النظام الاقتصادي الاسلامي وتحريم اكتناز الثروة باعتباره أصل الشرور

 

 

د. طارق ليساوي

رأينا في مقال “النظام الاقتصادي الرأسمالي عولمة للفقر والاستغلال، والبديل العودة إلى العلاج الإسلامي” أن النظام الاقتصادي الرأسمالي السائد تحكمه  نواقص بنيوية تعد سببا في متتالية الأزمات ومنها: تسليع المال، فالمال أصبح يولد المال دون الحاجة إلى العمل، فتكدس الثروة بواسطة الثروة نفسها وليس بواسطة العمل، نظام هدفه الأساس نمو الثروة، بغض النظر النتائج الإنسانية والاجتماعية والبيئية، تحويل السلطة من الحكومات إلى الكيانات الاقتصادية العابرة للحدود، وهو ما أدى إلى تقييد الحكومات والسياسات أمام الكيانات الإقتصادية الرأسمالية الضخمة ..و نتيجة لهذه الاختلالات البنيوية، أصبح من الضروري بحث عن طريق ثالث وسط، فمن المستبعد العودة للنظام الإشتراكي الذي تبت فشله في بلدان المهد، ومن الصعب الاستمرار في نظام رأسمالي أصبح أقرب لإنتاج الأزمات و الكوارث الإقتصادية و المالية، بدلا من إنتاج الثروة وتعميم الرفاه وتعزيز الاستقرار والانضباط… وسنحاول في هذا المقال  بسط وتحليل رؤية الفكر الاقتصادي الاسلامي القائمة على أساس حظر  إكتناز الثروة والاحتكار، والدعوة إلي العمل والإنتاج وعدالة التوزيع و هي مقاومات أساسية لتأسيس  لاقتصاد حقيقي بدل إقتصاد مبني على الفقاعات المالية، إقتصاد في خدمة عامة الناس وليس إقتصاد يسخر عامة الناس لصالح قلة من الناس…

ويمكن إجمال الأهداف الكبرى للنظام الاقتصادي في الإسلام كما يلي:

  • كفالة حد أدنى من المعيشة لكل فرد و هو ما يصطلح عليه في الأدبيات الاقتصادية بنظام الضمان الاجتماعي..

  • السعي نحو ترسيخ الكرامة و الحرية عبر بوابة تحقيق القوة والعزة الاقتصادية مصداقا لقوله تعالى : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ( الأنفال الاية 60)، و عبارة ” من قوة ” الواردة في الاية الكريمة لا تقتصر على القوة العسكرية و إنما تتعدى ذلك الى كل مظاهر و أشكال القوة ، بما فيها القوة الاقتصادية على إعتبار أن المال عصب الحياة..

  • الحد من التفاوت في الدخل والثروة بين الناس و خلق نوع من التوازن الاجتماعي، عبر تقليص فجوة الدخل بين أفراد و طبقات المجتمع، ولتحقيق هذا الهدف تم تشريع الزكاة قال تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة الاية 110)، و الإرث قال تعالى: (للرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) (النساء الاية 7) ، و الحث على الإنفاق قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ(10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)) (المنافقون)..

  • تحريم إكتناز الثروة باعتباره شر مطلق: فالإسلام حرّم بشدة تكديس الأموال وحذر من خطورة هذا الفعل، و ذلك خلافا لما هو سائد اليوم في  الاقتصاد الرأسمالي القائم على مبدأ تكديس المال في يد فئة قليلة.. وهو الأمر الذي  له عواقب وخيمة و نتائج مدمرة على البشرية، لأنه يؤدي إلى  تكدس الثروة في يد فئة قليلة من الأثرياء وحرمان الغالبية من المال.. فبحسب منظمة “أوكسفام” البريطانية إن ثروة 1 في المئة من أغنى أثرياء العالم تفوق ثروات بقية العالم مجتمعة.. و في تقرير لهذه المنظمة صدر قبيل قمة المنتدى الاقتصادي العالمي في “دافوس”، دعى زعماء العالم إلى اتخاذ إجراءات مناسبة لمواجهة عدم المساواة في امتلاك ثروات العالم..و هو الأمر الذي حرمه الاسلام جملة وتفصيلا، عندما حرم تكديس الأموال تحريما شديدا، لدرجة أن هذا المال الذي هو سبب نعيم الانسان في الحياة الدنيا، سيكون مصدر تعاسته و عذابه الشديد يوم القيامة قال تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة 34)..

و هناك أهداف أخرى مشتقة عن هذه الأهداف كالتوظيف الكامل، ومكافحة التضخم ،وتحقيق الاستقرار الاقتصادي و الأمن الاجتماعي و تعزيز شبكات الأمان .. فتحقيق الأهداف الرئيسية يقود بالتبعية إلى تحقيق غيرها من الأهداف و قد حاول الفكر الاقتصادي الاسلامي معالجة جملة اختلالات شكلت و لاتزال تشكل نقاط ضعف و قلب الأزمة في الاقتصاد الرأسمالي المعاصر..و لطالما إعتمد عليها الفكر الاقتصادي الاشتراكي في توقع انهيار النظام الرأسمالي القائم على مبادئ ومفاهيم تتناقض مع العدالة والمساواة التي يرغب الإنسان في تحقيقها ..لكن من سخرية القدر أن النظام الاقتصادي الاشتراكي هو الذي سبق في الانهيار، لكن إستمر النظام الرأسمالي رغم مساوئه إلى حين ..

 فالفكر الاقتصادي الإسلامي يوضح مساوئ كلا من النظامين الرأسمالى و الاشتراكي، لكونهما معا يقومان على مبادئ تتعارض مع شريعة الله وسننه، ومع

القيم والأخلاق لأنه يقوم على الاحتكار والفوائد الربوية وهذه الأفعال غير الإنسانية تتعارض مع مبادئ وجود الإنسان.. أي أن الله جل و علا خلق الإنسان لاستخلافه في الأرض حتى يقوم بتحقيق الحق والمساواة والعدل و الكرامة و العدالة …

فالأزمـات الاقتصـادية و الإجتماعية، من منظور الفكـر الاقتصادي الإسلامي تتلخص في  الاختلالات البنيوية التي تعتري  النظام الاقتصادي المتبع و الذي أخل بالمبادئ الإنسـانية بمختلف معانيها.. فالنظم الاقتصادية المعاصرة أخلت بالمبادئ التالية:

أولا- مبدأ الاستخلاف: وهي الحاجة إلى العدالة الاجتماعية و عدالة التوزيع للثروات و الموارد..

ثانيا- مبدأ الاختيار والحرية الاقتصادية: وذلك أن يكون الإنسان في تصرفه يسير وفق ضوابط وأطـر شـرعية، بمعنى أن يسعى الإنسان إلى الكد وبذل الجهد وذلك بتعظيم أجره وثرواته، وأن يسعى في المقابل  إلى تحقيق المنفعة لنفسـه

وللمجتمع، عن طريق الاختيارات الشخصية التي لا تعارض دينه و مصالح أمته و مجتمعه، فسلوكه و اختياراته الاقتصادية ينبغي أن تكون صالحة ونافعة في

دنياه وآخرته..

ثالثا – مبدأ الإحسان والتعاون: وفي هذا المبدأ أن يكون هناك تعاون أخوي وذلك بتجسيد الإنسان الأعمال الفاضلة في كـل شؤون حياته العملية كالتجارة والصناعة والثقافة والتعليم.. إضافة إلى أن يسعى الإنسان إلى إعانة جميـع مـن في حاجة إليه و سعي نحو تحقيق النفع لجميع أفراد المجتمع سواء كانوا منتجين أو مستهلكين.

وإذا أخلت المعاملات البشرية بأي مبدأ من هذه المبادئ السابق ذكرها، فإنه لا مفر من حدوث  الاختلالات و توالي الأزمـات ،و هو ما سنحاول التوسع فيه، في مقال موالي إن شاء الله تعالى..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون ..

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

 

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here