لبنان: النظام يلتهم التحرير بعد الوطن

طلال سلمان

لولا صور الشهداء المتناثرة فوق جدران البيوت التي أعيد بناؤها بعد التحرير في مثل هذه الأيام منن العام الفين، ثم في حرب تمو ـ آب 2006، لكان النظام اللبناني المعادي بطبيعته للمقاومة والتحرير، قد إنهار أو سقط تحت الاحتلال الإسرائيلي كالجولان ومعظم الأرض اللفلسطينية.ز

ولولا استمرار الاعتداءات شبه اليومية التي يرتكبها العدو الإسرائيلي جواً وبحراً، مع تخفيف الهجمات البرية، لأثقالها الباهظة عليه، ولولا اطلالات سماحة السيد حسن نصر الله المتلفزة واستذكاره “الحروب السابقة” وتنبيهه، بل تحذيره من الغفلة والاستكانة إلى ما تحقق من انتصارات..

لولا ذلك لالتهم النظام اللبناني بمغرياته المعيشية وانفتاحه الأوسع مما يجب على الغرب بالعنوان الأميركي ـ الإسرائيلي، وقائع المعارك الجهادية الباسلة في جبل عامل والضاحية ـ النوارة وبيروت ـ الصمود، وسهل البقاع بمدنه وقراه من اليمونة حتى الهرمل، ومن مجدل عنجر حتى حاصبيا، ومن مرجعيون حتى عيترون، ومن بنت جبيل حتى صيدا مروراً بصور الصمود ومعها مخيمات الشهداء ـ الأحياء من ذرية أهل النكبة العربية في فلسطين..

لولا ذلك كله لما كان الصمود في مواجهة العدو، بأكلافه الثقيلة، ثم المواجهة المشرفة حتى التحرير، ثم المواجهة الأعظم كلفة حتى التحرير الثاني في تموز ـ آب 2006،

لولا ذلك كله لكانت مؤامرات النظام العربي ومناوراته قد التهمت التحرير، بعدما كانت قد أسقطت “الوطن” لتمجد “الكيان” مفترضة أن نموذج الكيان الصهيوني العنصري والفاشي هو الأجدر بالحياة والبقاء في هذه المنطقة التي كاد تآمر أنظمتها عليها يفقدها هويتها الوطنية وانتماءها القومي وكرامة انتمائها إلى أمة كانت من صناع التاريخ طوال عقود..

لكن النظام الذي يريد المواطنين “رعايا لطوائفهم”، كما الإسرائيليين والصهيونية، يحب أن ينسى المقاومة وانتصاراتها ويكاد يعتذر عن رفضها الهزيمة والانصراف إلى ترف العيش بالسمسرة والاندفاع نحو الخليج أصفر وابيض وأخضر وليس من أهمية للهوية وإن كان التفضيل للهوية ذات الخمسين نجمة، أو للهوية ذات النجمتين المتقاطعتين.

وعلى هذا كاد التحرير يتحول إلى “وقف ذري” لأهله، يحب “الآخرون” أن ينسوه حتى لا يضطرهم الإستذكار إلى المشاركة في دفع ضريبته الباهظة، وقد يحرمهم من التفرد في السلطة الشوهاء، أو قد يؤدي إلى مقاومة النظام بقدر مقاومة العدو الإسرائيلي، لأن كليهما عنصري معاد للوطنية والهوية القومية، والتطلع إلى مستقبل أفضل في ظل الحرية والعروبة والوحدة القومية التي تحصن هذه الدول ـ المِزَق في وجه المطامع الإسرائيلية المعززة بالدعم الأميركي المفتوح وتخاذل أهل النظام العربي المستعد للاستسلام من دون قتال.

إن التحرير مكلف بالدماء، رجالاً ونساءً وأطفالاً، بيوتاً ومكاتب ومستشفيات ومسارح ودور سينما وصحف ومحطات تلفزيون وأنماط الثقافة التي تغذي التباهي بالهوية القومية وتاريخ الفتوحات والمكتبات الفريدة في بابها والتي أحرقها المغول أو نهبها الأوروبيون بعد هزيمة العرب وارتدادهم عن الأندلس.

إن النظام الذي لا يستلطف التعابير الخشنة كالحرية والتحرير وطرد الاحتلال وإلحاق الهزيمة بجحافله، يتمنى لو أن المقاومة تختصر دورها بحماية “النظام”، اعتماداً على النظام الإسرائيلي حيث مجلس النواب هو الكنسيت، وحيث يبدأ أو يتجلى الإيمان عبر اهتزاز الأجساد أمام جدار المعبد المهدم والمقدس في انتظار إعادة بنائه فوق أجداث الشهداء العرب، أصحاب الأرض والتاريخ ومجد الفتوحات.

إن النظام في لبنان يلتهم التحرير بعد الوطن، ويعيد أهله رعايا لمن غلب!

على أن الواضح أن أبناء الشهداء ومن تبقى من أهلهم، وما جددوا من بيوتهم التي هدمها العدو الإسرائيلي، لن يتخلوا عن هذا الوطن الذي ازداد قداسة بعدما ضم ترابه أجداث أهاليهم وتعطر بدمائهم الطاهرة.

إن الوطن لأهله وبأهله،

والنظام زائل وآخر الشهادات على قرب سقوطه رفضه تحويل الأرض إلى وطن والرعايا إلى شعب وإسرائيل إلى “العدو” كما هي حقيقتها الأولى والأخيرة.

 

رئيس تحرير صحيفة السفير

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

7 تعليقات

  1. يا أستاذ طلال :قرأت العدد الأول من صحيفة السفير عندما كنت طالبا في صوفيا فقد اعطاني ذلك العدد أخوك عصام
    كلما تابعت حوارا تلفزيونيا في فضائيات لبنانية استغرب كيف يستعمل بعد المتحاورين قضية سلاح حزب الله ويأخذون الأمور الى مكان اخر ويستعملون سلاح حزب الله كقميص عثمان وكشماعة لكل مشاكل لبنان ففي منطق هؤلاء لولا هذا السلاح لما تكدست النفايات في شوارع لبنان ولما تلوثت الأنهار والمياه الجوفية والشواطئ ولما استطاع الحرامية من نهب لبنان وافقار شعبة ولما انقطع التيار الكهربائي وتوقفت محطات توليد الطاقة ولكانت المياه في بيوت اللبنانيين اصفى من ماء الكوثر ولكان لبنان جنة الله على الأرض فكل هذا الوضع البائس سببه السلاخ الملعون فليس في لبنان حرامية ولا سماسرة
    فهل قامت الحرب الأهلية في لبنان أيضا بسبب السلاح ، فلولا بقية من خجل لقالوا ذلك

  2. الوحده الوطنيه و الوحده العربيه إراده.. إرادة الشعوب لا اكثر ولا أقل و الإرتقاء الى هذا الشعور الذي يملأ الصدور بالعزيمه و التصميم و الجديه في تحقيق ما هو الخير الحقيقي و الصواب لأمتنا هو الذي يفتح الطريق لتحقيق الهدف خطوه بخطوه و بناء بيت الأمان حجرا على حجر و المواطن طلال سلمان واحد من البنّائين و اصحاب الاراده

  3. شكرا كثيرا للكاتب …
    المقال كتب بلغة تسمو على لغة الكتابة، لغة ابلغ مما تعودنا على قراءته في الكتب والمجلات، والمواقع…لغة كلغة جبران في “النبي” : “إن النظام في لبنان يلتهم التحرير بعد الوطن، ويعيد أهله رعايا لمن غلب” ، و هذه اليقينبات المذهلة التي لاترى ما يدحضها، او يستدعي التشكيك فيها، تتنزل حقائق في الواقع من منطق الحتميات ” والنظام زائل وآخر الشهادات على قرب سقوطه رفضه تحويل الأرض إلى وطن والرعايا إلى شعب وإسرائيل إلى “العدو” كما هي حقيقتها الأولى والأخيرة”
    انها قراءة لايمل من استعداتها فهي البلاغة، والحكمة السياسية، والرؤى التي تشخص الواقع، وتستشرف المستقبل،، بتنبؤات، توقعات،، وحاشا ان تكون تخرصات، وفذلكات السياسيين المحترقة اوراقهم….

  4. ____ أستاذنا المخضرم الفاضل طلال سلمان .. صدق أو لا تصدق . المشكلة اللبنانية لن يحلها إلا ’’ مانديللا ’’ لبناني . و لا شيئ غير عفى الله عن ما سلف .. الديمقراطية لا تسمى أونطوان . و بيار . و إيتيان . و كلود . و جان . و فيلكس . و فيكتور . و سيباستيان . و لويس و لويسا … !!!
    .

  5. ____ قط سمين سئلوه عن وطنه ؟ .. أشاربيده إلى بطنه .. ها هنا !!!
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here