبة لأي سؤال أو اقتراب هو مسؤولية متبادلة وتضمن بناء علاقات أفضل على المدى الطويل.

 

إن مساحات الاقتراب والابتعاد تحتاج لفطنة وهي من ركائز مهارات التواصل والعلاقات العامة. لعل في جائحة الكورونا حكمة ما تعلمنا الحفاظ على مساحة معينة تحمي انفسنا وتحمي غيرنا، وينبغي معرفة متى يتوجب أن نكسر هذه القاعدة أيضاً بين الحين والآخر بما يخدم الطرفين ويرضيهم بشكل متبادل. 

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. الكاتبة رائعة ومتفتحة الفْكر..ورد السيد غسان لافي على مغترب بالمة رد جيد. المصافحة عرف اجتماعي عالمي ولا علاقة له بالاديان. والرجل الذي لايصافح هو مغلق العقل وغير واثق من نفسه ويهين نفسه والمرأة التي أمامه. والمتزمتون والمتصوفون ليس لهم مكانة في هذا العصر. الوضع الحالي يُحكم علينا تباعد المسافات والا سنحمل هذا الوباء ونحمله لغيرنا. هناك ناس كثيرون واحبهم واشتقت أعناقهم ولكن الان لا أستطيع ذلك الى ان تعود الامور الى طبيعتها و الوقاية هي سلامة خير من علاج.

  2. السيد المغترب بالمه اختلط عليه الفهم حيث ان الذي يثق بنفسه و بتقاليده مع عدم توفر رؤية ثاقبه لديه يؤدي بنفسه إلى كارثه شخصية. إن التقارب والتباعد ههما اسلوبان للتواصل الإنساني يحكمهما الظرف السائد و لا دخل لهما بمعتقدات دينيه ومن الخطاء ان يزج بهما لتبرير تصرف يمارس على خمسين بالمئه من البشريه.

  3. لاادري ماتريد ان تصيب الكاتبة من حقيقة، ولكن مااعرفه انه في الوقت الذي كنا نلام فيه كرجال مسلمين لانسلم على النساء بأيدينا ولا نعانقهن وكذلك النساء منا، ونوصف باقذح صفات التخلف والبدائية اصبحت الآن عدم المصافحة والمسافة من تعاليم السلامة لدى هؤلاء المتحضرين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here