الوطن العربي بعد مائة سنة من “استقلال دوله”: الاميركيون في كل مكان… واردوغان يستعيد “السلطنة”!

 

 

طلال سلمان

التاريخ لا يرحم: يُسقط التزوير عنه عند اعتابه ليتابع مساره الطبيعي..

والجغرافيا اصلب من أن تُخفى حقائقها الثابتة، بالسهول والتضاريس الجبلية، والسواحل التي يجللها النورس.

أما الاوطان فينشئها اهلها، ويحمونها في وجه الاجتياحات الاجنبية، ويعيدون بناءها ويحفظونها لأبنائهم والاحفاد لتكون إرثهم المقدس، جيلاً بعد جيل.

وحدها السلطنات، شرقية وغربية تلغي الاوطان وتدمجها كولايات لتصبح من املاك “السلطان”، حدودها السيف والمدفع وجنود المرتزقة المستقدمين من المستعمرات، حتى لو كانوا “عبيدا” من السنغال في عاصمة “بيضاء” كبيروت.

…ولقد انهارت السلطنة العثمانية عشية الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918).. ولم ينفع تحالف المانيا مع الحكم الجديد الذي تولاه العسكر فانجب كمال اتاتورك، في منع الهزيمة امام التحالف الغربي (بريطانيا وفرنسا)..

هكذا تم تقسيم المشرق بين المنتصرين، فأخذت بريطانيا فسطين والعراق وابتدعت امارة في شرقي الاردن، على حساب سوريا، وتمهيداً لإقامة الكيان الاسرائيلي في فلسطين وعلى حساب شعبها والامة.

أما لبنان فقد تم تعديل حدود المتصرفية في جبل لبنان، والتي ابتدعها ورعاها الاستعمار الغربي (فرنسا وبريطانيا) وضمت اليها الاقضية الاربعة، (بيروت والجنوب والبقاع والشمال).

بعد مائة عام بالتمام ها هو التاريخ يعيد نفسه مع شيء من التعديل في التفاصيل:

1 ـ فوعد بلفور، (وزير خارجية بريطانيا العظمى آنذاك) للقائد الصهيوني هيرتزل، في 2 تشرين الثاني 1917 تجسد واقعاً استعمارياً بإقامة “دولة ليهود العالم” على ارض فلسطين العربية وطرد شعبها منها في العام 1948.

2 ـ في عراق ما بعد صدام حسين قوات للتحالف الدولي الذي استخدمته الولايات المتحدة لتمويه احتلالها العراق (2003)، وهي تتكون من قوات اميركية اساساً ومعها قوات رمزية من فرنسا وبريطانيا وبلجيكا ودول أخرى، ما زال بعضها على الارض العراقية حتى الآن.

وهناك ايضا بعض القوات الايرانية في جنوب العراق، والتي اتخذت من الوجود العسكري الغربي ذريعة للتمسك بقواتها في ارض الرافدين.

3 ـ أما في السعودية والامارات وقطر والكويت وعُمان فتنتشر قوات اميركية بذريعة حماية النفط والغاز، وكذلك الممرات البحرية والمضائق من احتمال أن تقدم إيران على اقفالها، رداً على الغزو الاميركي المحتمل لأرضها.

4 ـ ولقد كان في السودان قاعدة اميركية، ينتظر البت بمصيرها بعد الثورة الشعبية التي تفجرت فيه فأسقطت حكم الجنرال حسن البشير.. لكن جنرالات العهد الجديد، بعنوان الجنرال عبد الفاتح البرهان، سرعان ما فاجأوا العالم حين أقدم البرهان على السفر إلى كينيا للقاء رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، قبل بضعة اسابيع..من دون سابق انذار او مبرر شرعي بعيداً جداً عن ارض فلسطين المحتلة.

5 ـ كان سبق ذلك اعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن “صفقة القرن”، بحضور المستفيد الاول منها رئيس حكومة العدو الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، على وقع تصفيق ثلاثة من السفراء العرب في واشنطن.

وتمنح “صفقة القرن” الكيان الصهيوني كامل الارض الفلسطينية تقريباً، مضافاً اليها منطقة الاغوار في وادي الاردن، تاركة للفلسطينيين بعض الارض التي كانت عبر التاريخ ارضهم، على أن يتنقلوا بين ارجائها في الضفة وقطاع غزة عبر أنفاق تحت الارض!!

6 ـ وفي حين تعزل مصر عبد الفتاح السيسي ذاتها عن المشرق، محافظة على معاهدة الصلح مع العدو الاسرائيلي، مبتعدة عن زمن الصراع من اجل الحرية والاستقلال.

بالمقابل فإن اسرائيل توسع علاقاتها مع الدول العربية، فإضافة إلى مصر والاردن وقطر، يقف نتنياهو ليبشرنا بأن “دولاً عربية” عدة قد دعته لزيارتها وانه سيلبيها قريبا وبعد أن ينجح في تذليل العقبات التي نجمت عن انتخابات الكنيست الاخيرة والتي لم تمنحه الاكثرية ولسوف تفرض عليه تركيب حكومة ائتلافية مع خصومه ومنافسيه.

ولقد اعلن نتنياهو أن دولاً عربية عدة بينها السعودية ستنشئ قريباً علاقات طبيعية مع اسرائيل، مشيراً إلى انه قد قام بزيارة خاطفة إلى دبي قبل بعض الوقت، وانه سيوفد قريبا مجموعة من يهود اسرائيل لزيارة السعودية وما جاورها من الدول العربية..

مر الزمان بالعرب سريعاً، ملتهماً أحلامهم وامانيهم وحقهم بالاستقلال والوحدة والحرية..

ها هم الآن كما كان حالهم قبل قرن: ارضهم تزدحم بالمحتلين، بعنوان العدو الاسرائيلي والولايات المتحدة الاميركية (واتراك السلطان اردوغان في سوريا) فشبه الجزيرة العربية محتلة جميعاً، والقواعد الاميركية، تنتشر في قطر (العيديد) والسعودية والامارات العربية المتحدة والكويت اضافة إلى العراق الذي ما تزال فيه (إلى جانب قوات بريطانية وفرنسية وبلجيكية.. وايرانية، توكيداً لحسن الجوار)!.

بغير أن ننسى أن دولة القذافي في ليبيا (التي جعلها جماهيرية) قد اندثرت، وتتقاسم ارضها الآن قوات من أربع رياح الارض، آخرها قوات ارسلها “السلطان” التركي اردوغان يضم عديدها مئات من اللاجئين السوريين إلى تركيا التي تحارب سوريا في ارضها وتحتل بعض شمالها وشرقها متحالفة مع بقايا “القاعدة” وسائر التنظيمات الارهابية التي أُخرجت من سوريا والعراق.

…واللقاء الطارئ في موسكو بين القيصر الروسي والسلطان التركي اردوغان، لبحث الوضع في ادلب السورية!

من دون أن ننسى أن الولايات المتحدة الاميركية التي تراقب الوضع وتحاول تذكير المعنيين بان لها حصة في سوريا، تحتل بدورها منطقة دير الزور وهي المنطقة التي تفجر النفط في الشمال الشرقي في قرب دير الزور!

وطني لو شُغلت بالخلد عنه ……………. لنازعتني اليه في الخلد نفسي!

رئيس تحرير صحيفة السفير

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

18 تعليقات

  1. لم ينهار الوجود العربي منذ تاسس تاسيسا شيئا ما إلا عندما وضعت دول الخليج العربي دول النفط اياديها في أيدى الغربين متخلية عن كل مقومات الروح العربي

  2. قام الاتحاد الأوروبي وخاصة الدول الغنية بانفاق عشرات المليارات هذا اليوم تعويضا للمتضررين من وباء كورونا لشعوبهم وشركاتهم، نتمنى على دول الخليج ووشيوخ النفط وأغنياء العرب والمسلمين القيام بنفس الفعل، انفاق عشرات المليارات تعويضا للعرب والمسلمين المتضررين من هذا الوباء، وهم قادرون على ذلك، واذا لم تنفق الاموال في هذا الظرف الصعب، فمتى اذا؟ كما أرجو من أصحاب الأقلام والصحفيين والكتاب والخطباء تشجيع هذا لتوجه الكريم، وكلنا أمل أن يجد صدى طيبا، والله المستعان.

  3. الأستاذ طلال العظماء هم الذين يعملون بكد وجهد من أجل شموخ وعزة أوطانهم والدفاع عن شرف الارض التي تحتضن رفات الذين سقطوا من أجلها ونادوا وعملوا على تنوير أبنائها. وانت مازلت على درب التنوير كالصارخ في البرية.يحزنني المعلقون على مقالاتك انهم لا يعرفون تاريخك النضالي في هذا الباب من التنوير٠كثيرون معك يؤمنون بقيامة للوطن .هذه الأمة عندما تصحى من غفلتها ستكون مرة أخرى منارة للعالم.ونحن معك على الطريق

  4. يشدنا الحنيين الى السلطنة الجامعة ..يومها كان الامريكيون والاسبان والبرتغاليون والفرنسيون والانجليز ..لا يستطيعون المرور الى الهند مالم يدفعوا الاتاوات عن يد وهم صاغرون ..ولذلك نشطت في ذلك العهد حركة الاكتشافات الجغرافية ..فقط حتى لا تمر قوافل الغرب التجارية عبر طرق المحمديين .الى الهند فكانت اكتشافات ماجلان وكريستوفر الكاثوليك المتعصبين .فاكتشفت طريق رأس الرجاءالصالح جنوب القارة الافريقية ولكنه كان طريقا طويلا وصعبا ومكلفا ..الى تاريخ انهيار الدولة العثمانية .فاين نحن من ذلك الزمن الذين كنا فيه شرطة العالم .

  5. العالم العربي بعد مائة عام على نشوء الدولة القطرية من سيء الى اسوء ..الدولة القطرية وسيلتهم للاستفراد بكل قطر على حدى ..فالذئب لا يأكل من الغنم الا القاصية .

  6. نكأت الجروح أستاذ طلال ولكن السؤال وبعدين معقول أن الأمة العربية عافر؟ أما من بطل جديد وفجر جديد

  7. خذها او اتركها: إمّا يؤمن العرب بأن بين المحيط و الخليج مصير واحد و يعملوا فورا على اتخاذ خطوات فعاله لتوثيق روابطهم و إلا سوف تستمر معاناتهم الى أجل غير مسمّى و هذا لأن وقت التغيير مستحق منذ زمن بعيد و عموما يبدأ التغيير من الرأس الذي فيه المُخّ !

  8. قد أكون احلم
    لكن هناك فجر آت إن شاء الله
    شكرا استاذ طلال

  9. إيران تحتل العراق و حولته الى محافظة فارسية و صنعت فيه عملاء استلموا كافة مفاصل العراق كما صنعت فيه ميليشيات طائفية مسلحة هدفها حماية و تثبيت الاحتلال الايراني للعراق

  10. شكراً الى الاستاذ طلال
    عسى ان يتعض المواطن العربي ليحافظ على
    شرف الامة العربية المنهار

  11. قبل 100 عام عندما ترك العثمانيين المشرق العربي في فراغ وكان في فراغ الدولة رغم وجودهم امتلأ الوطن العربي بالمحتلين الأوربيين وخاصة مؤامرة بريطانيا الخسيسة وفرنسا المادة بنعومة وتقسيم المشرق العربي ومنح الصهاينة وطن في فلسطين، ورغم هذا الوجود الإحتلالي الإستيطاني فإن الشعب العربي قاوم بأدوات المقاومة البسيطة وأخرج المستعمر الأوربي ليعود ألى حيث قدم منها واليوم ورغم هذا الوجودالأوروبي والأمريكي المدعوم من الدول العربية النفطية وذات الطابع الملكي فحتما أن ثورات ومقاومة دائمة تلوح في الأفق عربية خالصة ستطرد كل الأجسام الغريبة عن كل شبر في الوطن العربي ويستقل القرار والإرادة وتتوحدالأمة وتدور عجلة الإنتاج والتنمية ويزدهر التعليم وينمو الإقتصاد.

  12. نازعتني،وليس لنازعتني، حتى يستقيم الوزن،وكما هو في الأصل

  13. للمرة الأولى نسمع و من كاتب قدير كالأستاذ طلال سلمان ان هناك قوات ( إيرانية !) في جنوب العزاق

  14. يا أخي الكريم لقد خرج العرب من التاريخ منذ نهاية العصر العباسي، والبكاء على الأقطار العربيه الان ما هو الا بكاء على أقطار صنعها سايكس بيكو ولا أسف عليها، ولا بد من ان نتذكر هنا أن هذا التقسيم للعالم الاسلامي ما كان ليحصل لولا ان بعض الاعراب وضعوا يدهم في يد إنجلترا وفرنسا وساهموا في هزيمة الدولة العثمانية والتي كانت تقف امام تنفيذ المشروع الصهيوني والذي لم يبدأ تنفيذه الا بعد هدم الدولة العثمانية ، امام هذا الضعف الشديد الذي تعيشه هذه الأمة ما الضير في أن يحكمنا السلطان والذي هو ابن ديننا بدل ان نصبح عبيدا وخدما للصهيونية بموجب صفقة القرن ونلعق احذية امريكا قبل ان نهبها ملياراتنا

  15. عندما قبلت أمة العرب بحكم الفراعنة الجدد اللذين نصبتهم القوى الاستعمارية،
    و تخلت عن حقوقها الوطنية والدستورية والإنسانية،
    أصبحت اوطان العرب مرعى خصب لكل مستعمر،
    وأصبح العربي لاجيء في كل رياح الأرض،
    والاحتلالات الاستعمارية في كل أقطار دنيا العرب،
    وابناء العرب يعيشون الفقر والاضطهاد والتخلف الحضاري في كل مضمار،
    وأخيرا اصبح العربي يفتخر بقتل أخيه العربي تحت مسميات شتى ظالمة،
    والعربي الذي اصبح يملك درهيمات يحتقر أخيه في الدين والعروبة والأوطان والمصير.
    اصبح بأفعاله المشينة مسخرة لشعوب الأرض ومسيئا لامة العرب والإسلام.
    الوطن لا يعمر الا بشعب حي يفهم حقوقه المدنية وواجباته تجاه المجتمع،
    الوطن لا يبنى الا بالعمل المخلص، والقيادة المخلصة المنتخبة بشفافية ضمن قانون انتخاب عصري،
    وبناء دولة الموءسسات الدستورية في إطار قضاء مستقل، ومد يد التعاون للشقيق،
    وإذا لم نوفق للوحدة كاملة بين أقطار العرب على الأقل تعاون وتفاهم على الأهداف القومية.
    الا يستحق العرب على الأقل صيغة ما مثل اتحاد السوق الأوربية المشتركة؟
    لقد خرجت الجامعات العربية ملايين الخريجين، أين هم وأثرهم وعلمهم؟

  16. هرتسل مات في سنة 1904 واما وعد بلفور فقد اعطي الى اللورد روتشيلد اليهودي في 2.11.1907

  17. ____ صحيح يا أستاذ طلال سلمان .. التاريخ يتطهر باستمرار من التلوث و من .. (؟) .. المقال كأنه مستوحى من \ ’’ عدت يا يوم مولدي .. عدت يا أيها الشقي ’’ و هي أغنية فلسفسية بقالب رومانسي .. و لا زال العرب بلا حرية حقيقية تمنحهم معنى الحياة .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here