النقد الثقافي المقارن عند عزالدين المناصرة: منظور جدلي تفكيكي

 

  • الدكتور علي صليبي المرسومي (العراق)

  • المبحث الأول: تاريخية النقد الثقافي (قراءة في المصطلح).

  • المبحث الثاني: مفهوم النقد الثقافي وطبيعته.

  • المبحث الثالث: العلاقة بين النقد الثقافي والنقد الأدبي.

  • المبحث الرابع: النقد الثقافي المقارن.

  1. المبحث الأول: تاريخية النقد الثقافي (قراءة في المصطلح):

– يمثل مشروع الشاعر الناقد (عزالدين المناصرة)، حلقة مهمة من حلقات تطوير منهج النقد الثقافي وتفعيله وفتحه على آفاق منهجية ثرية وخصبة، وذلك من خلال الانتقال بالأدب المقارن – ميدان عمله الأكاديمي والنقدي – من التحديدات المنهجية الضيقة إلى فضاء (المنهج الثقافي المقارن) الشامل والواسع، الذي لا يجد في تشابه اللغات والثقافات والعصور الوسيلة الوحيدة لعقد مقارنة بين أدبين مختلفين، بل يجد أن الثقافة أوسع من ذلك، ولا يمكن أن تتحدد بقواعد معينة إذا ما أخذنا ببعدها الحضاري. ومن مبدأ التأثر والتأثير في الظاهرة النقدية بشكل خاص، إلى “النقد الثقافي المقارن” ينتهي إلى فتح مجالات نقدية جديدة تخصّب الظاهرة النصية وتجيب عن أسئلتها.

إن النقد الثقافي المقارن هنا يُخرج النص من حدوده المحلية والقومية الضيقة إلى العالمية، من خلال اعتماد مبدأ التأثر والتأثير، ولا سيما في مجال النقد الثقافي المقارن، فضلاً عن الأنشطة الثقافية المتنوعة والمتعددة الأخرى التي بدأت تدخل إلى جميع المرافق الثقافية ومن دون تقييد.

– محتويات (كتاب المثاقفة والنقد المقارن، 1988):

مقدمة.

الفصل الأول: الأدب المقارن (1945-2004): الإطارالنظري في الأبحاث المترجمة إلى العربية:

– المقدمة.

– التأثير المركزي الأول: بول فان تيغم… وغويار.

– أزمة الأدب المقارن: إتيامبل – ويليك.

– برونيل، بيشوا، روسو: ما الأدب المقارن.

– ألكسندر ديما: عام الأدب المقارن: في روسيا وأروبا الشرقية.

– هانس ياوس: جمالية التلقي: أفق التوقع.

– يووان هاويي: الأدب المقارن في الصين.

– فايسشتاين: التأثير والتقليد.

– جون فليتشر: نقد المقارنة.

– د. و. فوكيما: الوضع المعرفي للأدب المقارن.

– سوزان باسنيت: بريطاني… لا… الاسم ليس في محله.

– باجو: كل كقارِن، هو وسيط بالقوة.

الفصل الثاني: النقد المقارن في ألمانيا:

الفصل الثالث: بدايات الأدب المقارن في البلدان العربية:

– مقدمة.

– الرائد التاريخي للأدب المقارن في الوطن العربي: روحي الخالدي: تاريخ علم الأدب عند الافرنج والعرب – 1904

– سليمان البستاني: مقدمة ترجمة الإلياذة.

– قسطاكي الحمصي: الموازنة بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية – 1935.

– محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن – 1953.

الفصل الرابع: الأدب المقارن في الجامعات العربية (1946-2005):دراسة ميدانية:

– كلية دار العلوم – جامعة القاهرة – 1946.

– الجامعات اللبنانية.

– الأدب المقارن في الجامعات العربية – 1983-1984.

– تحليل الإجابات.

– خلاصة (جدول التدريس الجامعي)، 1946-1985.

– الأدب المقارن… واللغة الإنجليزية في الجامعات العربية، 2004-2005.

الفصل الخامس: بيان النقد المقارن: عالم بلا حدود ولكن!! (أسئلة من أجل تطوير النقد المقارن).

الفصل السادس: النص … والآخر: الموشحات الأندلسية وشعر الطروبادور:

– القسم الأول: الموشحات الأندلسية.

– القسم الثاني: شعر الطروبادور.

– القسم الثالث: خلاصة تفكيكية.

الفصل السابع: تطبيقات في النقد الأدبي المقارن:

– أثر وليام فوكنر في رواية (نجمة) لكاتب ياسين.

– أثر وليام فوكنر في رواية (ما تبقى لكم) لغسان كنفاني.

– بيجماليون، بين برنارد شو، وتوفيق الحكيم.

– نيكولا فابتساروف في (مصر، لبنان، فلسطين).

ملاحق: وثائق النقد المقارن:

  1. قوانين جمعيات وروابط الأدب المقارن العربية والعالمية.

  2. مؤتمرات الأدب المقارن العربية والدولية (1982-1989).

  3. مجلاّت الأدب المقارن: أعداد خاصة (1966-1983).

  4. عيّنات من أسماء بحوث الأدب المقارن (1983-1987).

  5. خطّة منهاج مقترحة للأدب المقارن في الجامعات العربية (1992).

  6. ببيليوغرافيا عربية الأدب المقارن، حتى عام 2000.

  7. (280) كلمة عربية في اللغة البلغارية.

– محتويات كتاب (النقد الثقافي المقارن، 2005):

المقدمة

الفصل الأول: المثاقفة = النقد الثقافي المقارن: الإحساس بالعالم، والتلذذ بالتبعية: تفاعل المراكز… والأطراف.

الفصل الثاني: التفاعل المتبادل بين اللغات: (الاستقراض الطبيعي).

الفصل الثالث: النقد الثقافي السلاﭬي: جماليات (المثاقفة)، وتلميحات (النواة الخفية):

– جماليات المثاقفة: التفاعل والاختلاف.

– (النواة الخفية).

– يوحنا سميث: ما النقد الثقافي؟.

– (المدرسة السلاﭬية): الواقعية الجدلية، والشكلانية الروسية.

– (الشكلانيون الروس) ليسوا شكلانيين!!.

– (جماعة موسكو- تارتو): سيمائية الثقافة وتحليل النص.

– (الجمالية الجدلية) الواقعية الماركسية.

– خاتمة.

الفصل الرابع: المثاقفة (النقد الثقافي المقارن): النصُّ الثقافي المعتم:

  1. تفكيك جدلية الثقافي والأدبي.

  2. إيزابيرغر: النقد الثقافي.

  3. الإمبريالية والثقافة: قضية – مجلة حوار اللبنانية (1962-1967).

  4. الإمبريالية والثقافة: المثقفون، والحرب الباردة الثقافية (1947-1967).

  5. النسوية، والنقد النسوي… وما بعد النسوية.

الفصل الخامس: الفرانكوفونية في إفريقيا: الجزائر، المغرب، تونس، ومصر.

الفصل السادس: الفرانكوفونية في لبنان:

– مقدمة.

– الفرانكوفونية في لبنان: الرأي والرأي الآخر.

– نقد الفرانكوفونية اللبنانية.

– الأدب الفرانكوفوني اللبناني.

– مؤتمر بيروت (2002) الفرانكوفوني: قمَّة اللغة التاسعة.

– لا تتوقف معالجات (عزالدين المناصرة) لنظرية النقد الثقافي المقارن عند حدود النص القومي، بل تخرج إلى حقل جديد أكثر أهمية هو حقل النقد الثقافي المقارن، إذ تلتقي الثقافات وتتبادل رؤياتها وفضاءاتها ونصوصها على نحو إنساني شامل وحيوي، يضع المنهج بوصفه آلية تحقيق القوة الحضارية والجمالية والثقافية للإنسان في كل زمان ومكان ومناسبة.

– يستخدم المناصرة هذه المنطلقات النظرية ويستدعي كثيراً من مقولاتها في سبيل تكريس رؤيته النظرية، التي يجعل منها منطلقاً لمناقشة ومحاورة التعريف والمفهوم والمصطلح والنظرية عموماً، بحيث وفّر لرؤيته في تكوين مجال منهجي نقدي خاص به تميَّز بالكثير من الموضوعية والعلمية، على الرغم من أنه كان يشتغل في كل مقارباته على تأكيد رؤيته الخاصة التي يسخّرها لخدمة عمله النقدي، الذي يكشف عن مشروعه في الحقل النقدي الثقافي المقارن.

– ويرى المناصرة إنّ عملية البحث في تاريخية النقد الثقافي تعود إلى العقود الأولى من القرن العشرين، حيث تجلّى الصراع الفكري وتمخّض عن صراع منهجي في مقاربة النصوص والظواهر والأجناس الأدبية والثقافية، إذ (كانت الثلاثينيات من القرن العشرين، ميداناً للصراع النقدي بين اتجاهين: أحدهما، ينظر إلى النص بوصفه منتجاً ثقافياً يتم إنتاجه في إطار سياق تاريخي، وبالتالي، فهو يمتلك معرفة نصيّة لا تنفصل عن هذا السياق، كذلك يتمدّد النص إلى الخارج نحو – مدى استجابة القارئ الذي يقرر صلاحية النص من عدمها في أزمان مختلفة. أما الاتجاه الآخر فهو يرى أن النص كتلة جمالية مركّبة، منفصلة عن الخارج، شبه مستقلة، منغلقة على ذاتها). وبهذا يكون الصراع قد تقرر تاريخياً منذ ذلك الوقت بين رؤيتين منهجيتين مختلفتين، ترصدان النصوص والظواهر انطلاقاً من خلفياتهما الفكرية والإيديولوجية، فأفرزت على أساس هذه المعادلة ما سمّي بـ(الخارج النصي) و(الداخل النصي)، إذا ينتمي (الخارج النصي) إلى اتجاهات النقد الثقافي، وينتمي (الداخل النصي) إلى اتجاهات النقد الأدبي النصّي، وكل اتجاه يذهب في ممارسته النقدية بعيداً عن الاتجاه الآخر.

– اشتغل (عزالدين المناصرة) في نشاطه النقدي النظري لتحديد المفاهيم على مساحة النقد الثقافي انطلاقاً من تحديد تاريخي لظهور هذا النقد عربياً، بعد ظهوره غربياً بطبيعة الحال على يد كوكبة من النقاد المنتشرين على مساحة أوروبا، ومن خلال تحديد طبيعة مفهوم هذا النقد ومجاله، ومدى انطباق هذا المفهوم على جهود نقدية عربية برزت منذ مطلع القرن العشرين، على الرغم من أن المفهوم الواسع لهذا النقد قد يعود بنا إلى مرجعيات نقدية في عصور قديمة لدى المشتغلين في حقول معرفية ثقافية عامة.

فإذا كان النقد الثقافي ينطوي على رؤية موسوعية في مباشرة النص الأدبي والثقافي عموماً، فـَ(المناصرة) يقول: و(إذا كان النقد الثقافي هو الأخذ من كل علم بطرف، حسب ابن خلدون، فقد مارس العرب القدامى، النقد الثقافي، بمفهوم الموسوعية، لكن مفهوم النقد الثقافي، بمرجعياته الأوروبية، مورس في العصر الحديث أيضاً، فلا أحد يستطيع أن ينفي أن كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر، 1938) يقع في دائرة النقد الثقافي بامتياز، كذلك بعض كتب المثقفين العرب من مختلف الاتجاهات كافة). إذ ينظر المناصرة إلى هذه القضية الإشكالية من خلال نظرة موسّعة وشاملة قاربت كثيراً من المدوّنات النقدية العربية لدى عدد مهم ومتميز من أبرز المفكرين التنويريين العرب، الذين انطوت آراؤهم الفكرية النهضوية على رؤى ثقافية ناضجة في هذا السياق. فقد وجد (المناصرة) ضمن أفق هذه الرؤية واستناداً إلى معطياتها أن: (هؤلاء جميعاً مارسوا النقد الثقافي من منطلقات متعددة: القومي التقليدي، القومي الليبرالي، التحرر الوطني، الإسلامي التقليدي والإسلامي المتنوّر، المادي الجدلي واليساري العام، واليساري الماركسي، الليبرالي العام، العلماني، التفكير الأنثروبولوجي، الليبرالي التابع… إلخ. ولكن لا بدّ من إشارة خاصة إلى مالك بن نبي، مؤلف كتاب (مشكلة الثقافة، 1959)، باعتباره ثالث كتاب مباشر في النقد الثقافي بعد كتاب طه حسين عام 1938، وبعد كتاب عبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم (في الثقافة المصرية، 1956)، ونشير إلى كتاب الجزائري مصطفى الأشرف: (الجزائر: أمّة ومجتمعاً، 1983)، لكن الإشارة الأهم ينبغي أن تكون لإدوارد سعيد، الذي كان أول من حرّك الاهتمام باتجاه النقد الثقافي منذ كتابه (الاستشراق، 1978)، و(العالم والنص والناقد، 1983)، ولاحقاً (الثقافة والإمبريالية، 1992) خصوصاً بعد ترجمتها إلى العربية).

– يحيل (عزالدين المناصرة) في سبيل الإشارة إلى مرجعية عربية للنقد الثقافي إلى ثلاثة كتب أساسية، يعتقد أنها تمثل بداية ظهور النقد الثقافي في الثقافة النقدية العربية الحديثة، لكنه ينبّه في السياق ذاته إلى أنها تشتغل في مجال النقد الثقافي على نحو عام أو تتمحور حول هذا النقد، بوصفها ممارسة نقدية تشتغل على النص الثقافي (الوضع الثقافي السائد) وليس النص الأدبي وتأثيره على البنية الثقافية للواقع الثقافي الحاضن لهذا النص. إذ يشير (المناصرة) في تحديد نوع من الريادة في هذا النقد إلى أن (هناك ثلاثة كتب: “مستقبل الثقافة في مصر” لطه حسين، وهو صادر عام 1938، وهناك كتابان صدرا في الخمسينات هما: “مشكلة الثقافة” لمالك بن نبي، وكتاب “في الثقافة المصرية” لمحمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس، هذه الكتب تتمحور حول (النقد الثقافي للنص الثقافي)).

وعلى الرغم من أن ما تنطوي عليه هذه الكتب من ممارسة نقدية تنتمي على نحو ما إلى طبيعتها التنويرية النهضوية، في ظل آراء وأفكار وقيم عصر النهضة مطلع القرن العشرين، إلا أن بنية هذه الكتب ومشروعها النقدي في نظر (المناصرة) تقترب من النقد الثقافي وأفكاره وقيمه بصورة أو بأخرى، وتشكّل بداية حقيقية للتفكير الثقافي في الظواهر والنصوص الثقافية العربية التي كانت سائدة آنذاك. وإذا كانت هذه الكتب الثلاثة تمثل على وفق المنظور التاريخي بداية ظهور التفكير النقدي الثقافي، فإن (المناصرة) يردفها بكتب أخرى مثّلت عنده الموجة الثانية من موجات ظهور كتب النقد الثقافي في الثقافة النقدية العربية، وهي كتب صرّحت بالمصطلح واشتغلت عليه وبشّرت به على نحو قصدي ومخطط له، وهي التي أثارت الجدل والسجال والحوار حول هذا النقد وحدوده ومظاهره من جهة، وصلته بالنقد الأدبي من جهة أخرى.

فهناك بحسب رصد المناصرة (أيضاً خمسة كتب حديثة هي: “النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية” لعبدالله الغذامي، الصادر في طبعته الأولى عام 2000، وكتاب “نقد ثقافي أم نقد أدبي” لعبدالله الغذامي وعبدالنبي اصطيف، الصادر عام 2004، كذلك كتاب “النظرية والنقد الثقافي” لمحسن جاسم الموسوي الصادر عام 2005، كذلك ظهر كتابا عبدالعزيز حمودة “المرايا المقعرة، والمرايا المحدبة” الصادران عن منشورات سلسلة عالم المعرفة بالكويت، وهما في نقد الحداثة النقدية العربية) – وهو كتاب مهم أيضاً.

وربما يكون كتاب الداعية عبدالله الغذامي (النقد الثقافي) أكثرها انتشاراً في الميديا في مجال التبشير بهذا النوع النقدي، وقد حفل الكتاب منذ عتبة عنوانه بالكثير من الآراء الفكرية الثقافية والمعالجات الإجرائية، التي وجدها الغذامي تمثل – على نحو ما – ولادة نقد جديد بديل للنقد الأدبي، وقد أولاه المناصرة الأهمية الكبرى بسبب انتشاره الإعلامي، قياساً بالكتب الأخرى المرافقة له. لأن الغذامي، هو مترجم المصطلح (النقد الثقافي). لكن (إدارود سعيد، والمناصرة نفسه) – سبقاه إلى معالجتهما للمصطلح (أدوارد سعيد – المنهج الأمريكي، وعزالدين المناصرة – المنهج السلافي).

– ومن أجل توفير مناخ تاريخي واسع لحضور هذا النقد في الساحة النقدية العربية، ذهب المناصرة إلى إدراج كتب أخرى وجد أنها تنتمي على نحو أو آخر في مدوّنة النقد الثقافي بقوله: (كذلك تندرج كتابات فيصل درّاج النقدية في إطار النقد الثقافي خصوصاً كتابيه: “نظرية الرواية العربية”، و”بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية”، وكتابات (عمّار بلحسن) خصوصاً كتابه “أنتلجنسيا أم مثقفون في الجزائر”).

لكن (المناصرة) لا يكتفي بإيراد سلسلة هذه الكتب التي رأى أنها تحيط بمقولات النقد الثقافي في الثقافة العربية، بل جمعها تقريباً داخل بؤرة وجهة نظره النقدية التي تقارب هذه الكتب بوصفها تشتغل على وجه واحد من وجوه هذا النقد، يقول (المناصرة): (وبتقديري أن هذه الكتب غلبت عليها ميزة – النقد التعليقي على النصوص، أكثر من محاولة قراءة النص من الداخل،. فاكتشاف ما هو مكتشف أمر يسير، لكن البرهنة عليه هو الأمر الصعب).

وبذلك يكون قد أوقف عملها النقدي عند حدود التعليق على النصوص وليس مباشرة النص من الداخل، بوصفه العمل الأول الذي تشتغل عليه الممارسة النقدية بكل ألوانها وأشكالها. ويذهب المناصرة في سياق معالجة هذه الكتب والنظر فيها والتحاور معها انطلاقاً من حساب النظرية والتطبيق معاً، إلى أن ثمّة ممارسات أخرى في علوم إنسانية مجاورة كعلم الاجتماع مثلاً، تناولت ظواهر أدبية بآليات ثقافية اجتماعية لا يمكن معها استثناؤها من مجال النقد الثقافي، لأنها قاربت نصوصاً مهمة في الشعر العربي مقاربة سوسيولوجية، وتوصلت بالرغم من ذلك إلى نتائج قاربت نتائج النقد الأدبي والثقافي حول النصوص نفسها، على النحو الذي يمكن إدراجها في حقل النقد الثقافي. إذ يورد المناصرة هذه القضية المهمة عبر هذه الالتفاتة بقوله: (لقد اكتشف عالما اجتماع حقيقيان، هما (صادق جلال العظم، والطاهر لبيب)، مسألة عدم مصداقية الرأي الشائع في المناهج المدرسية والجامعية حول عذرية الشعر العذري، بأدوات علم الاجتماع. فإذا كاناا قد وصلا إلى نفس النتائج التي وصل إليها النقد الأدبي والثقافي بوسائل علم الاجتماع، فهل يمكن طردهما من جنّة النقد الثقافي!!، رغم أنهما قالا بالاختلاف قبل دريدا)!!.

– الأمر الذي يؤكد سعة هذا النقد وشموليته وصعوبة حصره في مقولات محددة وأطر مغلقة ضمن اعتبارات ذات استقلالية خاصة، لأنه نقد متفتّح ورحب وشامل وذو اتصال وثيق بشبكة المعارف الإنسانية كافة، بحيث يتوجب على المشتغلين في حقله عدم القطع في إقامة حدود نهائية وحاسمة له.

– يقول (المناصرة): ((عنصر النسق) هو أحد العناصر وليس كلها، والطريف أن (اصطيف) أيضاً لم يعرّف النسق!!، رغم انتقاده للغذامي، الذي لم يعرف النسق أيضاً. والمسألة الثانية هي مسألة الاختيار، حيث ربط الغذامي تبرير اختياره للنصوص بمسألة شهرة الشاعر، وهذه مسألة ناقصة، إذ على الغذامي أن يكمل هذا المبدأ بتحليل أسباب الشهرة، فهي التي تكشف، بل تكشف أيضاً النسق المكبوت في عقل الناقد نفسه، مع هذا، فإنه يحسب للغذامي أنه اختار منهجية جاكوبسون، وأنه حاول التطبيق على نماذج عربية، وأن نتائجه رغم جزئيتها، صحيحة نسبياً).

– وعالج (المناصرة) أخيراً كتاب محسن الموسوي – وقد أدرجه أولاً ضمن الكتب الأساسية المنشورة في هذا المجال – بوصفه كتاباً مقلّداً وحشداً لمجموعة من المقالات التي تفتقر إلى التجانس والتماسك وتقديم الجديد: (أما كتاب الموسوي فهو يقتفي آثار منهجية إدوارد سعيد، لكن الكتاب غير متماسك، وكأنه مجموعة مقالات، تمَّ جمعها كيفما اتفق، وتناص هذه الكتابات العربية كثيراً مع كتابات: (غرامشي، أدورنو، رايموند وليامز، سبيفاك، جوليان بيندا، فرانز فانون، هومي بابا، إدوارد سعيد، إيزابيرغر، ميشيل فوكو، ديريدا،مثيو أرنولد، تيري إيغلتون، فالتر بنيامين، بارت، ماشريه، مجموعة بيرمنغهام… وغيرهم)).

– ثم يعود (المناصرة) إلى التحذير من (استعراضية الغذامي الإعلامية) وذلك من خلال الترويج المبالغ فيه للمنهج البريطاني (مدرسة بيرمنغهام)، وقال المناصرة: (إن المنهج السلامي هو اكتشف (النقد الثقافي)).

وبهذا تكون تاريخية النقد الثقافي العربي قد انحصرت في كتب معينة ومحددة، ربما يكون (المناصرة) قد توسّع فيها وفتحها على نطاق أوسع مما يجب، حين أدخل كتباً قد لا تنتمي إلى ميدان النقد الثقافي بمفهومه النقدي الحرفي، لكن طروحاتها ومقولاتها تقارب قضايا ثقافية مهيمنة تخضع لنقد فكري وإيديولوجي، وجد المناصرة أن قيمتها الثقافية ضمن المفهوم العام والشامل للنقد الثقافي تتيح لها الاندراج في هوامش هذا النقد.

  1. المبحث الثاني: مفهوم النقد الثقافي وطبيعته

إذا كانت (الشعرية) هذا المصطلح الخطر الذي ظهر مع آراء الشكلانيين الروس ومن تبعهم من روّاد النقد النصوصي، هي العنوان المركزي الرئيس الذي غالباً ما ينظر إليه لدى أكثر دارسي النظرية الأدبية، بوصفه العلامة التي تميّز النص الأدبي عن غيره من النصوص الأخرى، فإن تطوّر مفهوم (الشعرية) بعد تعدد المنهجيات الشكلانية جعلها تنفتح على الخطابات الأخرى غير الأدبية وتشتغل عليها، إذا (لم يعد مفهوم الشعرية يخصّ (درجات الشاعرية) في الشعر، بل أصبح يخصّ النص الأدبي والفني والثقافي: (شعرية الرسم، شعرية السينما، شعرية النحت، شعرية السرد)، كذلك يمكن البحث عن شعرية ما في النص الثقافي)، وبهذا يكون النص الثقافي على مسافة واحدة من النص الأدبي فيما يتعلق بانطوائه على شعرية تجعله قابلاً للقراءة النقدية مثله مثل النص الأدبي، على النحو الذي يفسر إمكانية وجود نقد ثقافي يقرأ النص الثقافي والنص الأدبي، بما ينطوي كل منهما على قيمة شعرية ذات تأثير وتأثر في/على الخارج النصي والداخل النصي معاً.

– انطلق (عزالدين المناصرة) من رؤية خاصة ذات طبيعة تاريخية ومعرفية في آن معاً لتحديد مفهوم النقد الثقافي ومقاربة طبيعته المنهجية، إذ بعد استقراء تاريخي ومنهجي شامل تمكّن من صياغة هذا المفهوم وطبيعته عبر مجموعة من الملاحظات سجّلها على النحوالآتي بقوله: (فيما يلي نقدم (بعض الملاحظات حول النقد الثقافي):

أولاً: يرتبط النقد الثقافي بحقول الثقافة المتنوعة، مستفيداً من مناهج العلوم الإنسانية: الفلسفة والتاريخ والسياسة والفكر وعلم الاجتماع وعلم النفس، والبيولوجيا، والألسنيات، والنقد الأدبي، والأنثربولوجيا، وغيرها، حيث قراءة النصوص، قراءة تتضمن مفهوم قراءة البنْية، وأهمية الإحالة إلى مرجعيات من داخل النص وخارجه، لتكشف (المسكوت عنه) في النص، أي قراءة البنيات السطحية الظاهرية للنص، وقراءة البنيات العميقة، وتفسير الدلالات وتأويلها في إطار، لا يجعل النص، مجرد مجموعة من التصنيفات الشكلية، بل يقرأ النقد الثقافي، تحولات هذه البنيات ومرجعياتها، ووظائفها وأثرها الاتصالي وأشكاله، أي أن النقد الثقافي، يقرأ تحولات النص باتجاه المجتمع الثقافي الذي أنتجه، في زمان ومكان معينين، ومدى انطلاقه وحركته نحو الانفتاح على العالم أو الانغلاق على نفسه).

النقد الثقافي يتجاوزحدود البنية النصية في انغلاقها الألسني وتقوقعها البنيوي، ليفتحها على أفق واسع وحيوي ومتجدد من التدليل والتشكيل، يقرأ فيه النص قراءة ثقافية متعددة تحيل على مجتمع التلقي في مجاله الثقافي الفاعل، وتستشرف قوة تأثير الفعل الثقافي النصّي على السير في طريق التغيير والتطوير والتمثيل.

إي أن (الحساسية التواصلية) التي يتمثلها النقد الثقافي ويشتغل عليها – بحسب (ملاحظات المناصرة) – تتشكل عبر مفهوم البنية عند البنيويين لتفتح على فضاء شبكي كثيف وغزير ومتعدد ومتنوع من العلاقات المتعاضدة والمتداخلة لا تتوقف بحسب مفهوم النقد الثقافي عند حدود البنية، إذ يعالجها المناصرة بملاحظة أخرى مفادها:

– (ثانياً: إذا كان ماركس، أول من أشار إلى مفهوم البنية، وإلى العلاقة بين البنية الفوقية الذهنية، والبنية التحتية المادية، إلاّ أنه لم يقرأ تجليات هذه العلاقة أو العلاقات، ولم يستخرج بالتالي قوانين محددة تحكمها. لكن الماركسيين: (غرامشي، لوكاتش، غولدمان)، حاولوا ذلك في مجالات محدودة، وكانت التجربة المضادة، أي تجربة الشكلانيين الروس، تجربة رائدة في هذا المجال، مجال الكشف عن أنساق أو بنيات، لكنهم أخطأوا مرتين: أولاً: حين حصروا عملية الكشف في النصوص الأدبية فقط. وثانياً: لأنهم حوّلوا هذه المكتشفات إلى تصنيفات هيكلية شكلية. ﺛﻢ جاءت البنيوية الفرنسية: (بارت، ديريدا، فوكو، ﻛﺮﻳﺴﺘﻴﭭﺎ، وتودوروف)، إضافة إلى السوسيولوجي بيير بورديو. وهنا اتّسع النقد الثقافي، ليشمل الحدّين اللذين يؤرّقان مشكلة تحديد النقد الثقافي، أي: التوسُّع والتضييق. ﺛﻢّ جاء جيرار جينيت، ليطرح مفهوم الـHypertext، الذي يفتح المجال، أمام توسّعٍ، لا حدود له ﻓﻲ مجال تغيّر امتدادات النص، بربط النص، شبكيّاً، كما هو الحال ﻓﻲ مفهوم الاتصال ﻓﻲ الانترنت)، على النحو الذي يجعل من آلية النقد الثقافي آلية شاملة نصياً تتوسع في التعامل مع مفهوم البنية خارج السياق اللغوي، لكنه مع ذلك فإن الإشكال المفهومي في وضع الحدود وضبط المصطلح للنقد الثقافي في فضاء اشتغاله الشبكي المتداخل لم يكن أبداً سهلاً، حيث جوبهت هذه المسألة بأسئلة كبيرة تتعلق بالمفهوم والمصطلح والآلية وحقل الاشتغال وغيرها، جعلت (المناصرة) يتوجه بملاحظته الثالثة حول النقد الثقافي من خلال طرحه جملة أسئلة تقارب بجديّة حدود وإشكالات وقضايا هذا النقد بقوله:

– (ثالثاً: وهكذا بقيت مشكلة تحديد مفهوم (النقد الثقافي)، قائمةً أمام أسئلة (المناصرة) من نوع:

– هل النقد الثقافي، منهج في قراءة النصوص، أم حقل لتوسيع دلالات النص، بالإحالة ﺇﻟﻰ الخارج. وهل يمكن أن يتخلّى النصُّ عن هُويته لصالح هويّات أخرى.

– ما هي الحدود بين داخل النص وخارجه. وما معنى الخارج. وما هي امتداداته وتغيراته.

– هل استخدام حقول العلوم الإنسانية في تحليلات النصوص، يهدف لتفكيك النص وتفسيره وتأويله ووضعه في سياقه الاجتماعي والتاريخي والمكاني والفكري، أم أنَّ الهدف هو استعمال النصوص، بما يفيد مناهج العلوم الإنسانية نفسها. وهنا يتم تأويل النص بإسقاط المعارف الخارجية عليه، أي أن النص، يصبح مجرد ذريعة.

– ما حدود النقد الأدبي الذي يستعمل الإحالة إلى المرجع في حدود معلومة، وما الفارق بين الإحالة والمرجع في النقد الأدبي، وبين التوسع في المرجعيات لدى النقد الثقافي.

– هل مجال قراءة النصوص، هو ثنائية: قراءة الرسمي والمسكوت عنه، أي قراءة نصوص الحكومة والمعارضة فقط، أم أنَّ القراءة، تتسع لقراءة نصوص الأغلبية الصامتة التي تعبر عن الحساسية الشعبية، خارج الحكومة والمعارضة. أم أن مجال النقد الثقافي، هو قراءة منظور النص من كل جوانبه، وقراءة العلاقات بين البنيات نفسها في إطار عالم مفتوح، أي قراءة الواحد المتعدد.

ومن خلال ما تقدم يمكن وضع حدود بين المنهج السياقي والمنهج الثقافي من جهة، كون النقد السياقي يهتم بما هو خارج النض، الأديب، البيئة، الوضع النفسي، المجتمع وغيرها من الأمور التي تتصل بحياة الأديب، وهذا أيضاً يعكس المعرفة المسقة على تحليل النص، في حين المنهج الثقافي لا يعنى بما هو خارج النص إلا من خلال معطيات النص، فعند المنهج السياقي ما هو خارج النص أولاً والنص ثانياً، في حين المنهج الثقافي عد النص أولاً والخارج ثانياً.

يعطي المناصرة للهوية – بأفقها الواسع والشامل – أهمية بالغة في مقاربة مفهوم النقد الثقافي، لما للهوية عنده من قوة حضور وتمركز ثقافي في الشكل والفعالية والمفهوم والمصطلح والنظرية، تقترن اقتراناً وثيقاً جوهرياً بالنقد الثقافي، إذ يوليها ملاحظة مركزية في هذا السياق عبر مقاربته الرابعة (رابعاً: تصلح (الهويَّة) مجالاً مهماً للنقد الثقافي. وهنا يفترض أن نستعين بكل مناهج العلوم الإنسانية الممكنة، ليس من الزاوية النظرية فحسب، بل ننطلق بالعكس، أي ننطلق من واقع الهويّات في العالم في تشكلها ونموها واندثارها ومقاومتها وانغلاقها وانفتاحها).

وهو ما يفتح النقد الثقافي ضمن إطار هذا المفهوم على مساحات منهجية تتعلق بجميع العلوم الإنسانية، التي يمكن أن يكون لها حصة وفعل وتأثير في تشكل النص الأدبي والثقافي.

ثم يذهب المناصرة في ملاحظته الخامسة في هذا الصدد إلى الخلفية التاريخية المؤسسة والرائدة لمفهوم النقد الثقافي في نسخته العربية، التي هي بطبيعة الحال متأثرة بالنسخة الغربية لكنها عبر إدوارد سعيد تنتمي إلى جذور عربية صرف عند الكثير من روّاد النهضة العربية والتنويريين في القرنين التاسع عشر والعشرين، إذ يقول:

(خامساً: يبدو تأثير: (فوكو وفانون ورايموند وليامز)، واضحاً في كتابات إدوارد سعيد، إلاّ أنَّ إدوارد سعيد، هو الأب الروحي للنقد الثقافي في العالم العربي، قبل ترجمة أعماله، وبعد الترجمة، منذ (الاستشراق) عام 1978، بمفاهيمه الأورو-أمريكية، لكن سعيد، حصر قراءته في ثنائية الطباقية: (الاستعمار والمقاومة مثلاً)، ولم يتعمق في قراءة بعض الظواهر الثقافية العربية، فجاء تحليله أحياناً، مشوشاً ومرتبكاً وخاصاً وأحادياً. وإذا كان من الممكن أن نسمّي: حسين مروّة وعبد الرحمن الكواكبي وسيّد قطب ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي وصادق جلال العظم والطيب تيزيني وساطع الحصري، على سبيل المثال، مفكرين حقيقيين، مارسوا النقد الثقافي من زوايا: فلسفية فكرية، دون أن يقدموا تنظيرات حول النقد الثقافي، إلاّ أن طه حسين، ومالك بن نبي، على سبيل المثال، مارسا النقد الثقافي، نظرية وتطبيقاً، إلاّ أن صفة (مفكر!)، لا يمكن أن تطلق على باحثين في الفكر، يتسمون بالجمع والاقتراض السلبي والتحليل السطحي. كما أنَّ بعض الذين ينتقدون استعمال (الفكر السياسي) في تحليل الظواهر الثقافية، عند إدوارد سعيد، يتجاهلون أنَّ السياسة، علم مثل العلوم الإنسانية الأخرى، تقرأ أحد جوانب النص. فالفلسفة والفكر والسياسة، من عناصر التحليل، وهي أيضاً حقولٌ من حقول العلوم الإنسانية). – (عزالدين المناصرة).

– وعلى الرغم من الحضور الإجرائي للنقد الثقافي في الثقافة العربية الحديثة على النحو الذي بيّنه (المناصرة) لدى الكثير من مثقفي النهضة العربية وتنويريها، فإن المفهوم على الصعيد النظري ما زال ملبساً، ورؤيته النقدية النظرية لم تتبلور بعد على النحو المطلوب. يقول (المناصرة): (يبقى أن نؤكّد أن النقد الثقافي في العالم العربي، مورس منذ مطلع القرن العشرين تطبيقاً، لكن نظرية النقد الثقافي، لم تتبلور بعد، وما تزال قريبةً من مجرد نقل بعض الأفكار الأورو-أمريكية. كما أن النقد الثقافي، يميل إلى الاستقلال عن النقد الأدبي، لكن النقد الأدبي – كما نتوقع – لن يصبح، فرعاً من فروع النقد الثقافي لأسباب عديدة، تعود إلى طبيعة الاختلاف بين الفرعين، رغم اشتراكهما في بعض العناصر التي تمركز هوية كلٍّ منهما حول خصائص أكبر).

– يتضح هنا أن (الناقد عزالدين المناصرة) وهو يسعى إلى وضع حدود مفهومية للنقد الثقافي، وكشف طبيعة هذا النقد، من خلال طروحات من أدرجهم في دائرة النقاد الثقافيين العرب، يفتح أفق النقد الثقافي على صعيد المفهوم على (تعددية منهجية) لا يمكن أن تقتصر على رؤية محددة. إن هذا الأمر بلا شك يكشف عن طبيعة الرؤية المنهجية الخاصة التي يؤمن بها (المناصرة) ويشتغل عليها أساساً، فهو في ممارساته النقدية المتنوعة يتبنى على نحو ما هذا (الأنموذج النقدي (التعددي))، ويعتقد أنه الأصلح والأكثر استجابة لحقيقة النص الأدبي والثقافي بوصفه منتجاً لهذا النص أيضاً.

  1. المبحث الثالث: العلاقة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي

يعد النقد الأدبي برؤاه ومناهجه وآلياته المعروفة وتاريخية الوسيلة الأولى المهيمنة والأصيلة، التي استخدمها النقاد – على اختلاف رؤاهم ومناهجهم – لفحص النصوص والظواهر الأدبية، وعلى الرغم من قِدّم هذا النقد في ثقافات الأمم جميعاً فإن هذا الحقل ظلّ حقلاً إشكالياً قابلاً لمزيد من البحث والتقصّي والتطوير، إذ توجد دائماً داخل عمليات هذا النقد (إشكالية فعلية عندما نحاول رسم حدود حقل النقد الأدبي، وهي إشكالية منهجية لا تتعلق بإشكال بسيط، يمكن اتخاذ قرار بشأنه: فما هي حدود الانفتاح على العلوم الإنسانية؟؟ وما هي ملامح حدود النقد الأدبي؟؟ ما زالت العلاقة بين حقل النقد الأدبي وحقول العلوم الإنسانية ذرائعية نفعية). – (المناصرة: جمرة النص الشعري، 1995)

وقد ظلّ الناقد الأدبي على طول مسيرة هذا النقد يمتحن رؤيته ويختبر منهجه في سياق التعامل النقدي المباشر مع (الداخل النصي) أو (الخارج النصي) حيث تنفرز جملة مشتبكة من الأسئلة المنهجية المتعددة والمتنوعة، التي تسعى إلى مقاربة المفهوم على صعيد الاصطلاح النظري والإجراء التطبيقي معاً، على النحو الذي يُبقي السؤال المنهجي المركزي قائماً وفاعلاً وهو: (إلى أي مدى يحقّ للناقد الأدبي أن يخرج عن إطار النص؟؟ ولا سيما أنه يعرف أن (المعرفة النصية)، لها طبيعتها الخاصة، وهي تختلف عن (الإحالات إلى الخارج الإسقاطي). أما إذا نظرنا إلى أنصار (تحديد حدود) الحقل، بتسييجه بسياج مكين، فنحن أمام إشكالية من النوع نفسه، أي: إلى أي مدى يمكن لحقل النقد الأدبي أن يتشرنق على نفسه؟؟ وهل يمكن لحقل النقد الأدبي أن يكون حقلاً صافياً تماماً خالياًمن شوائب المعرفة غير النقدية؟؟). – (جمرة النص الشعري).

– لا شك في أن هذا الصفاء المحتمل غير وارد وغير ممكن وغير صحّي أيضاً، وذلك لأن النص الأدبي أصلاً هو ثمرة شبكة هائلة ومعقدة وغامضة وجدلية من العلاقات والأنساق والمكونات، بحيث يتعذّر على القراءة الأحادية مهما كانت جادّة وعميقة وذات منهجية عالية أن تجيب على أسئلة النص، لذا فإن (القراءة الصحيحة قد تتم من زوايا عديدة، فيحصل الناقد على نتائج أفضل من القراءة الأحادية) (جمرة النص الشعري)، وعلى وفق هذه الرؤية التي تنظر إلى النص بوصفه حصيلة تداخل عوامل كثيرة تكوّن تجربته، فإننا (لا نستطيع أن نقيم جداراً عالياً وحاداً بين مناهج العلوم الإنسانية، ومناهج قراءة النصوص الأدبية). – (جمرة النص الشعري).

على النحو الذي يتوجب فيه السعي للإفادة من كل مجالات العلوم الإنسانية المتاحة والشقيقة للعلوم الأدبية من أجل قراءة أكثر جدوى وفاعلية للنص، وربما كانت هذه الرؤية إحدى الممهدات لولادة نقد جديد يأخذ كل هذه المسائل والقضايا والأسس بنظر الاعتبار، إذ كانت الثقافة بمفهومها الواسع والشامل والحيوي هي حاضنته الأساس بحيث أطلق عليه (النقد الثقافي)، بموازاة للنقد الأدبي عند بعض النقاد أو بديل له عند نقاد آخرين، وهنا نشأت إشكالية أخرى في مقاربة هذا الموضوع المنهجي طوّرت كثيراً من حساسية الرؤية النقدية في العصر الراهن.

– تعود العلاقة الإشكالية بين النقد الأدبي والنقد الثقافي إلى بدايات التفكير المنهجي النقدي في الثقافة النقدية العالمية، إذ سعت المناهج السياقية في وقت مبكّر إلى منح هذه العلاقة صورة من صور التلاقي والتعاضد بين الأدبي والثقافي، لكن هذه المناهج كانت تنتصر للتاريخية والاجتماعية والنفسية ضمن حدودها المنهجية الضيّقة، على حساب الثقافي العام بنظرته النقدية الواسعة التي تقارب كل هذه العلامات التاريخية والاجتماعية والنفسية، داخل منظور ثقافي عام وشامل وحيوي وفعّال في القراءة النقدية.

لكن الانقلاب الكبير الذي حصل في الذهنية النقدية المنهجية منذ ظهور مناهج النقد الجديد في أوروبا ألغى تقريباً هذه العلاقة – على ضعفها – بين الرؤيتين الأدبية والنقدية، واجتهد في تقديم رؤية تنتمي إلى عقيدته النصية المغلقة على ذاتها، حين (طورت حركة النقد الجديد مفاهيم: الشكل، البنية،وجعلت الشكل سابقاً للمحتوى، وحاولت حل ثنائية الشكل – المضمون، وحققت فيه بعض التقدم، إلا أن هذا الحل ظلّ ناقصاً. واستفادت من العلوم الإنسانية في تحليل النصوص، لكنها أنكرت أن يكون علم السياسة له دور في النص، لهذا نادت بفصل السياسي عن الأدبي، ورغم أنها استعملت مناهج العلوم الإنسانية، إلا أنها فصلت الثقافي عن النص، ورأت أن النص مادة لغوية مستقلة عن وعي القارئ، فالنص موجود قبل استجابة القارئ). – (المناصرة: علم الشعريات: 421-422)

حيث مهّدت فيما بعد لفصل أكثر قسوة عند المناهج البنيوية المختلفة، على النحو الذي ولّد ردّة فعل في نقد ثقافي جديد يقول بموت النقد الأدبي وضرورة تحول المنهجية النقدية إلى منهجية نقدية ثقافية غير أدبية، تقارب الثقافي في النصوص والظواهر وليس الجمالي.

لعلّ العلاقة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي هي من أهم الإشكالات التي تواجه منهجية النقد الثقافي بهذا الخصوص، بعد أن قال عبدالله الغذامي أحد أبرز مروّجي هذا النقد في أطروحة مركزية له بأن النقد الثقافي هو بديل حاسم ونهائي للنقد الأدبي الذي بلغ مرحلة الموت تماماً، وكان لابدّ للمناصرة من أن يتصدّى لمقاربة هذه المقولة الغذامية ويحاورها ويساجلها ضمن رؤية منهجية ومفهومية نظرية وإجرائية.

– يعتقد (المناصرة) بحكم اشتغاله طويلاً على النقد الأدبي وتخصصه الأكاديمي في النقد المقارن أن النقد الثقافي لا يلغي النقد الأدبي، ومثلما توجد بعض الفروقات النظرية والإجرائية بين النقدين فإن تماثلات كثيرة يمكن أن تضعمها في سلة نقدية ومعرفية واحدة. ويقارب (المناصرة) هذه القضية المهمة كالآتي: (أعتقد أن أهم الأسئلة التي تواجه النقد العربي الحديث حول الفوارق والمشتركات بين النقد الأدبي، والنقد الثقافي، والنقد الثقافي المقارن، هي:

  1. هل ينغلق النقد الأدبي على ذاته حين يتوقف عند التحليل الجمالي الشكلي للنص، أم أنه يُفترض أن ينفتح على آفاق كبرى تتعلق بالسياق والبنيات والأنساق؟

  2. هل نكتفي باكتشاف وتحليل (الأنساق) ﻓﻲ النص الأدبي، عندئذ، يكتمل التحليل، أم أنَّ التحليل يبقى ناقصاً؟

  3. هل يمكن قراءة (النص الثقافي)، قراءة أدبية جمالية، أم أنَّ هذا التحليل الأدبي مرفوض، ولماذا؟

  4. هل تختلف آليات تحليل (النص الأدبي) عن آليات تحليل (النص الثقافي)، وما هي المشتركات بينهما؟

  5. هل نقوم بتحليل النص الأدبي، تحليلاً جمالياً، ﺛﻢَّ نكمل التحليل بالتحليل الثقافي. وهل نقوم بتحليل النص الثقافي تحليلاً جمالياً ﺛﻢّ تحليلاً ثقافياً… أم نفصل بين النص الثقافي والنص الأدبي فصلاً تاماً؟

  6. هل نميّز بين (النقد الثقافي) بحصره ﻓﻲ نقد النصّ الأدبي المشهور، وبين (نقد الثقافة)، أي باستبعاد التحليل الجمالي للنص الثقافي، أم نفتِّش عن آليات مشتركة للتحليل، تأخذ ﻓﻲ الحساب، مسألة الهويّة؟

– سأجيب بسرعة: إنَّ تعدديَّة الهُويّات والآليات لا تعني الفصل، لأنَّ النص عبارة عن حياة متحركة. ﻟﻬﺬﺍ أميل ﺇﻟﻰ البحث عن مفاهيم التكامل، لا التناقض، مع الأخذ بخصوصية الهُويّات. ويتم ذلك، عبر علمٍ بديل للأدب المقارن، يمكن تسميته: (علم التناصّ والتلاص، والتنالاص)). إذا هو يستقرئ هنا مجال عمل النقد الأدبي ومجال عمل النقد الثقافي من خلال طبيعة المفاهيم والمقومات والتشكلات والقيم والأفكار،ليصل إلى نتيجة تبدو منطقية عبر هذه المحاورة المقارنة مفادها أن (اشتغال النقدين بطريق التفاهم والمشاركة أفضل للنقد والأدب والثقافة من القطيعة)، لأن القطيعة التي ينادي بها منظرو النقد الثقافي بأنموذجه المستقل وعلى رأسهم الغذامي، يمكن أن تضرّ بهما معاً وتنعكس انعكاساً سلبياً على طبيعتها النظرية والإجرائية، فضلاً على الثقافية والفلسفية، وما يتمخض عنه ذلك من تأثير في مسيرة المعرفة الحديثة في جانبها النقدي وهو يعدّ من أبرز انشطة المعرفة في العصور كلها.

– وفي هذه المناسبة بالذات ينفتح (المناصرة) من جهة أخرى على مناقشة المغالاة في فهم الانغلاق اللغوي النصوصي عند غلاة البنيوية، ليفتح مجالاً منطقياً لضرورة حضور النقد الثقافي بجانب النقد البنيوي، إذ يقول (المناصرة) في هذا السياق: (مهما قيل عن )النصّ المكتفي بذاته – ريفاتير)، أو (النص، ولا شيء خارج النص– دريدا)، فإن أيّ مبدع شعر أو سرد أو باحث أو ناقد يرغب بالتأكيد ﻓﻲ الوصول ﺇﻟﻰ القارئ، لكنَّ بعض النقاد العرب فهموا مقولتي ريفاتير وديريدا خطأً بأنهما تعنيان الانغلاق التام، أي عدم مناقشة إديولوجيات النص والمعرفة الكامنة فيه. فالمسألة تعني بالنسبة ﻟﻲ ضرورة نفي الإسقاطات الخارجية الاجتماعية والسياسية والنفسية… الخ. وهذا صحيح ﺇﻟﻰ حدّ كبير، ولكن لابدّ من (قراءة التلقي) في النصّ، وخارج النص). فقضية الإيصال والتوصيل والعلاقة مع القارئ هي قضية النص الأولى، لأنه من دون وجود قارئ للنص، فإنه لا قيمة له على الإطلاق، وربما يعمل انغلاق النص بالطريقة البنيوية المنصرفة إلى بنية النص على نحو مطلق، على إحداث صعوبة تلقٍ من طرف المتلقي، وهي مسألة يراها (المناصرة) جوهرية وليست خارجية تدعو إلى فتح النص على الخارج مطلقاً، بل فهم حركة النص داخل مجتمع التلقي وتقويمها، (وقد تبدو هذه المسألة مسألةً خارجية كما هو الحال ﻓﻲ الفهم التقليدي، لكنَّ قراءة النص قد توصلنا ﺇﻟﻰ قضية تبدو ظاهرياً بسيطة، مع هذا فهي أيضاً مسألة معقدة – أعني أن شاعراً كتب نصّاً ونشره، لكنه قوبل من قبل القراء بعدم الاكتراث، أو قوبل بشهرة واسعة. فما الذي حدث، ومن هي القوى المركزية الثقافية التي تحكمت ﻓﻲ (عدم الاكتراث أو الشهرة)).

بمعنى أن (ثمة عوامل وأسباباً غير نصية) هي التي تسهم في رواج النص في منطقة التلقي، وهو أمر ينبغي التنبّه إليه ومقاربته نقدياً عند التعامل مع النصوص الأدبية والثقافية معاً، على النحو الذي يقود هذه المقاربة على نتائج أقرب على الموضوعية والعلمية والدقة.ويستغرب (المناصرة): كيف يتجاهل النقاد (قراءة أسباب الشُهرة).

– من هنا يتوجب على الناقد النظر فيما حول النص من عوامل خارجية لها صلة وثيقة ببناء النص وخطابه وتكوينه، من أجل الوصول إلى أفضل قراءة ممكنة يكون بوسعها اكتشاف عالم النص وفهم مقولته، (هنا لابُدّ أن نقرأ النص وظروف إنتاجه، كما يفترض أن نقرأ (الإيصال) الذي ينتجه النص نفسه. وهنا يُفترض أن نتذكر الزمان والمكان، ويفترض أيضاً أن نتذكر مؤسسة السلطة السياسية والاجتماعية: (معارضة، موالاة، وما بينهما)، والسلطة الدينية، وسلطة رأس المال المالي، وسلطة العائلة والقبيلة، وسلطة المناطقية الجغرافية، وسلطة الأفكار الوطنية والقومية ودكتاتورية الأقلياتيّة، والليبرالية بفرعيها: الوطني القومي، والتابع البرتقالي، والعالمية والعولمة).

وبهذا نتمكن القراءة من إدراك القيمة الأساسية في النص بوصفه خطاباً يتوجّه إلى متلقٍ مخصوص، ينطوي على هدف جمالي وثقافي وحضاري راقٍ، لا يمكن مقاربة البنية اللغوية للنص وحدها أن تجيب عن أسئلته في هذا المضمار، بل ومن أجل الكشف عن عمق وجوهرية هذه الأسئلة النصية يجب على القراءة أن تتوخى معرفة أوسع للنص عبر العوامل الخارجية الداخلة في نسيجه، على النحو الذي يجمع بين قراءة النقد الأدبي النصية عموماً، وقراءة النقد الثقافي التي تدهب إلى ما يحيط بالنص من ممكنات وحدود وفعاليات أسهمت في تأليف عالم النص وخطابه الموجّه إلى مجتمع التلقي.

– على الصعيد النظري فقد تنبّه عزالدين المناصرة مبكراً إلى قضية التداخل بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، وكشفت منهجيته في التعامل مع القضايا المنهجية والنصوص الأدبية والثقافية عن رؤية موضوعية أكاديمية في فهم هذه العلاقة وإدراك قيمتها وضرورتها بالنسبة إلى نظرية النقد، فهو يقول عن بدايات تشكل هذه الرؤية (سبق أن صدر ﻟﻲ كتابٌ عام 1988، قمت بتطويره لاحقاً، وكان بعنوان (المثاقفة والنقد المقارن)، ﺛﻢ صدر ﻓﻲ طبعته الثالثة عام 2005 بعنوان (النقد الثقافي المقارن)، أي أنني استخدمت سابقاً ﻓﻲ العنوان القديم: الثقافة، النقد، المقارنة، وهي نفس العناصر التي تشكل عنوان الكتاب ﻓﻲ طبعته الجديدة. آنذاك استخدمتُ النقد الثقافي بمفهومين: نقد النص الثقافي بتمييزه من النقد الأدبي، ونقد النص الأدبي بأساليب أدبية وثقافية). إذ واجه مجموعة من النصوص النقدية في الثقافتين الغربية والعربية تحيل على إشكالية في التصنيف والتحديد والمنهجة، وذلك لانطوائها على بعدين متداخلين هما البعد الثقافي والبعد الأدبي، بقوله: (فقد واجهتني مشكلة تصنيف كتابات فرانز فانون، وﻟﻢ يكن إدوارد سعيد قد كتب آنذاك عن فانون. كذلك كتابات غرامشي، وطه حسين، ومالك بن نبي، ومحمود أمين العالم، وعبدالعظيم أنيس. آنذاك كنت أسميه نقداً ثقافياً).

وهو ما خلق لديه القناعة الأكيدة بوجود نمطين في فضاء الممارسة النقدية المنهجية هنا، نمط يتجه إلى عالم النقد الأدبي بآلياته المعروفة، ونمط آخر يتجه إلى عالم النقد الثقافي (أي أنني كنتُ أميّز بشكل واضح بين النقد الثقافي (المثاقفة) وبين النقد الأدبي، مع تخطّي مفهوم المثاقفة الانثربولوجي ﺇﻟﻰ مفهوم التفاعل الثقافي، حيث كنت أشتغل تحت مُسمّى (الأدب المقارن)).

– إذ كانت رؤيته المنهجية على هذا الأساس قادمة من حساسية الممارسة النقدية من جهة، والتخصص العلمي الأكاديمي من جهة أخرى، حتّم عليه إدراك قيمة توسيع المفهوم النقدي خارج نطاق المعرفة الجمالية المنطلقة من الفضاء الضيّق للحدود النصية المغلقة على ذاتها، والفهم الشكلي لجمالية التعبير الأدبي في النص: (وبطبيعة الحال كنتُ قلقاً باستمرار من هيمنة تيار – المعرفة الجمالية الشكلية ﻓﻲ النصوص، ﻟﻬﺬﺍ كنت أتجاوز هذه المنطقة نحو (المسكوت عنه ﻓﻲ النص)، وقد استخدمتُ هذا المصطلح انطلاقاً من إحساس حادّ بضرورة مواجهة القمع والاضطهاد واللامساواة، وضرورة كشف الأنساق ﻓﻲ النصين الثقافي والأدبي، وتعريتهما لكي تتضح حقيقة النصوص النسبية). – (المناصرة: النقد الثقافي المقارن).

– يصل (المناصرة) في مقاربته المنهجية البالغة الأهمية لرصد حساسية التقارب بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، إلى واقع منهجي يتحسس العلاقة بين النقدين على أنها علاقة تقارب وتداخل ومساندة، أكثر منها علاقة اختلاف وتباين وتعارض، وهو يُظهر بذلك رؤيته النقدية التي يشتغل عليها أساساً في (مشروعه النقدي) الذي يستجيب ضمناً لهذه الحقيقة المنهجية: (نحن أمام نصوص ثقافية، ونصوص أدبية، ويفترض التمييز (غير الحاد) بينهما. فالمشترك بينهما كثير، والمختلف كثير. وبالتالي: نميّز بين النقد الثقافي وبين النقد الأدبي، لكننا نجمع بينهما ﻓﻲ هيئة تكاملية، ولكن لا يمكن أن نفصل فصلاً تاماً بين (نقد الثقافة والنقد الثقافي)، لأن الثقافة نصوص، والأدب نصوص. الفارق هو ﻓﻲ آليات وجماليات معاجم التشكيل التي تميز النصّ الأدبي عن النص الثقافي)، بمعنى أن الفوارق التي قد تبدو بين النقد الأدبي والنقد الثقافي هي فوارق في الآليات وتحديد المفاهيم والمصطلحات، وليس في الجوهر المنهجي لكلّ منهما إذ أن أي تحليل للفعل النقدي فيهما يكشف عن روح تكاملية لا غنى عنها في متن كل فضاء منهما.

– من هذا المنطلق يجد (المناصرة) أن التداخل بين النقد الأدبي والنقد الثقافي يحصل ابتداءً عبر ممارسة نقد الثقافة، التي توجد نوعاً من التكامل المتهجي باتجاه الوصول إلى النقد الثقافي، (النقد الأدبي ونقد الثقافة يتكاملان ليشكلا النقد الثقافي. وبما أنَّ السرد والشعر مثلاً عالميان من حيث الهويّات، فإنّه يمكن تحليلهما من زاوية جمالية وثقافية. ولا نستطيع أن نمحو إحداهما. كذلك فإنّ (مبدأ الاختلاط والتهجين) هو مبدأ عالمي).

– واستناداً إلى ثقافة التهجين والاختلاط الأجناسي والمنهجي والرؤيوي والمعرفي بين الثقافات، أصبح من الصعب الفصل القاسي بين المناهج والأجناس والأنواع الأدبية والثقافية، على النحو الذي بدأت تخضع فيه كل هذه المناهج والظواهر الثقافية والنصوص الأدبية على اختلاف مرجعياتها وقوانينها وأديولوجياتها، إلى نوع من التعايش والتفاهم والتناص والتعالق نحو الوصول إلى عالمية المعرفة الثقافية والأدبية.

– ينفي (المناصرة) في سياق تحديد الرؤية المنهجية لكل نوع من النقد إمكانية النقاء الاشتغالي في التنظير والممارسة النقدية، ذلك أن قياس كمية (الجمالي) أو (الثقافي) في النقدي أمر ينطوي على افتعال صعوبة كبيرة، لفرط التداخل بينهما في المنظور النصّي، (النقد سواءٌ أكان ثقافياً أم أدبياً، أم: أدبياً ثقافياً، فهو يعتمد مبدأ التوازي بغض النظر عن كمية الجمالي أو الثقافي فيه. وهكذا نصل ﺇﻟﻰ نتيجة هي: أن النقد الثقافي هو مزيج من الجمالي والنَسَقي والسياقي، وهو يتناول: النص الإبداعي، والنص الثقافي معاً).

بحيث أن (التداخل) بين تمثّل الجمالي في الثقافي، وتمثّل الثقافي في الجمالي، داخل النص الإبداعي والنص الثقافي، من المسلّمات التي لا يمكن التغاضي عنها مهما بدت المنهجية قاسية في الفصل بينهما: (فنحن حين نُحلّل النص الأدبي، نُحلّل الجمالي فيه في المستويات: اللسانية والبلاغية والإيقاعية والسيميائية وغيرها. كما نُحلل الأنساق المعلنة والمكبوتة، ونقرأ الشفرات والمرجعية والسياق. وهكذا يتكامل النقد الأدبي مع آليات النقد الثقافي. ونحن نستطيع أيضاً تحديد جماليات النص الثقافي مع قراءة أنساقه، مثلاً: عندما نقرأ كتاب (الإمبريالية والثقافة) لإدوارد سعيد، نستطيع اكتشاف الأنساق الجمالية فيه مثل: النسق التقني الذي يتمركز ﻓﻲ كل كتاباته، أعني (النسق الطباقي الثنائي)، أو (نسق التوازي) بين التحليل النقدي والتحليل الثقافي).

بهذا المعنى المنهجي الذي يسعى (المناصرة) إلى تكريسه هنا فإن الأنساق الجمالية والأنساق الثقافية تتداخل في النصوص الأدبية والنصوص الثقافية على حدّ سواء، وأن أي فصل قسري ينهما لا يمكن أن يصل إلى نتائج منهجية ورؤيوية عالية الدقة والعلمية. وهنا يقدم (المناصرة) أنموذجاً من مشروعه النقدي كمثال لتحقق الجمالي في الثقافي والثقافي في الجمالي عبر شبكة الأنساق التي يشتغل عليها، (ويمكن أن أقول: إن كتابي (الهُويّات… والتعددية اللغوية) يحكمه (النسق التعددي)، وهو نسق جمالي وفكري معاً، ولا يمكن القول إنّ النسق التعددي، نسق فكري فقط. أمّا مسألة اكتشاف (النسق المقموع)، أو (المسكوت عنه) ﻓﻲ النص، فهي إحدى جزئيات التحليل الأدبي والثقافي، وقد أشار ﻟﻬﺎ محمد عابد الجابري ﻓﻲ أحد كتبه حين تحدث عن (عودة المكبوت)، وهي تتعلق بمفهوم الاختلاف الذي صاغه جاك ديريدا، وميشيل فوكو).

– كما أن ((النقد المقارن) – يقول (المناصرة)، أوسع من أي فرع في النقد الأدبي، والنقد الثقافي – لأن منهجية المقارنة، عالمية تشمل كل أنواع النقد).

وفي (خلاصة أولى) عبر هذه المحاورة الفكرية النظرية والتطبيقية للمفهوم والمصطلح والنظرية، فيما يتعلق بالعلاقة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي يقول (المناصرة) إنه (لا يمكن أن نقصر التحليل الثقافي على جزئية اكتشاف (النسق المكبوت) ﻓﻲ النص الشعري والسردي فقط. ولا يمكن أن نقصر التحليل الثقافي على النصوص المشهورة فقط. فالنصّ المهمّش (ولا أقول الهامشي، لأنّ هناك فرقاً بينهما) له أنساقه المكبوتة والمعلنة أيضاً).

إذ المسألة تتوقف في رأيه على فضاء الممارسة النقدية (الأدبية) أو (الثقافية) بالدرجة الأولى، فكلما حصرت نفسها في إطار جزئي من التناول والتحليل والنقد، فإن ذلك يجعلها قاصرة وخاضعة لسلطة المنهج، ويظهر خلاف من ذلك كلما انفتحت على أقصى طاقاتها وحدودها وإمكاناتها، من دون وضع مصدّات منهجية تحيل العمل على التجزيئية، فإن ذلك يجعل الرؤية المنهجية أكثر رحابة وتفتحاً وقدرة على مقاربة أسئلة النص والتوصّل إلى جوهر مقولته.

– وعلى وفق هذه الرؤية المنهجية الشاملة والمتكاملة يذهب (المناصرة) إلى القول: (ﻟﻬﺬﺍ كله فإن القول بنقد ثقافي معزول عن النقد الأدبي، لا يوصلنا ﺇﻟﻰ حقيقة النص النسبية. كما أن القول بأن النقد الأدبي يجدّد نفسه بالانغلاق على نفسه، أمر غير مقبول).

وهنا يتوجب في رأيه نوع من (التصاهر والتضافر والتفاعل والتداخل والتساند بين النقد الأدبي والنقد الثقافي)، من أجل التوصل إلى فعالية الكشف الجمالي والثقافي عن حقيقة النص النسبية التي هي هدف مركزي من أهداف المناهج النقدية جميعاً. وفي السبيل إلى اقتراح آلية عمل لقراءة صحيحة للنقد الأدبي والنقد الثقافي معاً، يقدّم (المناصرة) خطة عمل تنهض على خمس فعاليات يجب على القراءة الصحيحة نسبياً أن تتحرّاها من أجل الوصول إلى هذه النتيجة، وهنا يحدد (المناصرة): (ويبقى أن نشير ﺇﻟﻰ أن القراءة الصحيحة النسبية ربّما تشمل الفضاء التالي:

  1. دائرة النص.

2.نويات النص.

  1. محيط النص.

  2. شبكة العلاقات ﻓﻲ النص.

5.آليات إنتاج النص.

ويتمّ ذلك ضمن آليات أصبحت معروفة للتحليل. والنقطة الخامسة وحدها هي التي تقع خارج النص وداخله معاً، لكن قراءتها ضرورية بسبب تأثيرها على مصاير النص وتقويمه (الزمان، المكان، الشهرة، القمع، آليات السوق).

يقود هذا (المقترح المنهجي) للقراءة ضمناً إلى استشراف ملامح (النقد الثقافي المقارن) الذي يجد فيه (المناصرة) أحد الحلول المهمة لتلافي مثل هذا الخلاف، والتوصل إلى منهجية نقدية تنطوي على قدر كبير من الشمول والسعة والرحابة والتمثّل والصيرورة، إذ يقول:

– (وبهذا يمكن أن يشمل النقد الثقافي المقارن:

أولاً: نقد النص الأدبي – جمالياً وثقافياً.

ثانياً: نقد النص الثقافي – جمالياً وثقافيا – (نقد الثقافة).

ثالثاً: نقد فكرة المقارنة – جمالياً وثقافياً – (تناقضات العالمية والعولمة).

رابعاً: نقد فكرة الموازنة ﻓﻲ الأدب القومي الواحد – جمالياً وثقافياً). – (علم التناص والتلاص..).

– على النحو الذي يبدو فيه منهج النقد الثقافي المقارن حاوياً ومستوعباً ومستجيباً لحركة الممارسة النقدية المثلى على أكمل وجه، حسب (المناصرة)، وهو يسوغ ذلك بقوله (والسبب بسيط: لا يمكن أن نقرأ النص الأدبي جمالياً فقط، بل يُفترض أن تتبعه قراءة ثقافية غير جزئية. ولا يمكن أن نقرأ النص الثقافي، ثقافياً فقط، بل يُفترض أن نكمل القراءة بقراءته جمالياً. وهناك طريقة أخرى معكوسة، وهي: قراءة النصّ الأدبي والثقافي لسانياً وأسلوبياً، ثمّ سيميائياً باكتشاف العلامات ودلالاتها. وهنا يمكن من خلال القراءة السيمائية، قراءة آليات التناصّ والتلاصّ في النص في بعديها: الوطني والعالمي. وهكذا تساهم السيميائية في كشف الأنساق الثقافية والجمالية في النص الأدبي، وكشف الأنساق الجمالية والثقافية في النص الثقافي).

– عبر سلسلة من آليات التفاعل والتداخل والتضافر المنهجي بين المناهج النقدية (الأدبية والثقافية)، نحو إنتاجية نقدية لا تفرّق بين الجمالي والثقافي. وبهذه النتيجة المنهجية المثالية يحصل قدر عالٍ من التكامل والتماسك المنهجي بين المناهج لتحقيق أفضل أداء نقدي ممكن، (عندئذ تتكامل الحقول النقدية الأربعة، بدلاً من التفكير الأحادي، أي: (إمّا … وإمّا). (ومع وضدّ)، لأنّ الحقائق الأدبية والثقافية غالباً ما تكون نسبية، تحتمل التعددية، وهي أيضاً ليست أحادية في واقع النص، لذا يُفترض أن تُقرأ، حسب (المناصرة) – (قراءة تعددية عنكبوتية).

ويحيل (المناصرة) بطبيعة الحال في هذا الصدد على الرؤية المنهجية التي ما انفك يلحّ عليها (القراءة التعددية العنكبوتية)، التي تستعين بكل ما هو ممكن ومتاح وضروري من آليات المناهج الكبرى، لحشد قوّة منهجية كبرى وضاربة يكون بوسعها اختراق النصوص والكشف عن طبقاتها وكنوزها وخزينها الجمالي والثقافي والمعرفي الكامن بها.

وقد شهد النقد العربي بمختلف مراحله ضروباً من هذا النقد، لكنه ليس بالمنهجية التي هو عليها الآن.

  1. المبحث الرابع: النقد الثقافي المقارن

يبدو على وفق هذا المنظور الذي اشتغل عليه المناصرة أن تحليل العلاقة بين طبيعة النقد الأدبي وطبيعة النقد الثقافي – مفهوماً ونظريةً وإجراءً – لا يوصل إلى حل مقنع وضروري ومتوازن لهذه الإشكالية، إذ يظل الغموض والتداخل والسجال قائماً على أكثر من مستوى، لذا ارتأى (المناصرة) أن يذهب إلى حل آخر في العمل على النقد الثقافي المقارن، الذي لا ينظر إلى النقد الأدبي ولا إلى النقد الثقافي بوصفهما نقدين منفصلين، بل يعمل على الجانب التضامني المشترك بينهما في إطار خارج قومي. فهو يناقش صورة الإشكالية في تنظيم العلاقة بين الداخل النصي والخارج النصي أولاً، وصولاً إلى تبدي الإشكالية على نحو يحتاج فيه الأمر إلى البحث عن حلول بقوله: (يبدو أن (النقد الثقافي) الذي بدأ منذ منتصف الستينات، يسير باتجاه رسم ملامح مستقلة لنفسه، بعد أن كان يقع ﻓﻲ دائرة الأبحاث الفكرية، ﻓﻲ مقابل (النقد الأدبي) الذي حصر اهتمامه بدائرة النص الأدبي، حيث يتّجه النقد الأدبي – كما يُفترض – ﺇﻟﻰ مُساءلة النص بعيداً عن الخارج. وهكذا يسير النقد الثقافي باتجاه الخارج، مُستفيداً من العلوم الإنسانية، مع تأكيده المُعلن على أنه يقرأ النص من الداخل كخطوة أولى، لكن لا بُدّ من توظيف الخارج لتنوير النص. وهنا تقع الإشكالية، أي ﺇﻟﻰ أيّ حدّ يمكن للناقد أن يتوسع نحو الخارج). وعلى الرغم من أن النقد الثقافي المقارن بآلياته التقليدية وأنماطه المعروفة يعاني اليوم من مشكلات منهجية حقيقية، إلا أن اعتماده حلاً منهجياً عند (المناصرة) يأتي من خلال البحث عن رؤية جديدة في التعامل مع الأدب المقارن، تمثلت لديه في ما أسماه هو بنفسه، بـ(النقد الثقافي المقارن) الذي يسعى إلى التخلص مما تعرض له الأدب المقارن من نمطية وتاريخية، والإفادة من معطيات النقد الثقافي في تجديد روح الأدب المقارن. أو استبدال (الأدب المقارن) بـ(علم التناص والتلاص والتنالاص).

إذ أن الإشكالية المركزية التي مرّت بها منهجية النقد المقارن بعد تجربته الطويلة في الدرس الإكاديمي خاصة، هي: (أنَّ النقد المقارن، تخلّى تقريباً عن المنهج التاريخي الفرنسي التقليدي، باتجاه – (التناصّ والتلاصّ)، على اعتبار أنَّ النصّ، يتكون من طبقات أسلوبية لنصوص سابقة. أمَّا النقد الثقافي المقارن – عند إدوارد سعيد – فهو يسير نحو الرجوع ﺇﻟﻰ الوراء، أي العودة ﺇﻟﻰ المنهج التاريخي، هروباً من مقولات مثل: (لا شيء خارج النص) أو: (النصّ المكتفي بذاته)، هذه المقولات التي يصفها بالشكلانية ﻓﻲ ظل صعود الدراسات: اللسانية والسيميائية والتفكيكية وغيرها. وهكذا يظل السؤال: ﺇﻟﻰ أي مدى يمكن للناقد أن يبقى داخل النص، ﻭﺇﻟﻰ أي مدى يمكن للناقد أن يخرج بعيداً عن النص. وما قياس هذا المدى، وهل يمكن قياسه).

– وبهذا تكون إشكالية الداخل والخارج النصي هي أبرز إشكالية تعاني منها المناهج السياقية والمناهج البنيوية معاً، وتبقى الأسئلة الموجهة إليها أسئلة شائكة ومعقدة، ولا يمكن التوصل إلى حلول موضوعية وعلمية بشأنها إلا باقتراح منهجية جامعة يكون بوسعها تمثّل هذه الأسئلة، والسعي المجتهد إلى إيجاد آليات تتخلى من جهة عن حدة الانتماء وتعصبه إلى الخارج النصي من جهة، كما تتخلى عن حدة الانتماء والتعصب إلى الداخل النصي من جهة أخرى، والعمل المنهجي والرؤيوي على توفير بدائل ناجعة نحو قراءة أمثل للنص الأدبي والظاهرة الأدبية وللنص الثقافي والظاهرة الثقافية.

وإذا كان منهج (إدوارد سعيد) هو الأقرب إلى مباشرة النص الأدبي والثقافي عبر الخارج المتعالق مع نصوص أخرى في ضوء منهجية مقارنة، فإن (المناصرة) يرى أن سعيد بالرغم من ذلك يصطدم بمشكلة الفوارق المعروفة بين طبيعة الواقعة الثقافية وطبيعة الواقعة الأدبية، من حيث التصدي النقدي لها بآلية واحدة قد لا تفرق بينهما، فهو يطرح رؤية سعيد بقوله: (يرى إدوارد سعيد، الفلسطيني الأمريكي أنَّ النص يتكون من (بنية وحدث) أو بنيات وأحداث، ومن الواضح أنه لا خلاف حول وجود (الحدث) النصّي، لكن إدوارد سعيد يتوسع باتجاه، امتدادات الحدث النصّي نحو الخارج، بتعالقه مع نصوص أخرى خارجية. ﺛﻢَّ تولد مشكلة الفوارق بين معالجة (استشهاد ثقافي) و(استشهاد أدبي)). إن مشكلة الفوارق بين (استشهاد أدبي) و(استشهاد ثقافي) على صعيد المعالجة النقدية هو ما يجعل الآليات المنهجية قاصرة بعض الشيء، أو على الأقل هي تتجاوز إلى استشهاد معين من الاستشهادين على حساب الآخر، مما يتعين النظر إلى الطبيعة المنهجية نظرة أعمق في نظر (المناصرة)، أتاحت له إمكانية التطلّع إلى سعة مدى النص الثقافي وانفتاحه من دون النص الأدبي. إذ يقول (المناصرة) في هذا الصدد: (هنا يمكن أن نتوسّع ونجد المدى مفتوحاً بين النص الثقافي، والنصوص الثقافية الأخرى، بلا حدود تقريباً، لكن مشكلة النص الأدبي تبقى قائمة، فهو يمتلك خصوصية مختلفة عن النص الثقافي، مع الإقرار بالمشتركات. أعتقد – ﻟﻬﺬﺍ كله– أنَّ النقد الثقافي سوف يستقل تماماً، لأن استعمالاته للنص الأدبي، هي استعمالات ذرائعية، أي أن الهدف، ليس التحليل الأدبي، وإنّما توظيف التحليل الأدبي لأهداف ثقافية عامة. ومن جهةٍ أخرى، استعمل النقد الثقافي، طرائق الربط التقليدي بمناهج العلوم الإنسانية، كالتاريخ والتحليل النفسي وعلم الاجتماع وغيرها). لكن المناصرة يجد في منهجية سعيد جزءاً من الحل حين تنبه في دراساته الثقافية إلى عجز المنهج البنيوي عن الإيفاء بالمتطلبات الشاملة لفضاء النص وتشكيله وطبقاته، والاكتفاء بالمظهرية الشكلية التي تشتغل على البنية اللغوية له، مما يجعله يتخلى عن فحص ما ينطوي عليه النص من تمظهرات أخرى لا شكلية تتلبّث في منطقة المسكوت عنه، ولا سبيل إلى إدراك قيمة النص والتعرف على مقولته الجوهرية من دون ولوجها وتحليل محتوياتها والتعرف إلى علاماتها ورموزها وسياستها.

– لذا نجد (المناصرة) على هذا الصعيد يعالج منهجية إدوارد سعيد من خلال معاينة آلياته الكاشفة والمعبرة عن عدم براءة النص في إخفاء إديولوجيات لا سبيل إلى إدراك مقولة النص من دون كشفها، إذا ( عندما رأى إدوارد سعيد، أنَّ طرائق التحليل البنيوي وما بعد البنيوي، توغل ﻓﻲ الشكلانية، وتخفي (الحدث) عن القارئ، لأنَّ الحدث، يتضمّن إديولوجيات، انتبهَ ﺇﻟﻰ أنَّ النص ليس بريئاً، وأنه يخفي إديولوجيات مناقضة لظواهرية النص البلاغية. وهنا ركَّزَ جُلَّ اهتمامه على كشف هذا التضاد، عبر (قراءته الطباقية) للنصوص الثقافية والأدبية. حتى أنَّ (سعيد) كتب سيرته الذاتية (خارج المكان) بنفس القراءة الطباقية، فهو يسرد تفاصيل المرحلة الكولونيالية التي عاشها ﻓﻲ فلسطين ومصر، بطريقة طباقية: (طمأنينة البنية المسيطرة) و(صمت البنية المسيطر عليها)، ﻓﻲ مقابل سرده للمرحلة التالية من سيرته الذاتية: (بنية الاندماج ﻓﻲ المجتمع الأمريكي) و(اكتشاف الفلسطيني المتمرد)).

وهنا تبرز شبكة جديدة من الأسئلة المنهجية التي تتوجه إلى مفهوم النقد الثقافي المقارن، والنقد الثقافي، والنقد الأدبي، يسعى (المناصرة) إلى مواجهتها عبرمجموعة من الملاحظات والمقارنات يجملها فيما يأتي:

– (وقد يقال: إن النقد الثقافي المقارن، مهمته كشف الأنساق في النصّ الثقافي،كما أن مهمة النقد الأدبي، هي كشف الأنساق في النص الأدبي،من خلال إظهار التعارض الثنائي. وهنا تبرز عدة ملاحظات:

أولاً: هل يكتفي النقد الثقافي، بقراءة ثنائية (الصريح – المخفي)، فقط، أم أنه يقرأ أنساقاً أخرى. بمعنى آخر: هل النصّ، مجرد ثنائية في طبيعته المنجزة، أم يتشكل من تعارضات متعددة.

ثانياً: هل يكتفي النقد الأدبي، بوظيفة محدودة، وهي قراءة الجماليات الشكلية، بتفكيكها، ثم إعادة تجميعها، ثمَّ الحكم عليها.

ثالثاً: هل ينحصر (النقد الثقافي المقارن)، بوظيفة، خارج النص القومي، بمعنى الاكتفاء بوظيفة المقارنة المجردة. وماذا إذا كان النص القومي نفسه – وعادة ما يفعل – ينطلق نحو الخارج. وما هي حدود الخارج. لنفترض أن هناك خارجين:

  1. خارج القومي في النص نفسه.

  2. خارج محيط النص نفسه.

– فما علاقة هذين الخارجين بالتحليل، إنْ كنا نسميه: نقداً أدبياً، أم نقداً معرفياً ثقافياً. وهنا يجب أن نميّز بين (النقد الثقافي) في إطار الأدب القومي المغلق، وبين (النقد الثقافي المقارن) الذي ينطلق من القومي إلى الخارج).

إن شبكة الأسئلة المنهجية الضرورية التي يطرحها (المناصرة) هنا تعيد أولاً إنتاج الأسئلة المركزية الأساسية بشأن الأشكال النقدية الثلاثة الكبرى، (النقد الأدبي)، (النقد الثقافي)، (النقد الثقافي المقارن)، وتعالج كل شكل من هذه الأشكال من خلال الطبيعة المعرفية والمنهجية والإجرائية لكل منها، في سبيل الوصول إلى مناخ منهجي شامل يتيح للناقد فرصة تمثّل جديدة للرؤية النقدية والمنهج النقدي.

وأهمية (مشروع المناصرة) في مجال الأدب المقارن، أنه تجاوز بالفعل أستاذه في جامعة القاهرة (محمد غنيمي) هلال: الأدب المقارن، 1953) – عبر طرحه للأسئلة المهمة.

– يظل (المناصرة) في كل سجاله هذا متلبثاً في (دائرة الأسئلة) بوصفها الوسيلة الأمثل لاستيلاد حلول ممكنة، لكنه يميل إلى اعتبار النقد الثقافي المقارن أحد الحلول المنهجية الشاملة التي يمكن أن تحقق الوفاء الأكبر لمتطلبات النص المقروء نقدياً، لكنه مع ذلك لا يكفّ عن الاستمرار في طرح الأسئلة المنهجية حتى مع وضوح ميله هذا نحو النقد الثقافي المقارن، إذ يقول: (قد نعد أيضاً (النقد الثقافي)، خطوة ثانية بعد النقد الأدبي، لكي نصل إلى النقد الثقافي المقارن الأشمل، وقد نعتبر ما نسمّيه: (النقد المتشعب) الإلكتروني، هو نهاية المطاف، ولكن (نسق التداخل والخلط)، سوف يبقى قائماً. وقد نلجأ إلى طريقة مختلفة، وهي تحليل النص سواءٌ أكان: أدبياً أم ثقافياً (وهما مختلطان أصلاً)، إلى التحليل المتزامن: أي قراءة النص: لغوياً وسيميائياً ونفسياً وجمالياً وبلاغياً واجتماعياً وسياسياً ورموزياً وتفكيكياً… الخ).

ولعل هذا التحليل المتزامن الشامل والكلّي يذهب إلى أكثر الحلقات حضوراً في فضاء النص وعالمه وحيثياته ومفاصله المركزية، على النحو الذي يمكن بوساطته التوصل إلى قراءة نقدية مستفيضة تجيب عن أسئلته المتشعبة التي لا يمكن احتواؤها على نحو كامل ونهائي.

وهنا يتوقف (المناصرة) عند منطق التحليل النقدي وفلسفته ورؤيته، ليطرح سؤال الدلالات الحقيقية للنص، ومدى حقيقتها، مستعرضاً كل المناهج النقدية المعروفة والمتداولة، ناقداً إياها حين تُخلص لحقائق المنهج أكثر من إخلاصها لحقائق النص، وهو ما يجعل من البحث عن نقد متشعب شامل وكلي ضرورة لا بدّ منها بحسب الرؤية التي يجتهد (المناصرة) في تكريسها هنا، فهو يقول: (ولكن إلى أي مدى، يمكن أن نحمّل النص دلالاته الحقيقية. وهل هي دلالات حقيقية، حتى إذا استخدمنا كل أدوات التحليل، من النص المغلق حتى قراءة القارئ. صحيح أن التحليلات الجزئية، تفيد في معرفة النص، لكنها تمزقه إلى شظايا، يصعب تجميعها. فالإشكالية كانت دائماً في قراءة (العلاقات)، واكتشاف (دم النص)، وليس في معرفة تفاصيل الأعضاء). فالنص لديه كائن حي ودائم الحراك والصيرورة لا يُفهم إلا من خلال وجوده الحي المتحرك الذي يكوّنه في الزمان والمكان، وليس عبر تقطيعه ومعرفة تفاصيل أعضائه، بمعنى أن النص بوصفه كائناً حياً لا يمكن التعامل معه على أنه مجموع أعضائه، فثمة تشعّب عميق وغير مدرك هو الذي يوحّد بين أعضائه ويكشف عن معنى لها من خلال علاقاتها فيما بينها، وليس من خلال وجودها المستقل عن بقية الأجزاء.

– إن النقد الثقافي المقارن على وفق هذا التوصيف هو نقد رحب ومفتوح خارج القياسات الضاغطة باتجاه التضييق والغلق، وهو ينظر من الناحية النظرية إلى حركة النصوص كونها حركة في الحياة ومنها وإليها، وهي تمثيل لجوهر الإنسان الفاعل فيها، لذا فإن المناصرة يرى في هذا السياق أنّ (الأدب والنقد معاً يتحركان باتجاه الحياة، أي باتجاه عدم وضع الأدب في إطار النقد المغلق. هنا ربّما تتشكل اتجاهات في النقد:

  1. نقد أدبي خالص مغلق، يدّعي أن حدود هوية النص محدودة، وبالتالي، ينبغي أن يظل النقد الأدبي في إطار محدد، لا نتجاوزه.

  2. نقد ثقافي، يوسّع تحليل النص باتجاه حركة الحياة، بقراءة العملية الانتاجية، وفاعلية القراءة، من خلال السياق. ونقد ثقافي، يهتم بشكل خاص، بما أسميه (محيط الإنتاج)، أي الظروف التي صنعت النص التي أثّرت في النص الثقافي نفسه، حيث يلعب رأس المال والسلطة وأدواتهما، دوراً في إشهار النص أو قمعه، حيث لا نقصد بذلك – أيّ إسقاط خارجي على النص، ليس له علاقة بالنص ومحيط الإنتاج، بل العكس: النص أولاً وأخيراً).

– إذ أن (النقد الثقافي المقارن) بجميع أشكاله ومقترحاته المنهجية لا يحصر نفسه ضمن فعالية فردية منقطعة عن فضائها الثقافي والاجتماعي والإيديولوجي، بل يقاربها بوصفها نتيجة طبيعية وحقيقية لحراك الثقافي والاجتماعي والحضارة والإيديولوجي المعبّر عن حركة المجتمع، على النحو الذي لا يمكنه أن يتماصل لتحقيق منجز نقدي عام وشامل وجوهري من دون استيعاب وتمثّل هذا الفهم في التنظير والممارسة النقدية.

– يعتقد (المناصرة) في هذا السياق أنه (لا يستطيع النقد الثقافي المقارن، بشقّيه: الطباقي (عند إدوارد سعيد)، والتعدّدي (عند المناصرة)، أنّ يرى (النص الأدبي، والنص الثقافي)، مجرد نصوص فردية جمالية بريئة شكلية. فالنصّ يمتلك في داخله إديولوجيته: القامعة أو الديمقراطية، والنصّ موجه لقارئ في زمان محدّد وزمان مستمر. والقارئ شريك في النصّ، سواءٌ أكان: جمهوراً أم ناقداً أم سلطة أم معارضة. كذلك: فالنصّ المغلق الشكلي، هو عند الناقد المحلل: خطوة أولى، وليس خطوة إغلاقية. وهنا يكتمل النقدي الأدبي، حين يقول (نصف الحقيقة) الآخر، أي عندما يفتح النافذة للنقد الثقافي المقارن). أي أن فتح النافذة الواسعة والرحبة والمثمرة للنقد الثقافي المقارن من طرف النقد الأدبي والنقد الثقافي هو السبيل الأمثل لتحقيق الوحدة المثمرة بينهما، نحو التوصل إلى أعلى طريقة ممكنة لفهم النص الأدبي والثقافي والإجابة الأنموذجية عن أسئلته.

– لقد أظهر (الشاعر الناقد عزالدين المناصرة) قدرة معرفية ومنهجية كبيرة على تمثل هذه الرؤية في مجال مقاربة النقد الثقافي وآلياته وقضاياه، إذ على الرغم من أنه بذلك يدافع – على نحو ما – عن أنموذجه النقدي في فهم الظاهرة الأدبية والنصية وتحليلها ونقدها، وأن مشروعه النقدي المصاحب لمشروعه الشعري ينطلق أساساً من رؤية شاملة تستند إلى تخصصه الأكاديمي في النقد المقارن والنقد الثقافي المقارن.

– إن الوعي النقدي والفكري والثقافي الذي تكشفت عنه آراء (المناصرة) في هذا المجال أظهر حيوية كبيرة في أنموذج المقاربة، عبر استطلاع دقيق لظاهرة النقد الثقافي في مقدماتها التنويرية والنهضوية لدى نقاد النهضة العربية، وصولاً إلى النقاد الذين دعوا على نحو نظري وإجرائي للنقد الثقافي بآلياته ومجالاته وقضاياه، بوصفه بديلاً للنقد الأدبي.

ويمكن القول إن (المناصرة) هنا حاول أن يمسك العصا من الوسط، إذ أكد على ضرورة وجود نقد ثقافي بحضور بارز يمكنه الإجابة عن الأسئلة النصية التي لا يتوفر للنقد الأدبي فرصة الإجابة عليها، ولكن من دون إلغاء النقد الأدبي الكاشف عن جماليات النص، فبحضور آليات التحليل الجمالي صحبة آليات التحليل الثقافي يكون النص الأدبي قد كشف عن قيمته ومعناه وخطابه، بحيث تتوسع فرصة القارئ والقراءة للتفاعل مع النص بأعلى صورة ممكنة.

مكتبة البحث

  • كل الأدلة تؤكد أن الشاعر والناقد البروفيسور (المناصرة) – قد سبق (الغذامي) في معرفته بـ(النقد الثقافي = لوتمان)، ولكن عبر انتمائه لـ(المنهج السلافي) منذ 1981:

–        صدر كتاب (المثاقفة والنقد المقارن)، عام (1988) عن دار الكرمل – عمّان في طبعته الأولى. وصدر في طبعته الثانية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر،(عمّان – بيروت). وتضخم الكتاب في طبعته الثالثة، وصدر بعنوان (النقد الثقافي المقارن) عام 2005 عن دار مجدلاوي، فأصبح مجلداً ضخماً يحتوي على ما يقرب من (800 صفحة)- لهذا لجأ (المناصرة) إلى (فك الارتباط)، ما بين أبحاثه في (جماليات المثاقفة)، و(النقد الثقافي المقارن) فصدر عن (الصايل للنشر والتوزيع – عمّان، 2015) في كتابين هما:

  1. (المثاقفة والنقد المقارن): لاحظ الدكتور شربل داغر في (مجلة فصول المصرية، 1997) أن المناصرة اتجه نحو فكرة التناص، وأضاف فكرة (التلاص)، وهكذا فكَّك الاختلاط في النقد العربي القديم بين (التناص والتلاص. وكان (المناصرة) قد فكَّك العلاقة بين (الأدبي، والثقافي) منذ منتصف الثمانينات وتحديداً عام (1986) في محاضرته في المؤتمر الدولي، بدمشق، الذي دعت له (الرابطة العربية للأدب المقارن)، حيث انتخب في هذا المؤتمر مرّة ثانية (نائباً للأمين العام للرابطة، وهو جزائري).

  2. (النقد الثقافي المقارن): إذا كان المناصرة (كما يقول داغر) هو الوحيد بين المقارنين العرب، لم يستخدم مصطلح (الأدب المقارن)، بل استخدم له بديلاً مصطلح (النقد المقارن) – فقد وصل المناصرة إلى مصطلح جديد، بإضافة كلمة (المقارن) إلى المصطلح المترجم إلى العربية (النقد الثقافي)، وكان قد اطلع عليه،آخر السبعينات عندما كان يدرس للدكتوراه في (جامعة صوفيا) من خلال تعرفه عليه في النقد الروسي (يوري لوتمان).

  3. (الهويات والتعددية اللغوية): صدر هذا الكتاب عام 2004 عن دار مجدلاوي، وصدر في طبعته الثانية عن الصايل للنشر والتوزيع، عام (2014).

  4. (علم التناص والتلاص والتنالاص): صدر هذا الكتاب عام (2006) عن منشورات جامعة فيلادلفيا، وحصل على (جائزة الناقد المتميز في العلوم الإنسانية)، 2008 من وزارة التعليم العالي الأردنية.

  5. (علم الشعريات): صدر هذا الكتاب عام (1992، مكتبة برهومة، عمّان)- وصدر في طبعته الثانية عن دار مجدلاوي عام (2007).

  6. (تداخل الأجناس الأدبية): صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام (2011، دار الراية، عمّان)، وهو يقرأ مسألة تفرع الأجناس الأدبية، قراءة مونتاجية، ليصل إلى نظريته حول ضرورة (التهجين)، لهذا طالب (المناصرة) في كلمته نيابة عن المشاركين العرب والأجانب في افتتاح (ملتقى القاهرة الشعري، 2016) بضرورة الاعتراف بشرعية (التهجين): (الأدب الفرانكوفوني العربي، وقصيدة النثر، والشعر اللهجي)، وضرورة تدريسها في الجامعات العربية. وقد ألقى كلمة المشاركين المصريين (الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي).

  7. (إشكالات قصيدة النثر): صدر هذا الكتاب عام (1998) في طبعة مصغرة، تلته طبعة المؤسسة العربية عام (2002). لكن (الطبعة الثالثة، دار الراية، عمّان، 2015)، وعدد صفحاتها (651 صفحة) – هي الأفضل. وقد وصف الصحافي (جهاد فاضل)، هذا الكتاب، بأنه (أفضل ما صدر بالعربية في مجاله).

مراجع البحث:

  1. علي صليبي المرسومي: الشاعر العربي الحديث ناقداً: (أدونيس – المناصرة – العلاّق) – دار غيداء، عمّان، 2016 – انظر (ص124-159 – النقد الثقافي المقارن عند عزالدين المناصرة).

  2. عزالدين المناصرة: علم الشعريات – (قراءة مونتاجية في أدبية الأدب)، دارمجدلاوي، ط2، 2007، عمّان.

  3. عزالدين المناصرة: الهويات والتعددية اللغوية – (قراءات في ضوء النقد الثقافي المقارن)، ط1، دار مجدلاوي، 2004، عمّان.

  4. عزالدين المناصرة: (علم التناص والتلاص، والتنالاص) – نحو منهج عنكبوتي تفاعلي- منشورات جامعة فيلادلفيا، 2006.

  5. عزالدين المناصرة: المثاقفة والنقد المقارن، ط1، عمّان، 1988 – (استعملنا طبعة الصايل للنشر لاحقاً).

  6. عزالدين المناصرة: النقد الثقافي المقارن، دار مجدلاوي، 2005، عمّان.

  7. عزالدين المناصرة: جمرة النص الشعري – (مقاربات في الشعر والشعراء والفاعلية والحداثة)، ط2، دار مجدلاوي، 2007، عمّان.

  8. فريال جبوري غزول (إشراف): الفلسطينيون والأدب المقارن: (الخالدي – سعيد – المناصرة – الخطيب)، الصايل للنشر والتوزيه، ط2، 2013،. وكان قد صدر في طبعته الأولى عن قصور الثقافة بمصر عام (2000).

  • ملاحظة (1): دأب (الناشرون) هذه الأيام على وضع (صيغة ط1)، على معظم كتب المناصرة، لأسباب ربما (تجارية!!)، والأمثلة واضحة، رغم أن بعض كتبه وصل إلى (الطبعة السادسة)، ووصلت أعماله الشعرية إلى الطبعة العاشرة.

  • ملاحظة (2): ورد النص التالي الذي ننقله حرفياً – في الغلاف الأخير للطبعة الأولى من كتاب المناصرة: (مقدمة في نظرية المقارنة)، دار الكرمل، 1988. وأعيد نشره مرّة ثانية على غلاف الطبعة الثانية (المثاقفة والنقد المقارن، 1996):

– (في هذا الكتاب يتصدى الشاعر عز الدين المناصرة، وهو هنا الناقد البارز إضافة إلى شاعريته المتميزة، لرصد تطور نظرية المقارنة في الأدب وتناميها معرفياً وتاريخياً، ولا يدخر وسعاً في إضافة بعد الوعي على الآخر، من خلال وعي الذات التاريخية، بغية امتلاك مفاهيم وأدوات المقارنة والمثاقفة انطلاقاً من المنهج العلمي. وهو كأي باحث يمتلك منهجه امتلاكاً خلاقاً، فقد حرص على المزاوجة بين المفهوم والنموذج، بين النظرية والتطبيق، مشخصاً أزمة نظرية المقارنة أوروبياً، ملقياً الضوء على العقبات التي تحول دون تبلور هذه النظرية عربياً، وبشكل وثائقي، مما يجعل من هذا الكتاب، مرجعاً أساسياً لكل الباحثين في نظرية المقارنة أوروبيا وعربياً. ولقد أثرى المؤلف كتابه هذا بمقارنات ضافية بين أعمال عربية وأخرى أوروبية، مبرزاً خطوط التقاطع والتوازن والتقابل، مؤشراً على خصوصية كل منها في إطار من فهم نظريات المقارنة ضمن شرطها التاريخي والحضاري، كتاب نعتز بتقديمه إلى المفكرين والباحثين والمثقفين العرب)

  • ملاحظة (3): (القلق النقدي الفعال) – قاد الشاعر والناقد (المناصرة) من (الأدب المقارن) – إلى (النقد المقارن) إلى (المثاقفة = النقد الثقافي) – إلى مصطلحه الخاص (النقد الثقافقي المقارن)، منذ تخصص في (الأدب المقارن) بـ(جامعة صوفيا – دكتوراه، 1981)، وهي الجامعة نفسها التي تخرج فيها: (تودوروف – وكريستيفا) في الستينات قبل هجرتهما إلى فرنسا – ومنذ تعرف المناصرة على كتابات (لوتمان) حول (سيميائية الثقافة). وهو أيضاً كان قد تخصص في دبلوم الماجستير في جامعة القاهرة، عام 1969 في (الأدب المقارن). – (المحرر).

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here